الإثنين 17 يونيو 2019 م - ١٣ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / صُوَرٌ.. تَتْبَعُ صُوَرا

صُوَرٌ.. تَتْبَعُ صُوَرا

علي عقلة عرسان

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴿٦﴾ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴿٧﴾ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴿٨﴾ – سورة الانفطار.

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿٢﴾خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴿٣﴾ – سورة التَّغابن.
﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّـهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ ﴿٢﴾أَلَا لِلَّـهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّـهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّـهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴿٣﴾ – سورة الزُّمَر.
* * *

عَيْني صُورٌ..
قَلبي صُورٌ..
أُفقي صُورٌ..
صُوَرٌ تَملأ كلَّ سَمائي..
مِلءَ كياني، مِلءَ رِدائي..
صُوَرٌ.. دَائي..
جِنحُ غرابٍ، مِلءَ فضائي..
ظُلْمة ليلٍ في أحشائي،
سُمُّ أراقمَ مِلءَ إنائي..
صُورٌ دائي..
صُورٌ دائي.
* * *
ليلُ الصُّورَة يَدْوي..
ليلُ طُغاةٍ، يفتكُ فتكًا في أَحشائي..
يأكلُ خُبزي، يَشربُ مائي..
يأخذ أرضي، يقتل ظِلِّي في أبنائي..
يَنْخَرُ كلَّ عِظامِ بِنائي..
دفقَ جليدٍ صارَ،
وسَكْبَ نِصالٍ في أَعْضائي..
آهٍ.. آهٍ..
هَولُ الصُّور الأَقسى..
صَارَ وجودًا..
أَضْحى قيدًا..
صَاغ الكونَ حدودًا، قيدًا..
رِمْسًا يبلعُ رِمسًا أَمُسى..
خَلَّى الناس يَباسًا..
ظِلّ أناسٍ أبأس أقسى..
ظِلًّا يَنزفٍ ظِلًّا، يَتبعُ ظِلًّا..
يُنجب ظِلًّا.. أعشى..
صَارَ الظِّلُّ جِبالًا تَسعى..
تَسْفَعُ وجهَ الأَنْفُسِ سَفْعا
هَولُ الصُّورِ الأقسى يَسعى..
صَارَ، وأَضحى.. أصبحَ، أَمسى..
أَفسَدَ طَعمَ العيشِ، أحال العالمَ حَبْسا..
يَنشرُ في الآفاق فسادًا.. ينشر رِجْسا..
أَصبحَ مَسًّا..
مَسَّ جنونٍ، يَحرقُ قَلبَ الكَونِ الأخضر يَأْسا..
يَطلُبُ عَرْشَ الكونِ.. ويُظهِرُ زُهدًا..
يَلْبَس زِيَّ العابدِ، يَظْهَرُ قديسًا أو قِسًّا..
يَفسُق، يَسرقُ، يقتلُ.. لكنْ يأسى..؟!
يا لَزُحوف الصُّوَرِ.. جِبالًا تَسْعى..
تجعلُ روحي رِمسا.
* * *
يا لَلكَونِ، بِلَونِ البُؤسِ.. يَلُوحُ كَئيبا..
لَونَ حبيبٍ خانَ حَبيبا..
هالَ السّمَّ بثغرِ العُمرِ، أَحالَ الحُبَّ، العمرَ، نَحيبا..
مَاثَ العَلقَمَ، صَبَّ القهرَ، وصبَّ المَوتَ صَبيبا..
يا لَلكونِ.. يَدُبُّ دَبيبا..
ذِئبًا صَارَ، ويأكلُ ذِيبا..
يا لَلْهَوْلِ.. يحيلُ القلبَ الرَّهوَ وجيبا..
يطفِئُ شَمعَ الروح، يسيلُ نحيبا..
يا لَلْكونِ، بِلَونِ البُؤسِ، يَلوحُ كئيبًا.
* * *
أهربُ..
أهربُ مِن ذئبِ الليلِ، وزحفِ البَلْوى..
أهرُبُ.. أهرُبُ.. لكن.. أينَ المَلجَأ، أينَ المَأوى..
صُوَرِ الأقوى، سيفٌ فوقَ رقابٍ أهوى..
رُعبًا صارَ الوقتُ.. نَشيشُ قلوبٍ تُشْوى..
سَيلُ الناس الصُّوَرِ، سلاحُ الغُول الأقوى..
صُوَرٌ تُغري صُورًا أخرى..
أهربُ.. أهربُ.. لكن..
يَشتدُّ ورائي الليلُ، تسيلُ البَلْوى..
خَطوُ الموتِ صَهيلٌ خَلفي..
أُفقُ الرُّعبِ مَديدٌ..
لَيلُ الظلمِ ثَقيلٌ، يكبُرُ، يَسعى..
يَنداح عويلًا، بؤسًا، شكوى..
آهٍ.. آهٍ..
جَدول عُمري جَفَّ.. تخَثَّرْ دَمِّي..
ثَلجًا قُطبيًا صارَ الدَّمُّ..
تَجمَّد، أكثر، أكثرَ، أَقْوى..
آهٍ.. يا ثَلْجَ القلبِ.. تَحرَّك..
آهِ.. زَحْزِحْ بعضَكَ بعضا..
آهِ.. تَحَرَّكْ..
* * *
كَونُ الصُّوَرِ انداحَ بَليدًا..
قُطبًا صارَ، وصار جَليدًا..
آهِ.. ما أقسى: “قُلبُ الكونِ يصيرُ جَليدًا..
آهٍ.. ما أقسى أنَّ الكونَ يَصير قيودًا..”..
لكن صَارَ..
وصَارَ الناسُ سيوفَ الظُّلمِ،
صَار الناسُ عبيدًا..
صُورًا صَاروا، تعبدُ صُورةَ صُورَة..
صَارَ.. وصاروا..
صُوَرًا تبلعُ صُورًا، تبذُرُ صُوَرًا..
صَار القطبُ الفردُ الصُّورة “هَوْلًا.. غولًا..”..
“هُبَلَ” العصر، وصُورة قرْدٍ يَبلعُ كونًا..
يَبلعُ خَلقَ اللهِ، ويَصْنع خَلْق اللهِ سيورَ نِعالٍ..
يقتل باسم الله.. وينطق باسم اللهِ..
ويُصبحُ كونًا، رَبًّا..
“يُبْهِرُ، يقْهَرُ، يَفتكُ فَتْكَ وَباءٍ أحمَر..
يُثمرُ رُعبًا، موتًا أصفَر..
يَغدو كابوسَ النَّومِ،
وخُنَّاقَ الصَّحوِ..
رَهَقَ المَشي،
سُكونَ القبر..
ظلامَ اللَّحدِ.. صُخورَه..
يَغدو “كونًا، رَبًّا، هُبَلًا، صُورة؟!”
* * *
في الصَّحوِ..
أَشْخَصُ في الغَيبوبة..
بيتي الليلُ، فراشي وحلُ الأرضِ..
وزادي خَوفٌ، يفتَح قلبي جُورَة..
يَقصفُني الرعبُ..
بُركانًا يَهمي الرُّعبُ..
قَنابلَ حقدٍ..
يَنشرُ من حَولي المَوتَ..
فَأثوي.. عَدمًا مَحْضًا..
صُورةَ، صُورةِ ظلِّ الصُورَة..
ينتُفُ ريشي العدمُ المَحْضُ..
يَنثُرُ ذاتي..
عُريًا أغدو..
يُضْرِي الرِّيحَ، فتعوي الرِّيحُ..
أَطيرُ.. أَطيرُ، وأَهوي..
أَصْرخُ.. أَهوي..
أنْحُبُ.. أَهوي..
أضرَعُ.. أهوي..
تَحْتا.. تَحْتًا.. تَحْتًا.. أَهْوي..
فَوقي صُورٌ،
تَحتي صورٌ..
قلبي صُوَرٌ..
كَوني صُورٌ..
عَجبًا.. عَجَبا..
كَونُ الصُّوَر الحُبلى يَتْرى..
يَكبُر، يزحفُ، يَفتكُ، يَثْرى..
يُنجبُ رُعبًا، يُرضِعُ رُعبًا..
يُرسِلُ رُعبًا في الآفاقِ..
ومَجرى الرُّعبِ فضاءٌ يَعْرَى..
شَلَّال الرُّعب مَهولٌ..
مَهوى الرُّعب سَحيقٌ.
فعلُ الرُّعبِ رَهيبٌ..
بَين مَنابعِ نَهرِ الرُّعبِ وبينَ مَصبِّه، أَمضي..
مثلَ فُقاعة ماءٍ غَرْثَى..
عَطْشى للمَاءِ ببحر المَاء..
صُورُ الماءِ كمائنُ رُعبٍ حَولِي..
والأجواء.. كمائنُ رُعبٍ أُخرى..
كلُّ وجودٍ فيه كمائنُ رُعبٍ حَولي..
صُورٌ وجهُ الرُّعبِ..
صُوَرٌ سيفُ الرُّعبِ..
صُورٌ كلُّ وجودِ الكونِ الرُّعبِ..
“صُورٌ تَخشى صُورًا، تعبُدُ صُوَرًا..
“تحكي، تَشرحُ، تَضحكُ، تَرقصُ، تَبكي..”..
حسبَ عُروضِ السُّوقِ تسوق..
رقص قرودٍ ترقص فوق حبال الرُّعبِ..
صُورٌ تَعبدُ عبدًا صورة: “يَغضبُ، يَغفرُ، يَبطشُ، يَأمرُ، يَقتُلُ..
يَرشَحُ منه الرُّعبُ، الدَّمُّ، المَوتُ، ويَزُحَف..”..
تبكي الصُّوَرُ، تضحكُ، تَفرح..
لكن.. يبقى صُورة..
يا لَلهول.. ويا لَلهولِ.. صُورٌ تعبدُ صُورة؟!..
صُورٌ مثلُ صِغار النملِ..
تَموجُ حِذاءَ الصُّوَرٍ الأكبر..
شَعْبٌ يَصْغُرْ..
شَخْصٌ يَكْبُرْ..
عَيْشٌ يَعْسُرْ..
كَونٌ يغدو سجنًا أحمَر..
كَونٌ يكبرُ فيه البؤسُ،
يذوي فيه الحُرُّ، يموتُ..
ويَصْغَرُ فيه الإنسانُ..
ويَعمَرْ..؟!
كونٌ يكبرُ، يَعْمَرْ..
كَونٌ صُورَة.؟!
* * *
أَشْقيْتُ البَحثَ،
نبشْتُ تلافيفَ الرأسِ، القَلْبَ،
نَبَشْتُ الأحشاءَ،
فَرَيْتُ الكَبْدَ،
نَبَشتُ العِرْقَ، النَّبضَ، الرُّوحَ..
لأَفهم مَعنى: “الجَسد الصُّورَة،
المَاءَ الصُّورة،
الكَونَ الصُّورَة..
اللهَ البَشريَّ.. الصورة؟!”..
لكنْ.. ما أقساها..” لكنْ..”..
غابَتْ في العدَمِ الشُّبُهاتُ..
دَاخَلَ زحفُ الصورِ الشَّك..
زَحفَ المَوتُ..
صَارَ المَوتَ كَثيفًا..
لكنْ.. زحفُ الصُّورِ ازدادَ..
صَارَ زحوفَ جيوشٍ كُبْرَى..
صَارَ دُروبَ النَّمْلِ، مَجْاهِلَ تيهٍ..
صَارَ وجوهًا “شُوْهًا”..
صَارَ أُناسًا.. “صُمًّا، بُكْمًا، عُمْيًا..”..
آهٍ.. آهٍ.. آه..
صُورُ النَّمْلِ زَواحف تَتْرى..
في الأعصابِ تفيضُ جيوشًا تَزحَف..
فَاضَ الغزوُ المُرعِبُ..
غَزوُ العَدمِ المُرِّ.. غَرِقتُ..
صِنْوَ ذَّبيحِ صِرْتُ..
فَوقَ النَّطْعِ.. مُسَجَّى..
جِراحُ الرُّوح تَصيحُ: “أَفاعٍ”..
مِلءَ الكونِ فحيحُ أفاعٍ..
عَدمٌ يزحفُ فوقَ النَّطْعِ..
صُورٌ، صُورٌ، صُوَرٌ تَترى..
غَوثًا.. غَوثًا..
رُعبُ المَوتِ.. “أَنَايَ”..
نَهبُ الريحِ.. “أَنايَ”..
جَدولُ عُمري جَفَّ..
عُمري عَدَمٌ يَجري..
نَشْجًا صِرتُ..
أَعومُ نجيعًا فوق الصُّورِ، المَاءِ، المَوتِ..
فُقاعةَ كون وجودٍ.. تَطفو فوقَ المَاءِ..
وتَمضي عَبرَ فضاءٍ يَمْضي..
لكنْ.. لكنْ.. لكنْ..
آهِ.. آهٍ.. آه..
أغرق.. أغرق..
تُغرقُني الصُّوَرُ..
أَهوي، أهوي..
صَوتُ هُويِّ الرُّوحِ، كَصوتِ صُروحٌ تَهوي..
يَصْرخُ روحي ملء جُروحي..
يَصْرُخُ قَلبي..
يَصْرخُ صَوتي..
“خُذْنِي مِنِّي يا اللهُ..
و.. خُذْنِي مِنِّي..”
لكنْ.. أهوي.. أهوي..
كلُّ صَهيلِ وجودي يَذوي، يَهوي..
مثل غُبارٍ صَدِئٍ أَثْوي،
فَوقَ جَليدِ وجودي،
فَوق الصُّورِ، الرُّعبِ، المَوتِ،
وفَوق ورود الحُلم.. ورودي.. أثوي..
يُصبحُ بعضُ العَدمِ المُرِّ.. وجودي..
كلُّ وجودي..
كلُّ وجودي..
كلُّ وجودي.

إلى الأعلى