الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الاقتصادات العربية ومجموعات التركيز

الاقتصادات العربية ومجموعات التركيز

عادل سعد

هل نحن بحاجة إلى (مجموعات تركيز) بشأن السياسات الاقتصادية في البلدان العربية؟ قد يحمل السؤال بعض الغرابة، أو التجاوز على ما لدينا من هيئات تدقيق ومتابعة ورصد ومحاسبة وإجراءات قضائية، ولكن أمام قائمة التحديات التي تواجه العرب يتوفر منطق بحدود معين لهذا السؤال، لأن هناك أكثر من أحقية واحدة له قياسًا على قائمة الركود والتذبذب والتجريب المتكرر لبعض تلك الاقتصادات العربية في الإطار البنيوي الذاتي الخاص بها، وكذلك بقدر ما يتعلق الأمر بالضغوط الاقتصادية الخارجية التي تتعرض لها ضمن سياق المنافسات الحادة الحاكمة حاليًّا للأوضاع الاقتصادية في العالم، وتأسيسًا على الفرص التجارية المفقودة والمتاحة وإمكانيات التسويق في مناخ أسواق لا ترحم في ايجاد مجالات للكساد والبور التجاري.
وقياسًا على حالة الترهل والسياقات التقليدية الرتيبة والانتظارات الطويلة والمعوقات، والظروف التي جعلت من البطالة مثلًا متلازمة دائمًا في هذه الاقتصادات، وكذلك ما يتعلق بموضوع الاكتفاء الذاتي الغذائي العربي الذي أصبح مجرد حلم يتكرر في ظروف لا توفر الحد الأدنى من هذا الاكتفاء.
ولعل من متطلبات وجود مرتكزات لمجموعات التركيز أيضا المشهد التجاري الدولي بكل ما يحفل فيه من صعوبات إلا في تجارة الطاقة الأحفورية (نفط وغاز وفحم)، لكن هذه التجارة دخلت الآن في سباق مع منافس جديد هو الطاقة البديلة أو ما يعرف بالطاقة الخضراء، ولكي يتبين حجم هذه التحديات علينا مراجعة أولويات منظمة التجارة العالمية ونبحث عن مكاننا نحن العرب في سياقاتها المعتمدة.
إن نجاح الدول العربية في إيجاد (مجموعات تركيز) للبحث في الأسئلة الاقتصادية المشروعة لن تكون ذات جدوى إذا لم تتحرر من الإملاءات والتجاذبات السياسية، وإذا لم ترتفع بعيدًا عن المصالح الضيقة لهذه الفئة أو تلك في البلد الواحد، وسر نجاحها أيضا يكمن في أن تتولى تقديم اقتراحات لمعالجة الإخفاق، أي إخفاق بعد أن تكون قد رصدته لمدة كافية وأنه يحتاج إلى علاج رادع.
إن مجموعات التركيز مصطلح بدأ أميركيًّا ثم انتقل إلى أوروبا، وتقوم حيثياته على تكوين فرق تفكير تتولى صياغة سياسات رائدة لمعالجة قضية من القضايا من خلال البحث والتحليل ثم اختيار السياسات الملائمة والتواصل ميدانيًّا بالاعتماد على ما يعرف (بخورطة عملية اتخاذ القرار) أي وضع خريطة طريق للتطبيق، أما كيف يمكن استحداث مجموعات تركيز بهذا الاسم أو بأي اسم آخر، فإن الوضع يتم من خلال أن تختار مؤسسة من المؤسسات المعنية بالمعارف العلمية والميدانية للتنمية خبيرًا من بين تشكيلاتها، وأن تكون الرئاسة دورية في هذه المجموعات، أو على طاولة مستديرة، وأن تضع بالاعتبار أن مهمتها أيضا تحسبية بعد أن تأكد لنا أن أغلب اقتصادات بعض الدول أسست قدرتها في مواجهة التحديات بإجراءات وقائية، وهو ما جعلها قادرة على التحسب وإسقاط فرص الاختراق هذه الاقتصادات.
إننا في البلاد العربية مع كل ما مر علينا من ويلات وكوارث وإحباطات واستهلاك للقدرة وضياع أموال طائلة على حاجات استهلاكية إرضائية، وكل ما افتقدنا من أراضٍ زراعية وثروات تبددت وخريجي جامعات يتكدسون الآن على مكاتب العمل، والبحث عن فرص اقتصادية على الأرصفة وتجارة الحقيبة، وكل الذي افتقدناه من قدرات نسائية كان يمكن أن تكون عنصرا بناء في مجتمع تتصدر فيه المرأة أكثر من 57% من نفوس البلدان العربية. إن كل ذلك يجعلنا بحاجة حقًا لمجموعات تركيز تأخذ بأهمية المراجعة بين حين وآخر، وإلا سيكون حالنا مثل حال الشعراء الذين يبكون على الأطلال، وهم على كل حال بأعداد كبيرة منذ أن بكى جميل بثينة على أطلال حبيبته وصولا إلى أطلال إبراهيم ناجي التي غنتها أم كلثوم.

إلى الأعلى