الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / المواطنة في الخطاب التشريعي الإسلامي مع اختلاف العقائد (5 ـ 5)
المواطنة في الخطاب التشريعي الإسلامي مع اختلاف العقائد (5 ـ 5)

المواطنة في الخطاب التشريعي الإسلامي مع اختلاف العقائد (5 ـ 5)

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:

بمباركة سامية من لدن حضرة صاحب الجــلالة السلطان قـابـوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ أقيمت خلال الفترة من 25 الى 28 جمادى الاولى 1434هـ الموافق 6 الى 9 ابريل 2013م ندوة تطور العلوم الفقهية والتي جاءت بعنوان:”فقه رؤية العالم والعيش فيه ـ المذاهب الفقهية والتجارب المعاصرة” وهي النسخة الثانية عشرة من الندوات التي تنظمها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في هذا الجانب المهم .. حيث شارك في الندوة علماء ومفكرون وباحثون من داخل السلطنة وخارجها .. وتناولت اوراق عمل وبحوثا هامة.
وضمن تلك البحوث والاوراق المقدمة .. ورقة عمل بعنوان: (المواطنة في الخطاب التشريعي الإسلامي مع اختلاف العقائد) للباحث الدكتور سلطان بن محمد بن زهران الحراصي.

نختتم اليوم عزيزي القارئ معك سلسلة حلقات هذا البحث القيّم والذي تناول موضوعاً هاماً وهو:(المواطنة في الخطاب التشريعي الإسلامي مع اختلاف العقائد).
حيث يتناول الباحث هنا ـ من خلال المبحث الثالث لهذا البحث وهو:(المواطنة الإسلامية تكفل للناس حرية العقائد) ـ مطلبين هما: المطلب الأول: ضرورة تحقيق المواطنة بين المسلمين أنفسهم، اذ ان المسلم يقيّم أساس علاقته مع ربه والكون من حوله على أساس الدين الذي يكفل له سلامة الدنيا وسعادة الأخرى، هذا هو الأصل الذي يدعو إليه الإسلام، ولكن جرت سنة الابتلاء الإلهي، وما في طبيعة الإنسان من المكونات والغرائز والتوجهات التي لا يعلمها على الحقيقة إلا الله على خلاف ذلك في كثير من الأحيان، فرغم اتحاد المسلمين في المعتقد واللغة والجغرافيا، وُجدت على مر تاريخهم نزعات قومية، وخلافات فكرية، وتوجهات الحادية، ومطامع بشرية، ومصالح مادية .. الخ، والتاريخ والواقع أكبر شاهد وأعظم دليل، وتلك هي سنة الابتلاء بهدف التمحيص والاختبار.
وقال: انه وفي خضم هذا المعترك من الفتن المتلاحقة الداخلية والخارجية في الوطن المسلم، غابت حرارة الدين وصفاء الشريعة وطهارة المعتقد عند كثير من المسلمين، بسبب تداخل الثقافات وتضارب المصالح، وظهور عصر الاستقطابات الفكرية، والثورات في مختلف الميادين والمجالات، ووقوع كثير من المسلمين في قبضة العولمة التي لا تراعي الخصوصيات القيمية بقدر ما تراعي المصالح المادية، فغزت العولمة ـ لاسيما الفكرية ـ واقع المسلمين فتأثر بعضهم بها سلبيا، واستخدمها آخرون استخداما إيجابيا.
موضحاً بأن من الاستخدام السلبي محاولة إظهار الخلافات المذهبية في المنظومة الإسلامية، وما يتبعها من صيحات التكفير والتفجير، والتبديع والتفسيق، والتركيز على عدم صلاحيتها وطنيا، لأنها تدعوا إلى نفي الآخر وتكفيره وهو من المسلمين فما بالك بغير المسلمين، وما صاحب ذلك من حديث الإعلام الغربي والإسلامي عن الإرهاب من غير تحديد لمعناه، فهو ينصرف ـ ربما وعند كثيرين ـ إلى الإسلام، لأن القائمين به ممن يتقمص رداء الإسلام باسم الجهاد المقدس.
مؤكداً الباحث هنا بأن هذا الواقع جعل بعض المسلمين يتوجس خيفة من وصف وصبغ الوطنية بالإسلام، أو الإسلام بالوطنية، لأن المسلمين ـ وفيما بينهم من أصول العقائد ـ غير متحدين، بل يظهر بين الفينة والأخرى ما في إسلامهم من الاختلاف ليس في الفروع بل في الأصول، فأنى للإسلام أن يكون الوعاء الجامع والحامي للوطن في زمن العولمة الداعي إلى التعددية الفكرية، والمصالح العالمية، مع وجود عدد من الإسلامات ـ إن صح التعبير ـ كل منها يدعى الحقيقة المطلقة لنفسه دون الآخر.
وقال: إن هذا الخلاف الذي وقع فيه المسلمون في فهم بعض فروع العقيدة، فيما يتعلق ـ مثلا ـ بالتشبيه والتنزيه أو ارتباط الإيمان بالعمل ومصير مرتكب الكبيرة إن لم يتب أو ركنية الإمامة عند الشيعة .. الخ، وما نتج عن ذلك من تمسك بعضهم بمنظومته العقدية تمسكا كبيرا والدعوة إليها .. هذا الخلاف خلاف حقيقي ـ وإن كان في فهم النص المقدس الثابت ـ ما كان ينبغي أن تقع فيه الأمة، ولكن قلم القضاء قد سطر أحداث الواقع وقدره، وقد وقعت في مثله ـ وفي أكثر منه ـ جميع الأمم على مر التاريخ، وهو يمثل نتيجة حتمية لواقع انقسمت فيه الأمة بعد وحدة، وضعفت بعد قوة، وذلت بعد عزة، تداخلت فيه المصالح والسياسات، واضطربت النوايا والإرادات، واختلفت الأفكار والتوجهات، ولا يعلم حقائقها إلا الواحد الأحد، الذي لا اله إلا هو، وقد تكونت على إثره المدارس والأفكار، والمذاهب والاتجاهات، والوقائع والأحداث، إنه يمثل حقيقة وحقبة تاريخية لا يجوز إنكارها البتة، كما لا يجوز التمحور الدائم حول أحداثها من أجل استجلاب فتنة مماثلة، وإنما الواجب على المسلمين في الوطن الواحد، التحاور بالحسنى، والتعاون في المتفق عليه، واحترام الآخر في المختلف فيه، وحسن الظن ما وسع الإنسان ذلك، والتعايش السليم تحت مظلة الإسلام العام الجامع، والتاريخ والتقدم العلمي وأحداث الزمن وآيات الله الكونية كفيلة بإظهار الفهم الأقرب والأصح لما كان عليه النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه الكرام على أن البعض من المفكرين يرى بأن هذا الخلاف في فهم بعض فروع أركان العقيدة، فيما يتعلق بالله واليوم الآخر تحديدا، إنما هو خلاف واختلاف فهوم بشرية لنصوص قرآنية مطلقة، فهي لا تدخل في نطاق الدين بمعناه الثابت، لأنها اجتهاد من عقل محدود يعتمد على ميراث دلالي ولغوي وفهم عقدي، وما ثبت صحته لديه من أحاديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيكون فهمه لذلك النص المطلق في منطوقه نسبيا، لأنه من الفكر الديني العقلي وليس من الدين، والفكر الديني من سماته التغير والتطور، وأما الدين فمن سماته الثبات والإطلاق، فله أن يأخذ بأي فكر مفهوم لديه يناسب عقله وينسجم معه، ولكن ليس له أن ينكر أيا من أركان الإيمان أو الإسلام، لأنها دين ثابت بخلاف فهمها فهو فكر ديني متغير، وبالتالي لا يجوز إضفاء القداسة على فهم معين بوصفه وضع إلهي معصوم لقطعيته، لأن ذلك يؤدي بالمسلمين إلى التفرق والتمزق والاقتتال، بسبب تعدد الفهوم واعتبارها دينا وعقيدة.
وهذا الكلام مردود من وجوه منها:
أولا: إن هذا التفسير يؤدي إلى غياب هوية المذاهب الإسلامية، بوصفها تمثل بعدا حضاريا لفكر معين، يأخذ أصالته في التطبيق الواقعي من خلال أصالته في الفهم النظري الموفق والصحيح لنصوص القرآن والسنة التي تمثل الثبات المطلق، والوضوح التام كما أرادها الله تعالى (الآيات المحكمات)، فالثوابت لا تحمل ـ في نفسها من غير تفسير ثابت ـ تصورا واضحا ولا فهما بينا، فبأي فكر وتصور يعبد الإنسان ربه، وبأي عمل ينتظر جنته، وينال رضوانه؟ فيكون ـ بالتالي ـ فهمنا للثوابت نفسها فهما نسبيا، إذ لا تحتوي ـ من غير تفسير موحد واضح ـ على وضوح قطعي في المعنى، فيضعف الجانب العملي في الإنسان، ويؤدي به إلى عدم الاستقرار على فهم موحد، ففكره اليوم ينقضه غدا، فنصوص العقيدة هي نصوص قطعية في ثبوتها ودلالتها، لوضوح معانيها وبيان مراميها، وحجة أدلتها، ولذلك قسم الله تعالى آي القرآن إلى محكم قطعي ومتشابه يرد إلى المحكم، ثانيا: إن تحويل الفهم الثابت إلى متغير يؤدي إلى تحريف الكلم عن مواضعه، لأن الذي أراد ثبوت الثابت وتغير المتغير هو خالق الكون العليم بما يصلحه وما يفسده، كما أن الخلط بينهما يؤدي إلى غياب الهوية القرآنية بما تحمله من مشروع استخلافي يقوم على تطبيق الأوامر الإلهية، لأجل إصلاح الكون بأسره.
ثالثا: إن حدوث التنازع في الوطن ـ لا سمح الله ـ لا يمكن أن يكون بسبب الفهم الفكري الصحيح لثوابت الدين وأركانه، وإنما يكون بسبب التعصب الأعمى، الداعي إلى إلغاء الغير لبناء الذات، وهو مرض نفسي قبل أن يكون داء عقليا وفكريا، ولا ريب أنه يؤدي إلى ردات فعل خطيرة ومعاكسة، وفيه دليل على عدم إدراك حكمة الله تعالى في فلسفة الخلاف والاختلاف، ويدل على ضيق الأفق، وقلة المعرفة، وضعف الإدراك، ولذلك كان الوطن بحاجة إلى تعميق جذور ثقافة وقيم التحاور البناء، والنقاش الهادئ الهادف، والتجرد من التعصبات المذهبية السلبية، وإخلاص النية لله بالاحتكام إلى كتابه وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) والبعد عن إثارة الفتن المذهبية والطائفية.
مبيناً انه وبالجملة، فان المواطنة تكفل حرية الفكر والتفكير بين المسلمين أنفسهم، في إطار منظومة الإسلام الجامع ، حتى مع وجود المذاهب والمنظومات العقدية، لأن تنوعها إنما هو تنوع تكامل وتفاهم ونقاش وحوار من حيث الأصل، فيحدث التكامل فيما بينهم، وتسود روح الحوار البناء في فروع الدين وثوابته، وليس هو تنوع تعمد هدم للغير وبناء للذات، ومن حق كل منظومة عقدية إسلامية أن تثمر وتخرج ما في جعبتها من منهج وطريقة، وفكر وعقيدة يمكن أن يحكم العالم لها أو عليها إيجابا أو سلبا، لا سيما في عصر العولمة، الداعي إلى تلاقح الأفكار، ودراسة الأديان، وظهور مراكز البحث، وأساليب التحري والنقد، ولكن هذا كله بشرط التزام كل مدرسة أو منظومة عقدية إسلامية بآداب الحوار، واحترام ما عند المخالف، والصدق والإخلاص في التوجه والطرح، فلا فرق ـ إن شاء الله ـ بين أبناء الإسلام الواحد، في الوطن الواحد لأن عوامل اجتماعهم كثيرة جدا، وقد حذرهم الله تعالى من الاختلاف المؤدي إلى التنازع والتفرق، لأنه سبب الوهن والضعف وتدخل الأجنبي، فلا يقبل ما يحدث في العالم الإسلامي ـ في بعض الأحيان ـ من موجات التكفير والتفجير، وغرس العداوة والبغضاء، والتراشق بالتهم، وما يتولد عنه من ردات فعل معاكسة ومبالغ فيها أحيانا، فيعيش الوطن والمواطن في صراعات مذهبية، وما تولده من آثار سلبية على مختلف الأصعدة والمستويات، وكل هذا يصب في خانت مصلحة الأعداء الذين يتربصون بالمسلمين الدوائر، كما أنه يضعف خط سير الصحوة الإسلامية، فيثير الحاقدون ـ من الداخل والخارج ـ الشبه حول صلاحية الإسلام ـ كمنظومة متكاملة ـ لقيادة العالم اليوم، بعد فشل الكثير من الأطروحات والنظم الأرضية.
وإذا كان المخلصون من أبنا الإسلام، يسعون كل السعي إلى بيان سعة مظلة الإسلام الوطنية لتسع غير المسلمين من أهل الديانات الوثنية والتوجهات الأرضية، من خلال تأصيل قواعد وقيم مأخوذة من القرآن والسنة وتاريخ الأمة، توضح حقوق المواطنين وواجباتهم على اختلاف توجهاتهم (مسلمين ومعاهدين أو أهل ذمة بالمصطلح الفقهي) فما بال بعضنا لا يتسع قلبه لمن نطق بكلمة التوحيد، فيسعى إلى تكفيره، وإخراجه من الملة، وهدم معتقده، والتشهير به مع السخرية والاستهزاء .. لا ريب أن هذا التوجه المرير والمخزي هو الذي أدى بالأمة إلى أن تصل إلى ما وصلت إليه من التشرذم والتفرق داخليا، والانصهار في الغير خارجيا والله المستعان.
اما المطلب الثاني فيتحدث عن (ضرورة تحقيق المواطنة بين المسلمين وغيرهم) ، حيث يقول الباحث: إن من يدرس قيم الإسلام وتاريخه بتجرد وإخلاص، يجد أن الإسلام الحنيف قد أنصف غير المسلمين في وطنه، فعاشوا في كنف رعايته، فقد ضمن لهم الحقوق الكثيرة، وطالبهم ببعض الواجبات الضرورية، ومن أهم تلك الواجبات الإخلاص للوطن والدفاع عنه واحترام نظامه، فلا بد للوطن من نظام وفكر يسعى لنشره، وقد يكون لهذا النظام والفكر أعداء، والمواطن غير المسلم ـ وإن لم يقتنع بالنظام أو الفكر ـ فلا بد من احترامه في حدود المصلحة المحققة لأمنه واستقراره على أقل تقدير، لأن الوطن الذي يعيش فيه قد كفل له الكثير من الحقوق التي ينعم بها، فهو مصدر أمنه الاجتماعي والفكري والمالي، فلا بد من رعاية العهد وتحقيق مصلحة الأمة بالإسهام في بناء الوطن، فلا يجوز له التآمر مع الأعداء على حساب الوطن مهما كانت الدوافع والأغراض، لأن هذا من الخيانة التي تستحق العقوبة، بل يجب عليه (غير المسلم) الدفاع عن الوطن والتضحية بنفسه أو ماله أو لسانه، وإلا دفع الجزية في حال العجز أو التخلي عن الجهاد.
وقال: أما الحقوق التي يتمتع بها غير المسلم في وطن الإسلام، فهي كثيرة من أهمها الحرية الدينية، إذ لا يجوز إكراه الآخر في الدخول في الإسلام، بل لا بد من الاقتناع الذاتي، فقد خلق الله تعالى عباده ومنحهم الحرية في الاختيار، فالهداية وانشراح الصدر تكون بتوفيق الله تعالى للعبد، فالله يعلم بواطن السرائر، وما تحويه الضمائر، فيقدر الأقدار ويسبب الأسباب لا اله إلا هو سبحانه، وعليه فيجوز لغير المسلم حرية ممارسة شعائر دينه في الوطن المسلم بدون مضايقة أو اعتراض، وله حرية الاعتراض والنقد البناء في حدود المصلحة والنظام العام، وله الاحتكام لدينه في الأحوال والقضايا الشخصية والأسرية، وذلك من غير إخلال أو تعد على ثوابت الأمة وقواعدها العامة ولا بأس بالحوار البناء والجدال بالحسنى من غير فتنة وصراع وحقد وغضب، فقد أمر الله تعالى عبده الرسول الأمين (صلى الله عليه وسلم) بذلك، وهذا الحق في المجادلة والنقاش لا يسمح بنشر الإلحاد والكفر والزندقة والتحلل أو الطعن في الإسلام، لأن حدود الحرية تقف عند الاعتداء على الآخرين، وهذا الأمر عام للمواطن المسلم الأصلي، وللمواطن بعقد المواطنة أو العهد والذمة، بل هو عام بين الأمم والشعوب، لما في هذا النهج المنحرف من إثارة القلاقل والمشكلات، وضرب سياج الوطن المتمثل في ثوابته المحددة لهويته العامة والجامعة لجميع المواطنين، والحافظ لأمنه واستقراره.
وقال: لقد منع القرآن العظيم المسلمين من سب آلهة المشركين، حتى لا يقع المسلمون مع غيرهم في صراع ومنازعة، وردات فعل معاكسة تسئ للإسلام الحق، وحسبنا ما سطر القرآن العظيم في تسع آيات نزلت في تبرئة يهودي من تهمة السرقة لدرع ارتكبها طعمة بن أبيرق من جاره قتادة النعمان، وأراد وعشيرته إلصاق التهمة بيهودي اسمه زيد السمين، فأنزل الله قرآنا عظيما تبرئة له، ودفاعا عنه، وبالجملة فإن بناء جذور الثقة بين الأمم والشعوب في زمن العولمة من الأهمية بمكان، فـ “الشرق بحاجة إلى الغرب، والغرب بحاجة إلى الشرق، بحكم فطرة الله وطبيعة الحياة، وعليه فلا بد من تكاتف الشرق والغرب، لتوليد حضارة تجمع محاسنهما، وتنشر راية الحق والعدل، وهذا ما لا يتم إلا بالحوار البناء، وتجاوز مآسي الماضي والحاضر،وفتح صفحة جديدة تطوي الماضي الحزين، وتحتضن الحاضر المتأزم، وتستشرف المستقبل بآماله وطموحاته”، فقد أمر الله تعالى بالبر والإحسان والقسط، فيما يحقق المصلحة المشتركة، المؤدية إلى بناء جسور الثقة بين المواطنين اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، فيبني الجميع وطن العز والكرامة، والمجد والسلامة، ناهيك بأن الإسلام الحنيف ينبذ ثقافة الكراهية والعنصرية، ويدعوا إلى التعاون والاتحاد، والتحاور البناء.
مشيرا الى ان هذا الكلام قد يقابله بعض المستشرقين الحاقدين أو العلمانيين المتغربين، فينسفه اعتمادا على أن الإسلام قد انتشر بالسيف، وأن الجهاد باق إلى قيام الساعة، وبقاء الجهاد فيه دليل على منع التنوع بين الأمم والشعوب، وإرغام للآخر بالخضوع والاستكانة لمسلك واحد .. الخ، وهذا كلام مردود بالآتي:
أولا: أن الإسلام العظيم انتشر بقوة الحجة والبرهان، لا السيف والسنان، لأنه دين يخالط الروح، وينسجم مع الفطرة، ويجرى في الدم، ولذلك حذر الله تعالى من إكراه الآخر على التدين، لأنه سبحانه خلقه مختارا، إذ يكون ذلك الإكراه وبالا على الوطن، عندما لا يحقق ذلك المُكره دينيا ـ في وطنه ـ مقاصد الدين الراقية، وقيمه النبيلة، وقواعده الحكيمة، بل يتمسح بالدين لأخذ الامتيازات الوطنية، فيفسد أكثر من أن يصلح، فلا فائدة من إسلامه نظريا وواقعيا.
ثانيا: الجهاد فريضة ربانية ثابتة بنصوص قاطعة، في أوقات استثنائية محددة، بينها الله تعالى في كتابه، ويدركها أولو العلم من علماء الشريعة والحقيقة ببصيرتهم النيرة، وطبيعتهم الخيرة، على أن الجهاد الأكبر جهاد النفس بترويضها على الطاعة، لا جهاد الغير بحمل السلاح في وجهه من غير داع وضرورة.
ثالثا: شرع الجهاد بالسلاح في الإسلام في حالات منها: الاعتداء على الوطن لرد العدوان، فهل يعقل أن يبقى المواطنون على ما هم عليه، أم لا بد من دحر المعتدي، وكذلك نصرة المستضعفين، وذلك في حال الفتنة أو محاولة طمس الدعوة والوقوف في وجه الإسلام والمسلمين بالظلم والتعدي والقتل من غير سبب وبرهان سوى الحقد والضغينة، وهذا يشمل غير المسلم من المواطنين، إذا اعتدي عليه بالظلم والتعدي في وطن الإسلام، إذ يحقق الوطن المسلم له الحماية والأمن والأمان والسلم والسلام، وبهذا يكون أثر الجهاد ـ في الدين نظريا، وفي الوطن واقعيا ـ ايجابيا لا سلبيا، لأنه سلاح رباني يستخدم وقت الضرورة الاستثنائية من أجل تحقيق الاستقرار والأمن في واقع الوطن كأمة والمواطن كفرد، وبدونه قد يصيب بنيان الوطن الهدم والضياع، أو التصدع والإتباع.

إلى الأعلى