الجمعة 20 سبتمبر 2019 م - ٢٠ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / المدينة والثقافة

المدينة والثقافة

أ.د. محمد الدعمي

أزعم هنا أن جذور الاستجابة الثقافية للبيئة الحضرية إنما تضرب بتربة بغداد وحواضر الشرق العربي الإسلامي (مثل القاهرة ودمشق وأصبهان) عبر العصر الوسيط، إذ تشكلت في هذه الحواضر استجابات العقل الحساس والمبدع الأقوى، حيال طبيعة البيئة الحضرية، متبلورة في تسليات حكايات (ألف ليلة وليلة) وفي كنوز الحكمة بحكايات الحيوان في (كليلة ودمنة)، وفي مقامات أبي الفرج الأصبهاني، بعدما بقي الأدب العربي والإسلامي عامة حبيسا للصحراء وللأرياف وبيئتها القاسية أحيانا.
وإذا ما تواصل العقل العبقري المرهف الحس بالاستجابة لآثار المدينة عبر العالم عبر الحقب التالية، من الصين إلى أوروبا الغربية، مرورا بالشرق الأوسط، فقد شكل “أدب الثورة الصناعية” ببريطانيا المرآة الأهم (في تاريخ العالم) لعكس حساسيات بعض الشعراء والكتاب الخياليين لرتابة الحياة المدينية، واستبدالها أبراج الكنائس والكاتدرائيات بمداخن المعامل التي بقيت تتقيأ سمومها نحو الأعالي لتستبدل غيوم السماوات الصافية بشرائح غيوم الأبخرة السامة، درجة حجب الشمس عن وجود الإنسان المضطهد والمضموم لأرتال الكدح الطويلة، طوابير من الجياع والمضطهدين.
وإذا كان “العصر الفكتوري” ببريطانيا الثورة الصناعية قد شكل “العصر الذهبي” للانتفاض على المدينة الصناعية ولرفضها بسبب ما جاءت به من تعقيدات التلوث والقبح، والرتابة والفقر، والإنسان مضادا للماكينة، ناهيك عن معضلات تنامي الجريمة والضغائن بسبب تحول المدن إلى “علب ساردين” خانقة، خصوصا عبر أحياء الأزقة الفقيرة، فإني أرى بأن الدور قد جاء (الآن) على حواضرنا في الشرق الأوسط، للكشف عن ذات المشاكل أو ما يشابهها في كبريات المدن. ومن هذه المشاكل التي يتوجب معاينتها ومجابهتها تبرز آثار البون بين أحياء الأغنياء وأحياء الفقراء، واستفحال إفرازات الفقر وتداعياته الأخلاقية، وغزو الماكينة بما يأتي مع هذا الغزو من تلوث بيئي وخنق للمواطن بالمواد البلاستيكية التي لا يمكن التخلص منها (علميا)، زد على ذلك المعضلات الناتجة عن الكثافة السكانية، أي المعضلات المعروفة: كتراجع الخدمات الصحية والتربوية وخدمات النقل العام وتوفير أساسيات الحياة الحضرية كالماء الصالح للاستهلاك البشري وكالكهرباء والتوسع في مشاريع الإسكان والإعمار، تلك المشاريع التي راحت تنوء تحت أعباء تلبية الحاجة السكانية المطردة إليها، وهي الحال التي قادت إلى ظهور أحياء وتجمعات الصفيح السكانية، ناهيك عما يتناهى إلى مسامعنا الآن من الخوانق التي أدت إلى مشاركة الأحياء مساكن الموتى في مقابرهم من أجل المبيت، والاستقرار أحيانا.
وإذا كانت صحارينا الشاسعة المحيطة بمدن الخليج العربي قد ساعدت على تنقية أجوائها على نحو سريع برياحها النقية سابقا، فإن على المخططين الحضريين التحسب والتحوط للقادم من السنين سريعا، قبل أن تتحول المدينة الخليجية إلى “ثقب جحيم”، كما وصف الفكتوريون مدنهم الصناعية قبل أكثر من قرن ونصف!

إلى الأعلى