الإثنين 23 سبتمبر 2019 م - ٢٣ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن : دروس وعـبر مـن بـعـض آي السـور (3)

شـذرات مـن هـدي القـرآن : دروس وعـبر مـن بـعـض آي السـور (3)

الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلـين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين، وحجـة الله رب العـالـمين، وعـلى آلـه وأصـحـابه أجـمعـين، وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد..
فـلا زال الحـديـث مـوصولاً:(دروس وعـبر مـن بـعـض أي الـسـور) يـقـول الله تعالى:(إِنَّ هَـٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ..) (الإسـراء ـ 9)، وكانـت الـنـتـيـجـة نـتـيجـة مخـيـفـة قال تعالى:(فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّـهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ) (الـقـصص ـ 81).
وقال الله عـلى لـسان الـنـبي مـوسـى ـ عـلـيه الـسـلام:(وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) (يـونـس ـ 88)، فـقـدم النبي مـوسى الأمـوال حتى لا يـقـال: إن النبي مـوسى طـامـع في أمـوالـهـم، فـمـا آت الله مـوسى خـير مـمـا آت قـارون وهـو اصطـفـاء الله واخـتـياره للـرسـالة ولـكـلامـه.
قال تعالى:(وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ..) (الإسـراء ـ 9)، والـبشـرى لا تـقـتصـر عـلى الــدنـيا، بـل تـشـمـل الـدنـيا والآخـرة، قال تعالى:(لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّـهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (يـونس ـ 64)، وحـق للـمـؤمـن أن يـنـال تـلك الـبـشـرى، وهـي بـشـرى عـظـيـمة وكـيـف لا تـكـون عـظـيـمة وقـد وهـبهـا عـظـيـم، فـتجـد الـمـؤمـن يـسـارع إلى فـعـل الخـيرات وإقـام الـصـلـوات وإخـراج الـز كـوات، طـالـبـاً مـن رب الـسـمـاوات أن يـعـينـه عـلى تـرم الـمنـكـرات وحـب الـصالحـات.
وتجـد الـمـؤمـن دائـماً مـتـفـائـلاً، راضـياً بـقـسـمـة الله لـه، لأن الله هـو الـذي قـسـّم بـين عـبـاده الـرزق، قال تعالى:(أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) (الـزخـرف ـ 32)، ورفـعـنا بـعـضهـم فـوق بـعـض سـُخـرياً، لا للتعـالي ولا للـتـمايـز ولا للـتكـبر ولا للـسـيطـرة والـتـفـاخـر.
وإنـمـا جـعـل الله ذلـك الـتسخـير لـحـكـمة أرادهـا الله سـبحـانه وتعالى تـكـون بـيـن الـبشـر، تـكامـلاً وتـسانـداً وتعـاونـاً، بحـكـم احـتـياج بـعـضهـم لـبـعـض، أن الإنـسان بـطـبـيـعـة تـكـويـنـه وإن كان غـنـياً، فـهـو لاشـك يحـتاج إلى أشـياء لـيـس باسـتـطاعـته أن يـقـوم بـهـا وحـده، فـمثـلاً رغـيـف الخـبز الــذي يـحـتاجـه الإنـسان لـغـذائـه، كـم مـن الأيـدي التي شـاركـت في ذلك الـرغـيـف حتى يصـير رغـيـفـاً لـمحـتاجـه، فـنجـد الـحـارث والـزارع الـساقي والحـاصـد، والـبـائـع والـمشـتري والـطاحـن، والـعـاجـن والخـابـز إلى آخـر الـمـطاف.
إذن .. مـا جـعـل الله الـبـشـر مـتفـاوتـين في عـلـمـهـم وفي إدراكـاتـهـم الـمخـتـلـفة إلا لـيـكـون احـتـياج الـناس لـبعـضهـم الـبـعـض احـتياج ضـرورة فـحـكـم تـكـويـنـهـم، ولـذلك نحـد الـمـؤمـن يـقـدر تـلك الأمـور التفـاوتـية، وأنـها لـحـكـمة، وحـبب الله لـذي صـنـعـة صـنـعـته، حـتى يـكـمـل بـعـضـهـم مـا يحـتاجـه الـبـعـض بـغـير مـنـية مـن أحـد، وتـر الـمـؤمـن يـنـظـر إلى إخـوانـه نـظـر تـقـديـر واحـتـرام، وإذا قـام بأي عـمـل فـإنـما يـقـوم بـه مـن واقــع إيـمانـه ، ومـن واقـع قـولـه تعالى:(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجـرات ـ 10).
والـمـومـن لا يـقـوم بأي عـمـل مـا إلا ويـنـظـر، هـل هـذا الـعـمـل فـيه رضـاء لله، وهـل هـو عـلى وفـق مـا أمـر الله به في كـتابه الـعـزيـز، أم هـو عـمـل لا يرضي الله ولـم يـأمـر بـه، وجـاء في الإثـر الـمـؤمـن وقـاف والـمـنـافـق وثـاب.
قال تعالى:(قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ) (فـصلت 9 ـ 10)، والله رحـمـة مـنـه وتـفـضـل عـلـيـنـا جـعـل لـنـا الأرض ذلـولاً، مسـخـرة مـذللـة، نسـعـى لـكـسـب الـرزق ونأخـذ بالأسـباب، والأرض لا تـمـيـز بـين مـؤمـن وكـافـر، فـمـتى أخـذ الإنـسان بالأسـبـاب تـفـاعـلـت الأرض بحـكـم تسخـيرهـا مـن الله، وقـدر أقـواتهـا إلى أن يـرث الله الأرض ومـن عـلـيها، ونحـن نسـعى فـيهـا ونتـخـذ بالأسـباب.
وكل كـشـف يـكـتشـفه الإنـسان في هــذا الـكـون الـواسـع، وأن الله جـعـل لـه مـيـلاداً، لحـكـمـة يـعـلـمـها الله، حتى تظـهـر في الـوجـود وتـؤدي مـهـمـتها التي خـلـقـهـا الله مـن أجـل تـلك الـمهـمة، أي وقـت وقـته الله لـظهـوره، عـلى يــد مـن أخـذ بالأسـباب، فـإذا أخـذنا مـثـلا بالأسـباب، وبحـثـنا ما تحـت الـثـرى، أو الكـنـوز الـمـوجـودة تحـت سـطـح الأرض، التي ضـلت مـطـمـورة تـلك الـمـدة الـطـويـلة، الـتي لا يـعـلـمها إلا الله، الـذي خـلـقـها ووقـت لـها وقـتا لظـهـورهـا، فـكل ما اكـتـشفه الإنـسان مـن صـنـع الله، فـتـلك أشـياء الله يـبـديـها ولا يـبتـد يـها وخـلـقـها الله يـوم خـلـق السـمـوات والأرض، ثـم بـعـد ذلك هـدى الله تعالى الإنـسان إلـيهـا، وعـلـمه كـيـف يـسـتخـرجـها مـن مـضانهـا.
.. وللحـديث بـقـية.
ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى