الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مجلسنا الخليجي إلى أين؟

مجلسنا الخليجي إلى أين؟

”لطالما أكدت عمان على أهمية التفاهم للوصول إلى صيغة متفق عليها للتعاون بين دول المنطقة، ويهمنا كعمانيين حكومة وشعبا أن تشهد المنطقة استقرارا وأمنا دائمين يمهدان لنا السبيل لتثبيت دعائم التنمية ودفع عجلتهما إلى الأمام. كانت وما زالت مواقف عمان واضحة وغير خافية وطالما سعت لتكون وسيطا قادرا على الحوار مع الجميع.”
ـــــــــــــــــــــ
بالرغم من التطمينات التي تواصل الصدور حول احتواء أزمة مجلس التعاون الخليجي التي طرأت والتعامل مع تداعياتها، إلا أن الأمر ما زال مقلقا للغاية فيما يتعلق بمستقبل منظومة مجلسنا الخليجي. فلقد تم الاتفاق خلال الاجتماع المغلق لوزراء خارجية دول المجلس والذي عقد في جدة مؤخرا على ضرورة ازالة الشوائب بين الدول الخليجية لمواجهة التحديات في المنطقة وهو ما يؤكد أن هناك خلافات لا تزال عالقة، ومن الواضح أن الاجتماع لا يبدو أنه سيكون الأخير لحل الخلافات الداخلية لدول المجلس. نحن لم نشهد بين دول الخليج في السابق انفجارا لخلافات وتصعيدا بشكل علني على نحو ما نشهد الآن، وأيضا، لا يخفى علينا أنه طالما كان هناك خلافات قديمة تتعلق بالصراعات الحدودية وكذلك بعض العلاقات المتوترة بين الدول التي تسعى إلى الاستقلال بقراراتها السيادية بما تراه مناسبا – ظاهرة ممانعة شديدة – تجاه الىندفاع من بعض الدول لبسط النفوذ والهيمنة. اعتقدنا مخطئين أن مشكلة دول الخليج الكبرى هي مع دول الجوار التي طالما اتهمت بأطماع جغرافية وسياسية، ولكننا وجدنا أن خلافات بعض دول مجلسنا الخليجي البينية تشكل خطورة على حد سواء وبشكل يتجاوز نظيراتها الخارجية. هناك حقيقة مؤلمة عن علاقات دول المجلس كما هو بادي للعيان، وهي أنها تتوجس أمنيًّا من بعضها البعض بقدر توجسها من دول الجوار.
عمان، ولعلمها أن مشكلات الحدود ما هي سوى إحدى الذرائع التي طالما استغلها العالم الغربي وما زال لتفجير الصراعات العربية- العربية والاستفادة منها، ركزت في علاقاتها مع الأشقاء على مبادئ تعزيز علاقات حسن الجوار وحل الخلافات من خلال الحوار والطرق الودية تفعيلاً لمبدأ لا ضرر ولا ضرار كما زهدت في حدودها الجغرافية بهدف توفير مستقبلا آمنا يسوده الرخاء والاستقرار للأجيال القادمة، واضعة للعالم نموذجا يحتذى به في هذا المجال.
نحن بحاجة ماسة إلى تدعيم وتطوير منظومة مجلس التعاون وأن تكون الرغبة الوطنية تجاه تحقيق أهداف وغايات المجلس المنشودة صادقة وواضحة، وألا تصبح مواقف دول ما، من قضايا معينة، تخريباً لهذا التجمع، أو انتقاصاً من الدول الأخرى، كما لا يجب بأي حال من الأحوال أن تستخدم الترتيبات الجماعية كذريعة لتقويض السيادة الوطنية للدول الأعضاء وإنكار شخصيتها. لا بد من التأكيد على ضرورة قيام دولنا الخليجية بدور أكثر فعالية وأوفر ديناميكية في المنطقة لإيجاد بيئة سليمة في التعايش السلمي الإقليمي في ظل ظروف القرن الحادي والعشرين بتكتلاته السياسية والاقتصادية والأمنية، ومن الناحية الاستراتيجية، لا بد أن لا يغيب عن أذهاننا أبدا أن منطقتنا كانت تاريخيا إحدى مناطق الصراع للسيطرة على العالم وخصوصا فى العصر الحديث. ومع تطورات الأوضاع في المنطقة وتحديدا التطورات الأخيرة على الساحتين السورية والعراقية وتداعياتها يتوجب على دول الخليج أن تنظر إلى مصلحتها بشكل شمولي رغم تباين سياساتها الخارجية، فلدينا هاجس أكبر لا يمكن تجاهله وهو خطر تنامي قوة داعش وتوسيع نفوذه والمناطق التي يسيطر عليها، حيث بات يشكل تهديدا حقيقيا للقوى المحلية والإقليمية والدولية. هذا التنظيم موجود كفكرة حتى في دول خليجنا العربي المسالمة يكشر عن انياب تنزّ صديداً وينتظر الفرصة لينقض.
ولكن ما الذي يفجر الأوضاع في مجلسنا الخليجي فطالما كان هنالك حرص على سرية الخلافات أو كانت تطرأ وراء الكواليس؟ التباين الواضح والحاد في وجهات النظر داخل المجلس يصيبنا جميعا بالاندهاش والذهول يوما بعد يوم وأصبحت التطورات التي نشهدها هي الحدث الأبرز والأهم وحديث كافة وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة كما شغلت وسائل التواصل الاجتماعي في دول مجلس التعاون الخليجي وخارجه، وهو ما يعكس أهمية مجلس التعاون الخليجي ومكانته المؤثرة على الصعيدين الإقليمي والدولي، وما زال ملف الخلاف الخليجي-الخليجي للأسف يحضى بالكثير من اهتمام الصحافة حول العالم. أليس من المنطق والحكمة ترك القضايا التي نختلف بشأنها للزمن حتى يمكن الوصول إلى قناعات ذاتية جديدة – أو شبه قناعات – لدى الأطراف المختلفة بخصوصها؟
مجلس التعاون الخليجي يعد بلا منازع أحد أنجح المنظومات في المنطقة تماساكا وقيادة للمحور العربي في وقتنا الراهن، ما يجعل من مواصلة طرح مثل هذه الأوضاع أمرا محرجا للغاية. نلاحظ أن بعض الانشطارات تطرأ على قضايا ليست مهمة بتلك الدرجة ونخشى حدوث اصطفافات في المستقبل بين دولنا الخليجية مما سيكون له ارتدادات على استقرارها وفاعلية سياستها على الأرجح في المنطقة. أحيانا أتساءل إن كانت خلافاتنا الخليجية هي امتداد للنزاعات الإقليمية الجارية وحالة انعدام الاستقرار الناشئة عن ثورات الربيع العربي أم أن خطة سايكس-بيكو ثانية تحاك من حولنا دون أن ندري تستهدف شرذمة المنطقة العربية بأسرها من دون استثناء؟ هل هناك من يسعى للنيل من هذا المجلس، والدعوة إلى تفكيكه، وتقطيعه وهو على قيد الحياة؟
للأسف الشديد أن الارتجال والعشوائية بات نهجا يتحكم بمسار العلاقات العربية العربية بشكل عام كما أصبح التسرع في اتخاذ القرارات يحركه التوجس والخوف الشديد على المستقبل والرغبة المجنونة في حسم الملفات بضربة واحدة، هو السر الحقيقي وراء تقويض الاستقرار ووضع المنطقة على طريق الفوضى. حقيقه علينا أن نعيها جيدا وهي أن الخلافات والحروب مهما استعرت وتوسعت سوف لن تلغي متغيرات التاريخ وثوابت الجغرافيا، ومعا سنبقى نحن جميعاً مسئولين عن المنطقة من جميع النواحى. ولطالما أكدت عمان على أهمية التفاهم للوصول إلى صيغة متفق عليها للتعاون بين دول المنطقة، ويهمنا كعمانيون حكومة وشعبا أن تشهد المنطقة استقرارا وأمنا دائمين يمهدان لنا السبيل لتثبيت دعائم التنمية ودفع عجلتهما إلى الأمام. كانت وما زالت مواقف عمان واضحة وغير خافية وطالما سعت لتكون وسيطا قادرا على الحوار مع الجميع.
دون شك إن الكميات الضخمة جدا من النفط والغاز بعيدا عن المواد البتروكيماوية وغيرها الكثير من الثروات الطبيعية تميز دول خليجنا التي تتسم بصغر الرقعة الجغرافية وتجعلها قوة اقتصادية بارزة ومؤثرة على مستوى العالم حاليا، حيث تمثل حوالي 20% من إنتاج النفط العالمي و34% من احتياطياته و9% من إنتاج الغاز العالمي و23% من احتياطياته. ولكن يجب أن لا نغفل أن وفرة إنتاج الطاقة في أميركا الشمالية خلال المستقبل المنظور سوف يؤدي إلى تراجع أسعار النفط والغاز الطبيعي، وسيكون انخفاض الأسعار بالتأكيد لصالح العالم المتقدم، الأمر الذي سيلقي بظلاله سلبيا على اقتصادات المنطقة غير المتنوعة نسبيًّا حيث ستفقد سلاحها الأقوى.
وفي ظل المتغيرات الدولية المتسارعة وما يشهده العالم من تحالفات وتكتلات سياسية وعسكرية واقتصادية، أتساءل إن كنا سنرى في المستقبل إقامة اتفاقية أو ميثاق بين دول منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية ودول الإقليم المجاورة يعلن أساسيات يتم الاتفاق عليها لإقامة علاقات جديدة في المنطقة وفقاً لقواعد المساواة واحترام السيادة الوطنية بين الدول وبما يحفظ للبلاد وحدة أراضيها وسلامتها الإقليمية واستقلالها الوطني، وتسوية الخلافات بالطرق السلمية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتطبيق قواعد العلاقات الدولية، واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية لكل إنسان بما فيها حرية الفكر والوجدان والدين وحق الشعوب في تقرير المصير والمساواة فى الحقوق بين الشعوب، هذا إلى جانب ترسيخ وتعزيز اليات واجراءات التعاون بين الدول ودراسة كيفية التعامل مع موضوع الأمن في المنطقة من خلال تبني نظرية الدمج – وليس المواجهة أو العزل، وبما يحقق الأمن وردع العدوان واحتواء مكامن الخطر الحالي والمحتمل في المستقبل.
لعل ما يميزنا كعمانيين أننا لا نغلف قراراتنا الاستراتيجية بلغة أيديولوجية ولا بلغة الأخوة فنحن واضحون جدا في التعبير عن مصالحنا الوطنية، وأيضا، من غير الوارد مطلقا أن يتدثر العمانيون بدثار المجاملات فيما يتصل بمواقفهم الوطنية فلعُمان خياراتها وسياساتها وعلاقاتها الخارجية التي قد تبتعد أحيانا عن تلك لدول مجلسنا الخليجي الأخرى وذات الشأن في أوضاع الدولة الداخلية، وستبقى السلطنة متمسكة بالعمل الخليجي المشترك وحريصة على تعزيز وتقوية أواصر مجلس التعاون. وواضعة في الاعتبار ضرورة وحدة الصف الخليجي والعربي، فإن المتابع للشأن السياسي العماني – المتسم بالحكمة والتوازن والاعتدال – سيقف على أن السلطنة تؤمن إيماناً راسخاً بمبدأ الحوار السلمي والحضاري كأسلوب وحيد لحل كل الخلافات والتباينات والمشكلات الطارئة فى إطار الأسرة العربية، كما وعملت دائما على تبني القضايا العربية ورأب الصدع الذي كان يحدث ولمّ الشمل بهدف ترسيخ دعائم الأمن والاستقرار في المنطقة.
أما آن الأوان أن يعلم الآخرون أنه وبالنظر إلى الأمور كما ينظر إليها هنا في سلطنتنا الحبيبة فقط يمكن أن تغير إلى الأفضل، أو على الأقل سيمكن إدارة واقعنا الحالي بطريقة أكثر إيجابية؟

أسامة الحرمي
كاتب عماني

إلى الأعلى