الأحد 24 سبتمبر 2017 م - ٣ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / معركة الاختزال والتكريس

معركة الاختزال والتكريس

نواف أبو الهيجاء

ما أن توقفت آلة القتل والتدمير وسكتت المدافع وامتنعت الصواريخ عن الاستهداف بعد واحد وخمسين يوما في القطاع حتى انفتحت بوابات وفوهات وشاشات وأفواه، واستلت أقلام واحتلت مساحات من الصحف وأجهزة الإعلام تستهدف هذه المرة البنية الداخلية النفسية لواقع فرضته المقاومة الفلسطينية على خريطة الصراع بين العدو الصهيوني والأمة كلها. لم تكن الحرب ولم يكن العدوان ليستهدف حركة بعينها كحركة (حماس) .. كما لم تكن الحروب والعدوانات الصهيونية السابقة تستهدف حركة (فتح)، بل كان المستهدف دائما إرادة التحرير والمقاومة والصمود. لكن ما يراد الآن زرعه في النفس الفلسطينية والعربية والمحيط الإقليمي والدولي هو أن الحروب الأخيرة على القطاع والتدمير والقتل والحصار إنما كانت حربا على (حماس)؛ ليس لأنها جزء مهم من حركة تحرر وطني فلسطينية، بل كونها تابعة أو موالية للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين.
جرى التركيز هنا على تحميل الحركة وحدها مسؤولية ما حل بالقطاع ومن ذلك الضحايا بالآلاف والمعاناة اليومية لمليوني إنسان هم أهل القطاع .. وهذا يعني أيضا تزوير الحقائق وقلبها؛ لأن المقاومة في القطاع لم تقتصر على (حماس)، بل أسهمت فيها الجهاد الإسلامي وحركة فتح والجبهة الشعبية وكل المنظمات الفلسطينية المقاومة. بل المقصود أيضا اختزال الصراع بيننا وبين العدو وحصره في (تنظيم) بعينه. ومن المؤسف أن هذا المنطق يجد من يروجه في الضفة الغربية وأكثر من ذلك، فأصحابه ينكرون على أهلنا في القطاع صمودهم ويسحبون بسمة الأمل ليجعلوها كسيرة حزينة من بين شفاههم بالزعم أن ما حدث هزيمة وأنه كان على (حماس) القبول منذ البداية بالخطة المصرية لتجنب وقوع هذا الكم الهائل من الخسائر في الأرواح وفي البنى التحتية، وفي تشريد مئات الألوف من الأهل من بيوتهم بعد قيام العدو بعملية التدمير الممنهجة والمنظمة في القطاع على مدى واحد وخمسين يوما. تم إذًا تجاهل الصمود وتجاهل الإصرار على المقاومة وتجاهل حقيقة عدوانية الاحتلال، وأن الرد الفلسطيني خلخل الجبهة الداخلية للعدو وألحق بها خسائر مادية ملموسة واقتصادية ونفسية، بل وزرع في نفوس الصهاينة بذرة تقول باستحالة دوام هذا الوجود الغريب والعنصري في قلب فلسطين العربية.
الخلافات الفلسطينية التي تفجرت بعد الإعلان عن توقف القتال اتخذت أشكالا ومسميات وأغطية منها: إعادة البناء ودور حكومة الوفاق ـ والمعابر ودور السلطة الفلسطينية وإشرافها عليها كما تحدثت عن ضرورة (محاسبة) من أصر على استمرار المواجهة ومن كان سببا فيها. لا شك أن المراجعة الوطنية العامة لما حدث أمر ضروري، والإقرار بحدوث أخطاء وبوجود من أخطأ أمر بدهي، كما هي حال كل المواجهات المماثلة عبر التاريخ. ولكن ما يجب التنبه إليه هو تأثير الخلافات على الوحدة الوطنية التي تجسدت في ميدان المواجهة من باب ومحاولة حرف جهة الصراع واستبدالها والنأي عن جوهرها لتحصره في (حرب بين هذا التنظيم والكيان الصهيوني) ومن يسنده دوليا وإقليميا وحتى عربيا .. من باب آخر.
عمليا: تحققت إنجازات في الميدان والمواجهة وهي تشير إلى الكثير من الإيجابي إن تم استثمارها ولكن الدفع في الاتجاه الآخر نحو فرط أواصر المصالحة الوطنية وتحويل الصراع إلى الداخل الفلسطيني من شأنه تقديم خدمات وإنجازات للعدو لم يستطع بكل ما أوتي من قوة أن يحققها خلال العدوان الهمجي.
وثمة حقيقة يجب ألا تغيب عن الأذهان وهي أن الحرب لم تنتهِ، وما انتهى مجرد صفحة في معركة طويلة ومريرة بين الشعب الفلسطيني وعدوه الصهيوني. هذه الحقيقة يجب أن تحكم وتتحكم بسلوكيات وتصرفات (رام الله) كما (غزة) .. بنبذ العصبية الفصائلية واللجوء إلى محاكمة منطقية وعقلية لكل المسار الفلسطيني في عملية لا تستثني أحدا من الفصائل والأحزاب والقوى الفلسطينية للخروج بخطة طريق للمستقبل تلتزم بها هذه القوى وتشمل سبل المواجهة وتحقيق هدف التحرير باعتماد الكفاح المسلح وكل وسائل دحر الغزوة الصهيونية، ومن ذلك التوجه إلى عالم أسهمت العدوانية العنصرية الصهيونية في فتح عينيه عن حقيقتها كحركة عنصرية تمارس الإبادة وتعتز بسياسة (الابارتيد).

إلى الأعلى