الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أوباما الذي كَبَّر حَجَره!

أوباما الذي كَبَّر حَجَره!

جواد البشيتي

بعد نصف شهر من قوله (أو زلَّة لسانه) إنَّه لا يملك “استراتيجية” لمحاربة “داعش”، والقضاء عليه، طَلَعَ علينا الرئيس أوباما بـ”استراتيجية شاملة، كاملة متكاملة، متعدِّدة البُعْد، طويلة الأمد”، مسرحها العسكري والقتالي يشمل (في المقام الأوَّل، أو حتى الآن) الأراضي العراقية والسورية التي يسيطر عليها “داعش”، ويَعْمَل بمقتضاها تحالف واسع دولي وإقليمي، تقوده الولايات المتحدة؛ ولقد أعلن امتلاكه لها قبل الانتخابات النِّصْفية للكونجرس في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل؛ ولكونها “طويلة الأمد (قد يستغرق العمل بها سنوات)”، وبلا “جداوِل زمنية”، قد يَصْعُب على “الجمهوريين” استثمار “نتائجها السلبية المحتمَلَة” انتخابيًّا، وإنْ تحدَّث بعض قادتهم عن “فضيلة الاعتراف المتأخِّر” للرئيس أوباما بخطر “داعش” على الأمن القومي للولايات المتحدة، وعن “الخطأ الكبير” الذي ارتكبه الرئيس الديمقراطي، مِنْ قَبْل، بعدم إبقائه على شيء من الوجود العسكري للولايات المتحدة في العراق، ما أدَّى إلى بروز واستفحال خطر “داعش”. وأحسبُ أنَّ من الأهمية بمكان أنْ يجيبنا الرئيس أوباما بنفسه عن “السؤال الاستراتيجي” الآتي: كيف لاستراتيجية بهذه الأهمية أنْ تُوْجَد بعد نصف شهر فحسب من قول صاحبها إنَّها غير موجودة؟
“سوريا” هي الكلمة الأهم في “استراتيجية أوباما” للقضاء على “داعش”؛ فهو جَعَل “النزاع” فيها “نزاعين”، نزاع يُسوَّى، على ما قال، من طريق السياسة، أيْ لا يُسوَّى إلاَّ سياسيًّا، وهو النزاع بين الحكومة السورية وبين “المعارَضَة (المعتدلة)”؛ ونزاع يُسوَّى من طريق الحرب والقتال، وهو النزاع بين هذه المعارضة وبين “داعش”؛ وهذا النزاع هو جزء من كل؛ فالمعارضة السورية (المعتدلة) هي جزء من تحالف دولي كبير، تقوده الولايات المتحدة، في الحرب على “داعش”، بصفة كونه خطرًا على العالَم.
أوباما، وفي حربه على “داعش” في الأراضي السورية لا يُحارِب مع المعارضة السورية ضدَّ الحكومة السورية؛ إنَّه الآن يحارِب دفاعًا عن مواطنيه، ولدرء مخاطر “داعش” عن الأمن القومي للولايات المتحدة؛ فالسبب الذي يحمله، أو قد يحمله، على الضَّرْب في سوريا، هو “سبب مبدئي”، أوضحه إذْ قال إنَّ الولايات المتحدة ستُحارِب “داعش” في كل مكان يتحصَّن فيه، أكان هذا المكان في سوريا أم في الصين!
أوباما، وللتَّوسُّع في حربه (الجوية في المقام الأوَّل، واللابرية أبدًا) على “داعش” العراقي، احتاج إلى “شرعية” تأتيه من حكومة عراقية “تُمثِّل العراقيين جميعًا”؛ لكنَّه في حربه (شبه المؤكَّدة) على “داعش” السوري لا يحتاج، على ما قال، إلى شرعية تأتيه من الحكومة السورية؛ لأنَّه يعتبرها “فاقدة الشرعية”.
ولَمَّا كانت الحرب الجوية للولايات المتحدة على “داعش” السوري لا تُؤْتي أُكلها إلاَّ بوجود قوى عسكرية على الأرض “تملأ الفراغ”، أيْ تستثمر الضربات الجوية في “التَّقَدُّم على الأرض” للسيطرة على المواقع والمناطق التي ضُرِبَ فيها “داعش”، قرَّر الرئيس أوباما “التَّوسُّع” في تسليح ودعم المعارضة السورية “المعتدلة”. وحتى لا يُتَّهَم بأنَّه متورِّط مباشَرَةً في الصراع بين هذه المعارَضَة والحكومة السورية “اقترح (أو طَلَبَ)” أنْ يُدَرَّب مقاتِلون من المعارَضَة السورية “المعتدلة” في أراضٍ سعودية.
إنَّ الضربات الجوية (مع ضربات أخرى محتمَلَة عن بُعْد) لـ”داعش” السورية، وفي محافظة الرقة على وجه الخصوص، ستُنَسَّق جيِّدًا مع المعارَضَة، وبما يَمْنَع الجيش السوري من التَّقَدُّم، و”ملء الفراغ”، ويسمح للمعارضة، في الوقت نفسه، بالإفادة العسكرية والميدانية القصوى من هذه الضربات؛ والنتيجة العملية والنهائية هي تغيير ميزان القوى (العسكري والسياسي) على الأرض لمصلحة المعارضة في صراعها مع الحكومة السورية؛ لكنَّ هذا التغيير لا يعني، على ما يقول أوباما الآن، أو حتى الآن، أنَّ هذا الصراع يمكن حسمه عسكريًّا (لمصلحة أحد طرفيه).
وعلى أوباما أنْ يتحسَّب لموقفيِّ إيران وروسيا؛ فالحرب على “داعش” السوري يجب أنْ تبدأ وتُخاض بما لا يتسبَّب بإفساد وتصعيب (وإفشال) حربه على “داعش” العراقي؛ لقد كَبَّر أوباما حجره؛ فكيف له أنْ يُصيب؟!

إلى الأعلى