الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المعركة السياسية ما بعد غزة

المعركة السياسية ما بعد غزة

علي بدوان

”.. أمام الحالة الإنسانية الصعبة، وأمام المهمات الكبيرة التي تقوم بها وكالة الأونروا، فإن الوكالة كانت قد أطلقت قبل أيام نداء عاجلاً للدول المانحة (دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا واليابان) من أجل تأمين مبلغ إجمالي قدره (295,4) مليون دولار أميركي لدعم ما يصل إلى نصف مليون شخص من المهجرين، بمن فيهم أكثر من ثلاثمائة آلاف شخص يتوقع أن يواصلوا الإقامة في مدارس وكالة الأونروا.”
ــــــــــــــــــــــ
تبدو الآن المعركة السياسية ما بعد العدوان الأخير على قطاع غزة، أقسى من المعركة العسكرية ذاتها، فقد انتهت تلك الجولة من الحرب العدوانية المجنونة التي شنتها الدولة العبرية الصهيونية على الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية، دون أن تتمكن دولة الاحتلال من تنفيذ مشروعها الأساسي بتدمير بنى قوى المقاومة وإركاع غزة وأهلها. فكان صمود عامة الناس هو العنوان الأبرز للانتصار، خصوصاً مع سلامة الجسم الأساسي لقوى المقاومة، وبقائها حية وموجودة داخل الجسم الوطني الفلسطيني في عموم مناطق قطاع غزة. لكن انتهاء المعركة العسكرية أوليًّا لا يعني أن تسود روح الطمأنينة لدى عامة الفلسطينيين، فالمعركة السياسية مُحتدمة في الوقت الحالي، وكواليس الدبلوماسية السرية تعمل بكل دأب وتواصل من أجل تدفيع الفلسطينيين الأثمان السياسية، وعلى رأسها المماطلة بشأن رفع الحصار الظالم والجائر عن القطاع، وعدم فتح المعابر، والمماطلة بشأن إدخال المواد اللازمة لإعادة الإعمار.
لقد جاءت فاتورة الصمود الوطني الفلسطيني، في وجه العدوان “الإسرائيلي” الصهيوني على قطاع غزة باهظة جداً، ومرهقة، لشعبٍ مُحاصر منذ سنوات. فقد كانت الحرب بمثابة حرب دولة مجهزة بجيش (عرمري) من ناحية السلاح والعتاد وتقنياته التكنولوجيه ونوعيته، على مدينة محاصرة، ومطوقة من كل الأطراف، وعلى شعبٍ شبه أعزل. بعد خمسين يوماً من حرب الدولة الأقوى في المنطقة على المنطقة الأشد حصاراً والأضعف مورداً على وجه المعمورة.
صمد الفلسطينيون في قطاع غزة، صمود الانتصار، فكان هذا الصمود هو المُكون الأول والأساسي للانتصار، انتصار اللحم والدم على السيف، انتصار الإرادة على الغيلان أعداء الحياة من وحوش الهمجية الفاشية الصهيونية. حيث دفعوا فاتورة الصمود الكبرى على كافة مستوياتها، بالدماء والضحايا والدموع، والتشرّد، حيث مئات الثكالى والأرمل وآلاف الأيتام. حيث سقط نحو (2137) شهيدا فلسطينيا، وأصيب أكثر من عشرة آلاف منهم. كما دفعوا أثمانها بدمار بناهم التحتية وقطاعات واسعة من الاقتصاد الوطني، ومن دورهم ومنازلهم، حيث تقدر قيمة الخسائر الاقتصادية التي لحقت بالفلسطينيين بنحو ثمانية مليارات دولار أميركي، وهي تقديرات أولية على كل حال.
شنت الدولة العبرية الصهيونية عدوانها الأخير على القطاع مستخدمة زبدة ونخبة تشكيلاتها القتالية العسكرية، مع الإفراط باستخدام سلاح الجو، الذي استهدف نحو خمسة آلاف هدف داخل قطاع غزة، تم خلالها إلقاء الحمم النارية على عموم مناطق القطاع، الذي لا تتجاوز مساحته الجغرافية أكثر من (366) كيلومتراً مربعاً، وهي الحمم التي تعادل مفعول أربع قنابل نووية من طراز القنبلة الأولى التي ألقيت على مدينة هيروشيما اليابانية نهاية الحرب الكونية الثانية في آب/أغسطس 1945. لقد كانت معظم تلك الأهداف هي الأبنية والأبراج السكنية، حيث تسببت تلك الغارات الوحشية بتدمير نحو (10690) وحدة سكنية (نصفها دمار كلي) وتضرر (141) مدرسة تابعة لوكالة الأونروا، و(23) مؤسسة طبية (بما في ذلك خمسة مستشفيات تم إغلاقها) ونحو عشرة مساجد (بعضها دمار كلي). يقدر أن أكثر من (20,000) منزل أصبحت غير صالحة للسكن. وتعرضت البنية التحتية الحيوية للمياه والصرف الصحي للضرر، إذ يقدر أن ما لا يقل عن (40%) من شبكة إمدادات المياه أصبحت غير صالحة للاستعمال. وأصيبت البنية التحتية بأضرار بنسبة (70٪). وتضرر معها قطاع الإنشاءات بخسارة تفوق (600) مليون دولار، وهكذا..
ولا تشمل إحصائية الهجمات “الإسرائيلية” القصف المدفعي وقذائف الدبابات، والذي تجاوز عدد القذائف التي أطلقت فيه الـ (30000) قذيفة، بحيث اقتضى الأمر فتح مخازن الطوارئ الأميركية الموجودة في “إسرائيل” لسد النقص الذي حصل في بعض أنواع ذخيرة المدفعية.
إن التضحيات الباهظة التي دفعها الشعب الفلسطيني نتيجة العدوان الصهيوني على القطاع، كان من نتائجها تَشَرد حوالي ثلاثمائة ألف شخص، لم يجدوا أمامهم سوى مدارس وكالة الأونروا، حيث أقاموا مع عائلاتهم في نحو (85) مدرسة من مدارس وكالة الأونروا، حيث تركز القصف الجوي “الإسرائيلي” على الجزء الغربي من قطاع غزة، حيث توجد جميع مراكز الإيواء الطارئ التي تديرها وكالة الأونروا، وحيث يوجد الجزء الأعظم من السكان المدنيين الذين طالتهم نيران قوات الاحتلال. وتتضمن الاحتياجات الأشد إلحاحاً الغذاء والمواد غير الغذائية، مثل أدوات النظافة الصحية التي تساعد في منع تفشي الأمراض. تتضمن الأولويات الأخرى تقديم الرعاية الصحية الأولية والدعم النفسي والاجتماعي.
في هذا السياق، وأمام الحالة الإنسانية الصعبة، وأمام المهمات الكبيرة التي تقوم بها وكالة الأونروا، فإن الوكالة كانت قد أطلقت قبل أيام نداء عاجلاً للدول المانحة (دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا واليابان) من أجل تأمين مبلغ إجمالي قدره (295,4) مليون دولار أميركي لدعم ما يصل إلى نصف مليون شخص من المهجرين، بمن فيهم أكثر من ثلاثمائة آلاف شخص يتوقع أن يواصلوا الإقامة في مدارس وكالة الأونروا. فالمدنيون الذين وقعوا دائرة عنف الاحتلال بحاجة إلى مساعدة لتلبية احتياجاتهم الفورية، ولدعم مسار التعافي النسبي الطويل الذي يتوقع أن يبدأ بعد التوقف الأولي لإطلاق النار.
إن توفير الدعم المالي لوكالة الأونروا، وحث المجتمع الدولي بالتبرع للوكالة مهمة عربية عاجلة، من أجل دعم ميزانية الوكالة، ودعم برامجها المُعلنة التي يجري تنفيذها، من أجل بلسمة جراح الشعب الفلسطيني المنكوب على أرض قطاع غزة.
بالمقابل، إن العدوان على قطاع غزة، لم يكن نُزهة أمام الاحتلال كما اعتقدت حكومة نتنياهو، بل دفع الاحتلال وجيشه الأثمان الكبرى أيضاً أمام الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية وفصائله الفدائية المسلحة، فما خلفته تلك الحرب خلال خمسين يوماً من خسائر في جانب “الجيش الإسرائيلي”، والاقتصاد، ومختلف المرافق، أحدث شرخاً كبيراً داخل حكومة نتنياهو، وبين مواقف النخب الأكاديمية والاقتصادية من جهة وبين النخبة السياسية الداعمة للحملة العسكرية من جهة ثانية. وهو ما يُنذِرُ بسقوط حكومة نتنياهو في وقت قد لا يكون بعيداً، والدعوة إلى انتخابات مُبكرة تحت تأثير ضغط الشارع العام، وتحت تأثير قوى اليمين واليمين المتطرف التي كانت تتطلع وتنتظر النتائج الحاسمة بسحق قوى المقاومة في القطاع.
وقصارى القول، إن مرحلة ما بعد العدوان على قطاع غزة، والمعركة السياسية المحتدمة، تتطلب أداء فلسطينيًّا مختلفاً، حيث لم يعد مقبولاً سيادة منطق التجريبية في العمل السياسي الفلسطيني ببعديه التكتيكي والاستراتيجي. كما تتطلب دوراً عربيًّا ملموساً من اجل مساعدة وكالة الأونروا على القيام بالأعباء الملقاة على عاتقها على صعيد تقديم الخدمات للشعب الفلسطيني المنكوب على أرض القطاع.

إلى الأعلى