الأربعاء 20 سبتمبر 2017 م - ٢٩ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / قضايا / أوكرانيا بين مطرقة الروس وسندان الغرب

أوكرانيا بين مطرقة الروس وسندان الغرب

مقدمة:
من المسئول عن استمرار الوضع المتأزم في أوكرانيا ؟ لا أحد يدري فالغرب يتهم موسكو وأطماع بوتين في أحياء الأرث السوفييتي وموسكو تتهم الغرب الذي يريد محاصرتها والقضاء على جهودها في إعادة التوازن الى الساحة الدولية وايجاد قطب منافس لهم ، لكن الجميع يعرف أن الضحية هم الشعب الأوكراني.
ـــــــ
في تطور جديد للأزمة الأوكرانية اتخذ البرلمان الأوكراني، أخيراً، الخطوة التي تضع كييف على الضفة الأوروبية، عبر مصادقته على اتفاق الشراكة التاريخي مع الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي لم يتأخر الانفصاليون عن الردّ عليه عبر إعلان أحد قادتهم عن أن منطقة دونباس “لم يعد لديها أي رابط مع أوكرانيا. وصوّت البرلمان بإجماع نوابه الـ355، يوم الثلاثاء الماضي، على اتفاق الشراكة التاريخي مع الاتحاد الأوروبي، كما اعتمد قانوناً يعطي مناطق الشرق الانفصالية حكماً ذاتياً أوسع، وينص على تنظيم انتخابات في 7 ديسمبر المقبل. في المقابل، أعلن نائب رئيس وزراء “جمهورية دونيتسك الانفصالية”، المُعلنة من جانب واحد، أندري بورجين، أن منطقة دونباس، وهي معقل المتمردين الموالين لروسيا في شرق أوكرانيا، “لم يعد لديها أي رابط مع أوكرانيا”. وقال إن “دونباس تخضع لإدارة حكم ذاتي بالكامل.
وفي ستراسبورج، صادق البرلمان الأوروبي على الاتفاق في الوقت نفسه. ووصف رئيس البرلمان، مارتن شولتز، الاتفاق بـ”التاريخي”، ونال أصوات 535 نائباً في مقابل 127 صوّتوا ضده وامتنع 35 نائباً عن التصويت. ويتضمن الاتفاق شقين اقتصادي وسياسي، غير أن التوقيع عليه، في هذه المرحلة، يبقى رمزياً إلى حد كبير، بعد إعلان الاتحاد الأوروبي عن إرجاء دخول اتفاق التبادل الحرّ حيز التنفيذ حتى نهاية 2015 لإفساح المجال أمام اجراء مناقشات مع روسيا المعارضة لهذا الاتفاق.
كيف ينظر الغرب الى الأزمة الأوكرانية ؟
يزعم الغرب أن روسيا مسئولة عن أزمة أوكرانيا ، وان ضم موسكو لشبه جزيرة القرم هو جزء من مخطط الرئيس بوتين في أحياء الإمبراطورية السوفييتية، وأنه قد يذهب ابعد من أوكرانيا من اجل تحقيق ذلك، كما أن بوتين يستخدم الإطاحة بالرئيس الأوكراني يانوكوفيتش في فبراير 2014 كذريعة لقراره بدخول القوات الروسية للاستيلاء على اجزاء من أوكرانيا. هل هذا التحليل صحيح ؟ ماذا عن الغرب انفسهم؟ أن الولايات المتحدة وحلفائها الأوربيين مسئولون ايضا عن الأزمة. ماذا عن توسيع حلف شمال الأطلسي، وهي جزء من استراتيجية أكبر لاخراج أوكرانيا من الفلك الروسي ودمجها بالغرب .
بدأت الخطة بتوسع الاتحاد الأوروبي شرقا، ودعم الغرب للحركة المؤيدة للديمقراطية في أوكرانيا- بداية مع ما سمي “الثورة البرتقالية” في عام 2004. منذ منتصف التسعينيات، عارض القادة الروس بقوة توسيع حلف شمال الأطلسي، وفي السنوات الأخيرة، أعلنوها صراحة أنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي وهم يرون جارة مهمة من الناحية الأستراتيجية تنضم الى حضيرة الغرب.
اعتبر بوتين اسقاط الرئيس الأوكراني المنتخب ديمقراطيا أنقلابا القشة التي قصمت ظهر البعير. قام بأحتلال شبه جزيرة القرم، التي أعتقد أنها ستتحول الى قاعدة للناتو، وبدأ بالضغط على أوكرانيا للتخلي عن فكرة الأنضمام للغرب.
كانت ردة فعل بوتين مفاجأة. لقد بدأ الغرب بالتحرك في الفناء الخلفي لروسيا وتهديد مصالحها الاستراتيجية الأساسية، وتلك مسألة ركز عليها بوتين مرارا. صدمت النخب السياسية الأميركية والغربية بالأحداث لأنها تبنت وجهة نظر خاطئة للسياسة الدولية. تميل تلك النخب إلى الاعتقاد بأن منطق الواقعية لم يعد ذا أهمية تذكر في القرن الحادي والعشرين، وأن أوروبا يمكن أن تصبح كيانا واحدا حرا على أسس المبادئ الليبرالية كسيادة القانون والتكامل الاقتصادي والديمقراطية. إلا أن هذا المخطط الكبير تبدد في أوكرانيا. ما جرى هناك يظهر بوضوح أن الواقعية السياسية ما زالت قائمة وان الدول التي تتجاهل ذلك تفعل ذلك على مسئوليتها. الولايات المتحدة والقادة الأوروبيين أخطأوا في محاولتهم تحويل أوكرانيا إلى معقل غربي على الحدود الروسية، كما أن الأصرار على ذلك الموقف يعتبر خطأ أكبر.
في الأيام الأخيرة للحرب الباردة وصل القادة السوفييت الى قناعة بأن تبقى القوات الأميركية في أوروبا وأن يستمر الناتو بالوجود و ذلك من أجل الحفاظ على المانيا موحدة .الا أن القادة السوفييت ومن بعدهم الروس لم يرغبوا في توسع الناتو واعتقدوا أن الدبلوماسيين الغربيين فهموا تلك التحفظات .الا أن إدارة الرئيس كلينتون فهمت عكس ذلك وفي منتصف التسعينات، بدأت بالعمل على توسيع الحلف. حدثت الجولة الأولى من التوسيع في 1999 ودخلت معها الجمهورية التشيكية، وهنغاريا، وبولندا الى الحلف. و جاءت الجولة الثانية في عام 2004؛ ودخلت بلغاريا، وإستونيا، ولاتفيا وليتوانيا، ورومانيا، وسلوفاكيا، وسلوفينيا الى الحلف. أعترضت موسكو من البداية على التوسع. في حملة الناتو ضد الصرب في عام 1995 ، على سبيل المثال، قال الرئيس الروسي بوريس يلستين، “هذا هو أول دليل على ما سيحدث يقترب الناتو من الحدود الروسية ، ستندلع الحرب عبر أوروبا بأكملها. ” ولكن روسيا كانت أضعف من أن تقوم بأي عمل لعرقلة حركة الناتو شرقا، التي لم تكن تشكل خطرا مباشرا على روسيا لأن روسيا ليس لها حدود مع الأعضاء الجدد للناتو باستثناء بلدان البلطيق صغيرة.
لم يتوقف الناتو عند ذلك الحد. في قمة الحلف التي عقدت في أبريل 2008 في بوخارست، درس المجتمعون طلبين لضم جورجيا وأوكرانيا. إدارة الرئيس جورج بوش دعمت الخطوة ، ولكن فرنسا وألمانيا عارضت ذلك خوفاً من استعداء روسيا دون مبرر. في النهاية، توصل أعضاء حلف الناتو إلى حل وسط: بدلا من الشروع في الأجراءات لمنح عضوية الحلف للدولتين، أصدر الناتو بيانا أيد فيه تطلعات جورجيا وأوكرانيا وأعلن صراحة أن هذين البلدين ستصبحان عضوين في منظمة حلف شمال الأطلسي.” الا ان موسكو لم تعتبر ذلك حلا وسطا. يومها قال ألكسندر جروشكو، نائب وزير الخارجية الروسي، ” أن عضوية جورجيا وأوكرانيا في الحلف خطأ استراتيجي كبير ستكون له عواقب بالغة الخطورة على الأمن الأوروبي”. وقال بوتين إن قبول هذين البلدين في الناتو سيشكل “تهديدا مباشرا” لروسيا. وذكرت إحدى الصحف الروسية أن بوتين، أثناء حديثة مع بوش، ” أشار بشكل واضح إلى أن قبول أوكرانيا في الناتو فأنها ستختفي من الوجود.”
ينبغي أن تكون الحرب بين روسيا وجورجيا في أغسطس 2008 قد بددت أي شكوك متبقية حول تصميم بوتين على الحيلولة دون انضمام جورجيا وأوكرانيا الى الناتو. قرر الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي، الذي كان يريد الدخول في عضوية الحلف، في صيف عام 2008 ضم أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية. ولكن بوتين كان يفكر بالحيلولة دون ذلك. بعد أن اندلع القتال بين الحكومة الجورجية و “أوسيتيا الجنوبية” سيطرت القوات الروسية على أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية. و بالرغم من دلالة الخطوة الروسية إلا أن الناتو لم يتخل علنا عن فكرة ضم جورجيا وأوكرانيا إليه. وأستمرت عملية توسيع الناتو بدخول ألبانيا وكرواتيا في الحلف في 2009.
على الصعيد نفسه، واصل الأتحاد الأوروبي التوسع شرقا أيضا. في مايو 2008، كشف النقاب عن مبادرة “الشراكة الشرقية”، وهو برنامج يهدف الى تعزيز الازدهار في بلدان مثل أوكرانيا ودمجها في اقتصاد الاتحاد الأوروبي. ليس من المستغرب أن يعتبر الزعماء الروس الخطة معادية لمصالح بلدهم. في فبراير الماضي، و قبل اجبار يانوكوفيتش على الاستقالة ، اتهم وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف الاتحاد الأوروبي بمحاولة إنشاء “منطقة نفوذ” في أوروبا الشرقية. اعتبرالقادة الروس توسيع الاتحاد الأوروبي صورة أخرى لتوسيع حلف شمال الأطلسي.
أن نشر القيم الغربية وتعزيز الديمقراطية في أوكرانيا ودول أخرى من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق كانت أسلوب الغرب الأخيرة في فصل كييف عن موسكو ، وهي خطة تطلبت تمويل الأفراد و المنظمات المؤيدة للغرب .قدرت فكتوريا نولاند، مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون الأوروبية والأوراسية، ذكرت في عام 2013 في ديسمبر أن الولايات المتحدة قد استثمرت أكثر من خمسة مليارات دولار منذ عام 1991 لمساعدة أوكرانيا في تحقيق “مستقبل تستحقه”. وكجزء من ذلك الجهد، مولت حكومة الولايات المتحدة الصندوق الوطني للديمقراطية وهي مؤسسة غير ربحية مولت أكثر من 60 مشروعا تهدف إلى تعزيز المجتمع المدني في أوكرانيا، وقد وصف كارل جيرشمان رئيس الصندوق وصف اوكرانيا بأنه “الجائزة الأكبر”. بعد أن فاز يانوكوفيتش بالانتخابات الرئاسية الأوكرانية في فبراير 2010، أعتبر الصندوق الوطني للديمقراطية ذلك تقويض لأهدافه، فكثف الجهود لدعم المعارضة، وتعزيز المؤسسات الديمقراطية في البلاد.
عندما نظر القادة الروس الى النشاط الغربي في أوكرانيا، ربما شعروا بالقلق أن بلادهم قد تكون الهدف المقبل. وهذه المخاوف مشروعة حيث كتب جيرشمان في سبتمبر 2013، في “صحيفة واشنطن بوست”، قائلا “اختيار أوكرانيا للانضمام إلى أوروبا سوف يسرع من زوال أيديولوجية الإمبريالية الروسية التي يمثلها بوتين “. وأضاف: “الروس، أيضا، أمامهم خيار، وقد يجد بوتين نفسه في الطرف الخاسر ليس فقط بين جيرانه الاقربين ولكن داخل روسيا نفسها”.
أن سياسة الغرب الثلاثية -توسيع الناتو، وتوسيع الاتحاد الأوروبي، وتعزيز الديمقراطية – اضاف الزيت على النار التي كانت تنتظر من يشعلها . وجاءت الشرارة في نوفمبر 2013، عندما رفض يانوكوفيتش صفقة اقتصادية كبيرة كان يفاوض الاتحاد الأوروبي بشانها، وقرر أن يقبل 15 مليار دولار من روسيا بديلا عنها . هذا القرار تسبب في خروج التظاهرات التي تصاعدت خلال الأشهر الثلاثة التالية، و بحلول منتصف فبراير تسببت المواجهات بين الشرطة و المتظاهرين الى سقوط مائة من المتظاهرين. أرسل الغرب مبعوثيه الى كييف لحل الأزمة. في 21 فبراير، توصلت الحكومة والمعارضة إلى اتفاق يسمح ليانوكوفيتش بالبقاء في السلطة حتى الانتخابات الجديدة. الا ان الاتفاق سرعان ما تهاوى و قرر يانوكوفيتش اللجوء الى روسيا في اليوم التالي. جاءت حكومة جديدة موالية للغرب ومعادية لروسيا ، وضمت أربعة أعضاء رفيعي المستوى يمكن وصفهم بانهم من الفاشيين الجدد.
مسؤولون من الولايات المتحدة وحلفائها الأوربيين يؤكدون أنها حاولت جاهدة تهدئة المخاوف الروسية وأن موسكو ينبغي أن نفهم أن حلف شمال الأطلسي لا مطامع في روسيا. بالإضافة إلى استمرار إنكار أن التوسع كان الهادفة إلى احتواء روسيا، ابدأ بشكل دائم التحالف نشرت قوات عسكرية في الدول الأعضاء الجديدة. في عام 2002، فإنه حتى إنشاء هيئة تسمى “مجلس” الناتو- روسيا في محاولة لتعزيز التعاون. لمواصلة تهدئة روسيا، أعلنت الولايات المتحدة في عام 2009 أن نشر نظام الدفاع الصاروخي الجديد على سفن حربية في المياه الأوروبية، في البداية على الأقل، وليس على الأراضي التشيكية أو البولندية. ولكن عملت أيا من هذه التدابير؛ وظل الروس ثبات تعارض توسيع حلف شمال الأطلسي، لا سيما في جورجيا وأوكرانيا. وهو أن الروس، لا الغرب، الذي يحصل في نهاية المطاف أن تقرر ما يعتبر تهديدا لهم.
كي نفهم سبب فشل الغرب، لا سيما الولايات المتحدة، في فهم أن سياستهم الحالية في أوكرانيا قد تؤدي في نهاية المطاف الى مواجهة كبرى مع روسيا، يجب أن نعود إلى منتصف التسعينيات، عندما بدأت إدارة الرئيس كلينتون الدعوة إلى توسيع حلف شمال الأطلسي. المختصون قدموا مجموعة متنوعة من الحجج المؤيدة أو المعارضة للتوسع ، الا أنه لا يوجد توافق في الآراء حول ما يجب فعله. معظم المهاجرين من دول اوربا الشرقية الذين يعيشون في الغرب ، بالإضافة الى أقاربهم ، على سبيل المثال، يؤيدون بقوة التوسع، لأنهم يريدون من الناتو حماية بعض الدول ، مثلا ، مثل هنغاريا وبولندا. و بعض الواقعيين الأمر ذاته لأنهم كانوا يعتقدون بضرورة أحتواء روسيا .
لكن معظم الواقعيين عارضوا التوسع، إيمانا منهم بأن انخفاض روسيا التي تعاني من “شيخوخة سكانية ” واقتصاد ضعيف لا تتطلب الأحتواء. كانوا يخشون في أن يؤدي التوسع الى منح موسكو الحافز للتسبب في المشاكل لدول أوروبا الشرقية. الدبلوماسي الأميركي جورج كينان أوضح هذا المنظور في مقابلة عام 1998، بعد أن وافق “مجلس الشيوخ الأميركي” على الجولة الأولى من توسيع الناتو. حيث قال “أعتقد أن الروس سيبدون تدريجيا ردود افعال سلبية جداً وسوف يؤثر ذلك على سياساتهم”. أعتقد أن التوسع خطأ مأساوي. لا يوجد سبب له على الإطلاق. لا يوجد تهديد مطلقا “.
من ناحية أخرى، فضل معظم الليبراليين، التوسع، بما في ذلك العديد من الأعضاء الرئيسيين في إدارة الرئيس بيل كلينتون. إنهم يعتقدون أن نهاية الحرب الباردة قد غيرت وعلى نحو جذري السياسة الدولية، وأن نظاما جديدا حل محل منطق الواقعية التي سيطرت على أوروبا والولايات المتحدة فقط” الدولة التي لا غنى عنها ” كما قالت وزيرة الخارجية الأسبق مادلين أولبرايت أنما كانت أيضا القوة المهيمنة ” الجيدة” ، لذلك يجب ألا تعتبر تهديدا لموسكو . وكان الهدف، في جوهره، جعل أوروبا بأكملها على شاكلة أوروبا الغربية.
لذلك سعت الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى تعزيز الديمقراطية في بلدان أوروبا الشرقية، زيادة التكامل الاقتصادي معها ، و إشراكها في المؤسسات الدولية . بعد أن حسموا النقاش لصالحهم في الولايات المتحدة، لم يجد الليبراليون صعوبة تذكر في إقناع حلفائهم الأوروبيين بدعم توسع الناتو . نظراً للإنجازات السابقة للاتحاد الأوروبي، كان الأوروبيون اكثر ايمانا من الأميركيين بفكرة أن الجغرافيا السياسية لم تعد مهمة و أن النظام الليبرالي أكثر قدرة على حفظ السلام في أوروبا . وحتى مع هيمنة الليبراليين على الخطاب حول حول الأمن الأوروبي خلال العقد الأول من هذا القرن ، و تبني الحلف لسياسة “الباب المفتوح للتوسع ” ، الا أن توسع الحلف واجه القليل من المعارضة الواقعية . لقد أصبحت النظرة الليبرالية العقيدة المقبولة بين المسؤولين الأمريكيين. في مارس، على سبيل المثال، الرئيس باراك أوباما ألقى خطابا حول أوكرانيا تحدث فيه مرارا عن “الُمثل” التي تحفز السياسة الغربية وكيف أن تلك المثل العليا “كثيرا ما تعرضت للتهديد على يد قوى أقدم و أكثر تقليدية . ” و عكس رد فعل وزير الخارجية جون كيري على أزمة القرم المنظور نفسه: ” لا تستطيع و انت تعيش في القرن الحادي و العشرين أن تتصرف بمنطق القرن التاسع عشر بغزو بلد آخر بحجة ملفقة تماما.”
بشكل عام تحرك الجانبان وفق نظرتين مختلفين : فكر بوتين و تصرف وفق مباديء الواقعية، في حين أن الغرب تمسك بالليبرالية. والنتيجة أن الولايات المتحدة وحلفاءها تسببوا من حيث لا يدرون في أزمة كبيرة في أوكرانيا.
في ذات المقابلة عام 1998 قال كينان أن توسع الناتو سيثير أزمة. جميع المسئولون الغربيون اعتبروا بوتين المسئول الاول عن ازمة اوكرانيا. في مارس، كما ذكرت “صحيفة نيويورك تايمز”، المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قالت ضمنا أن بوتين لم عقلانيا، وانها اخبرت أوباما أن بوتين يعيش “في عالم آخر”. الا انه يجب الاقرار ان بوتين استراتيجي من الطراز الاول و ينبغي أن يحترم و يخشى عن الحديث عن السياسة الخارجية .
يدعي محللون آخرون أن بوتين يشعر بالأسى لأنفراط عقد جمهوريات الأتحاد السوفييتي السابق وهو مصمم على إعادة الروح لتلك الأمبراطورية من خلال توسع روسيا. ووفقا لهذا التفسير، فإن استعادة بوتين لشبه جزيرة القرم يعتبر اختبارا لمعرفة إذا كان الوقت قد حان لاحتلال أوكرانيا، أو على الأقل الجزء الشرقي منها، وأنه سيفعل الشيء نفسه مع جيرانه. البعض في الغرب يعتبر بوتين صورة معاصرة لهتلر وضرب أي نوع من التعامل معه أن تكرار خطأ معاهدة ميونيخ (1938) التي سمحت لألمانيا الهتلرية باحتلال الأراضي التشيكوسلوفاكية المحاذية لألمانيا و التي تقطنها غالبية المانية . وعليه يجب ضم جورجيا وأوكرانيا لاحتواء روسيا، قبل أن تسيطر الأخيرة على جيرانها وتهدد دول أوروبا الغربية.
لكن هذه الحجج سرعان ما تفقد شرعيتها. إذا كان بوتين يراهن على إقامة أمبراطورية روسية، فإن المؤشرات على هذه النوايا يجب أن تكون قد ظهرت قبل 22 فبراير. ولكن لا يوجد دليل على أنه خطط قبل ذلك التاريخ على أحتلال شبه جزيرة القرم أو اي منطقة في أوكرانيا. وحتى قادة الدول الغربية الذين أيدوا توسع الناتو لم يفعلوا ذلك خوفاً من أن روسيا كانت على وشك استخدام القوة العسكرية. لذلك فأنهم فوجئوا تماما بخطوة بوتين بأحتلال القرم ، التي يبدو أنها جاءت كرد فعل على اقصاء يانوكوفيتش. وبعد ذلك حتى بوتين قال إنه يعارض ضم القرم، الا انه سرعان ما غير رأيه.
وعلاوة على ذلك، يعتقد البعض أن روسيا تفتقر إلى القدرة على احتلال و ضم شرق أوكرانيا، ناهيك عن البلد بأكمله بسهولة. يعيش حوالي 15 مليون شخص- ثلث سكان أوكرانيا – بين نهر الدنيبر، الذي يشطر البلد الى شطرين و الحدود الروسية. أن الأغلبية الساحقة من هؤلاء الناس يريدون البقاء جزءا من أوكرانيا وستقاوم التأكيد أي احتلال روسي. وعلاوة على ذلك، لن يكون في مقدور الجيش الروسي الضعيف نسبيا السيطرة على جميع أوكرانيا. كما ان وضع موسكو الأ قتصادي لن يسمح لها بتحمل نفقات الاحتلال أو تبعات العقوبات الاقتصادية.
وحتى لو أن روسيا قالت أن لديها قوة عسكرية هائلة واقتصادا متينا فإنها لن تكون قادرة على احتلال أوكرانيا. ما علينا سوى الرجوع الى تجارب الروس و الأميركيين في أفغانستان، وتجارب الولايات المتحدة في فيتنام والعراق، والتجربة الروسية في الشيشان، وجميعها انتهت بالفشل الذريع .و بوتين يدرك ذلك لأنه قال إن احتلال أوكرانيا يشبه ابتلاع القنفذ.
نظراً لأن معظم قادة الدول الغربية يرفضون فكرة أن ردود أفعال بوتين كانت لأسباب أمنية بحتة، فليس من المستغرب أن يتمسكوا بسياستهم في أوكرانيا ومعاقبة روسيا لردعها من القيام بعدوان جديد. بالرغم من كيري قال إن جميع الخيارات مفتوحة، الا أن الولايات المتحدة أو حلفاءها غير مستعدين لاستعمال القوة دفاعا عن أوكرانيا. يعتمد الغرب على العقوبات الاقتصادية لإرغام روسيا على وقف دعمها للانفصاليين في شرق أوكرانيا. في يوليو، أقرت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مجموعة جديدة من العقوبات الاقتصادية ، استهدفت بعض الأفراد الذين على صلة بالحكومة و بعض المصارف البارزة وشركات الطاقة وشركات الدفاع. كما هددوا بالمزيد من العقوبات تستهدف قطاعات كاملة من الاقتصاد الروسي.
لن يكون لهذه التدابير تأثير كبير. إن العقوبات الشديدة غير مطروحة الآن لأن الدول الأوروبية، خاصة المانيا، ترفض ذلك خوفا من رد الفعل الروسي الذي قد يحدث أضرارا للاقتصاد الأوروبي. وحتى إذا نجحت الولايات المتحدة في إقناع حلفائها بسن تدابير صارمة، فإن بوتين قد لا يغير قراراته. التجارب تقول إن بعض الدول تحملت قدرا هائلا من العقوبات من أجل حماية المصالح الاستراتيجية الأساسية.
تشبث الزعماء الغربيون أيضا بالسياسات اﻻستفزازية التي ضاعفت الأزمة .في أبريل، نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن اجتمع مع المشرعين الأوكرانيين وقال لهم، “هذه فرصة ثانية لتحقيق وعود الثورة البرتقالية”. جون برينان، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، زار كييف في الشهر نفسه، في رحلة قال البيت الأبيض أنها تهدف إلى تحسين التعاون الأمني مع الحكومة الأوكرانية.
وفي الوقت نفسه، واصل الاتحاد الأوروبي خطته بالتوسع شرقا. في مارس، لخص مانويل باروسو، رئيس “المفوضية الأوروبية”، موقف الاتحاد الأوروبي من القضية الاوكرانية : ” في رقبتنا دين وواجب للتضامن مع هذا البلد، وسوف نعمل لجعلهم قريبين جدا منا قريبا”. في 27 يونيو، وقع الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا الاتفاق الاقتصادي الذي رفض يانوكوفيتش التوقيع عليه قبل سبعة أشهر. في يونيو، وفي اجتماع لوزراء خارجية أعضاء الناتو، جرى الاتفاق على أن الحلف سيظل مفتوحاً لأعضاء جدد، رغم أن وزراء الخارجية امتنعوا عن الإشارة إلى أوكرانيا بالاسم. وأعلن راسموسن، الأمين العام لمنظمة حلف شمال الأطلسي لن يمنعنا احد من توسيع الحلف واتفق وزراء الخارجية أيضا على دعم مختلف التدابير الرامية إلى تحسين القدرات العسكرية لأوكرانيا في مجالات مثل القيادة والتحكم، والنقل والإمداد، والدفاع الالكتروني .
هناك من يرى حلا للأزمة في أوكرانيا، لكنه ( أي الحل) يحتاج من الغرب ان يفكر بالبلد بطريقة جديدة كليا. على الولايات المتحدة وحلفائها أن تتخلى عن خطتهم بضم اوكرانيا الى الناتو والاكتفاء بتحويلها الى بلد عازل محايد بين حلف شمال الأطلسي وروسيا، حالها حال النمسا أيام الحرب الباردة. ينبغي أن يعترف القادة الغربيون أن أوكرانيا مهمة جدا لروسيا بحيث لن يستطيعوا دعم نظام في كييف معاد لموسكو. وهذا لا يعني أن حكومة أوكرانية مقبلة يتعين أن تكون الموالية للروس أو مناهضة لحلف شمال الأطلسي. على العكس من ذلك، ينبغي أن يكون الهدف أوكرانيا مستقلة .
وعلى الغرب اقرار خطة اقتصادية لمساعدة أوكرانيا تمول من قبل الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي، وروسيا، والولايات المتحدة وهو اقتراح ينبغي أن ترحب به موسكو، نظراً لرغبتها بوجود اوكرانيا مزدهرة ومستقرة في خاصرتها الغربية. وعلى الغرب الحد من نشاطه داخل أوكرانيا ( شبكات التفاعل الاجتماعي) . لقد حان الوقت وضع حد للدعم الغربي لثورة برتقالية جديدة. مع ذلك على الولايات المتحدة و وأوروبا تشجيع أوكرانيا على احترام حقوق الأقليات، لا سيما الأوكرانيون من أصول روسية .
وقد يقول البعض أن تغيير السياسة تجاه أوكرانيا في هذا الموعد المتأخر سيلحق ضررا خطيرا بمصداقية الولايات المتحدة. سيكون هناك بلا شك بعض التكاليف، الا أن تكاليف مواصلة استراتيجية مضللة سيكون أكبر بكثير. وعلاوة على ذلك، ستحترم الكثير من بلدان العالم الدولة التي تتعلم من أخطاءها و تضع سياسات لمعالجة المشكلة الفعلية. وعلى الولايات المتحدة الأخذ بمثل هذه الطروحات.
وهناك من يقول أن لأوكرانيا الحق في اختيار حلفائها أو اصدقائها و أن على الروس احترام تلك الخيارات. نعتقد أن مثل هذا المنطق يشكل خطرا كبيرا على السياسة الخارجية الأوكرانية. أن اللعب مع الكبار ليس بالطريقة الصحيحة لمعالجة الأمور. هل نسينا خليج الخنازير والطريقة التي تصرفت بها الولايات المتحدة عندما احست بأقتراب الخطر السوفيت من أراضيها. اليوم روسيا تتصرف بالمنطق ذاته. الولايات المتحدة قالت إن كوبا ليس لها الحق في تشكيل تحالف عسكري مع الاتحاد السوفييتي خلال الحرب الباردة. والروس يقولون الشيء نفسه عن أوكرانيا. وحتى أذا أصر البعض على حق أوكرانيا في الانضمام الى الناتو، فإن للولايات المتحدة وأوروبا الحق في رفض الطلب، خاصة أذا كانت ليست مهمة من الناحية الاستراتيجية. أن تلبية أحلام بعض الأوكرانيين لا يستحق العداوة والصراع الذي قد ينشأ بسبب ذلك.
بعض المحللين قد يسلم بأن الناتو قد أخطأ في سياسته ” الأوكرانية ” ، إلا أن روسيا ما زالت العدو الذي سيصبح أكثر قوة في المستقبل، وأن الغرب ليس لديه خيار سوى الاستمرار في سياسته الحالية. ولكن الواقع يشير إلى أن روسيا ليست بالدولة القوية فعلا و أنها ستصبح أكثر ضعفا في المستقبل. وحتى أذا كانت روسيا قوة صاعدة، فأنه لا يتطلب ضم أوكرانيا الى الناتو ولسبب بسيط. أن الولايات المتحدة وحلفاءها الأوربيين لا يعتبرون أوكرانيا مهمة من الناحية الاستراتيجية وان عدم استخدام القوة لنصرة أوكرانيا دليل كبير على ذلك. أن توسع الناتو في السابق حدث لأن الليبراليين أفترضوا أن ذلك سيضمن الأمن لهم ، الا أن التطورات الأخيرة تفترض أن منح الناتو العضوية لأوكرانيا سيؤدي الى مواجهة مع روسيا.
أن الأصرار على السياسة الحالية سيؤدي إلى تعقيد العلاقات الغربية مع موسكو في قضايا أخرى. أن الولايات المتحدة تحتاج إلى المساعدة الروسية لسحب معداتها من أفغانستان عبر الأراضي الروسية، والتوصل إلى اتفاق مع إيران حول برنامجها النووي واستقرار الوضع في سوريا. في الواقع، ساعدت موسكو واشنطن في تلك القضايا في السابق، في صيف عام 2013، كان بوتين السبب في موافقة سوريا على تدمير ترسانتها الكيمياوية، وبالتالي تجنب الضربة العسكرية الأميركية. وربما ستحتاج واشنطن موسكو لاحتواء الصين. الا ان السياسة الأميركية الحالية قربت موسكو كثيرا من بكين.
الكرملين والأزمة الأوكرانية : لا تنسوا خليج الخنازير
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991، بدأ قادة الدول الغربية التفكير في روسيا كشريك. على الرغم من أن واشنطن وأصدقاءها في أوروبا لم يعتبروا موسكو حليفا حقيقيا، الا انهم افترضوا أن روسيا تشاطرهم ذات الأهداف الرئيسية في السياسة الداخلية والخارجية، وأنها ستتبنى سراعا النظام الديمقراطي في الداخل والقواعد الليبرالية في الخارج. ولكن واشنطن وبروكسل عزتا الخصوصية في السياسة الروسية الى ” خصوصية الداخل الروسي ” والى انعدام الخبرة مع الديمقراطية في روسيا. وانحوا باللائمة على الخلافات التي نشأت حول يوغوسلافيا السابقة، والعراق، وإيران و أن موسكو ستكون قريبا في أحضان الغرب. هذا الخط من التفكير هو ما ميز التفكير الغربي تجاه روسيا بعد انهيار الأتحاد السوفييتي.
إن الأزمة المستمرة في أوكرانيا ربما أنهت ذلك الموقف. أن ضم روسيا لشبه جزيرة القرم قد بين على رفض موسكو القاطع لقواعد الغرب، كما أنه بدد العديد من التأويلات للدوافع الروسية .وعليه تعين على المسؤولين الأميركيين والأوروبيين رسم مخطط جديد لتحليل السياسة الخارجية الروسية. إذا أرادوا حلا للأزمة الأوكرانية ومنع وقوع حوادث مشابهة في المستقبل، عليهم أن يفهموا كيف يفكر الروس.
من وجهة نظر روسيا، زرعت بذور الأزمة في أوكرانيا في الفترة التي أعقبت الحرب الباردة. بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، كان امام الغرب خياران: أما القيام بمحاولة جادة لاستيعاب روسيا أو ابتلاع دول الأتحاد السوفييتي السابق الواحدة تلو الأخرى. وحذر دعاة النهج الأول، و منهم الدبلوماسي الأميركي جورج كينان والليبراليين الروس، أن موقفا معاديا لروسيا سيثير عداء موسكو ولن يحقق الكثير سوى عدد قليل من الدول الصغيرة التي ستكون في نهاية المطاف مع الغرب في جميع الأحوال. إلا أن أحدا لم يهتم بهذا الرأي. الرئيسان الأميركيان بيل كلينتون وجورج دبليو بوش اختارا الطريق الثاني. بعدما تناسى الوعود التي قطعها قادة الدول الغربية إلى ميخائيل جورباتشوف بعد توحيد ألمانيا (أبرزتلك الوعود عدم توسع حلف شمال الأطلسي شرقا) شرع الغرب والولايات المتحدة في محاولة تحقيق ما منعهم الاتحاد السوفييتي تحقيقه خلال الحرب الباردة. بدأوا التطبيل لمبدأ توسع الناتو، بإضافة اثني عشر عضوا جديدا ، بما في ذلك دول من الاتحاد السوفييتي السابق ، و في ذات الوقت حاولوا إقناع روسيا أن قوات الناتو التي تمركزت بالقرب من حدودها، في إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا ورومانيا، لن تهدد أمنها. وفي الوقت نفسه توسع الاتحاد الأوروبي بإضافة ست عشرة عضو جديد خلال الفترة ذاتها .
يومها أخذ القادة الروس على حين غرة . كانوا ينتظرون المزيد من التعاون، من خلال رعاية مصالح الطرفين والاستعداد لتقديم التنازلات المقبولة من الجانبين .أعتقد الروس أنهم قاموا بما توجب عليهم القيام به ، خاصة الاستعداد للانخراط بالنظام العالمي الجديد الذي يقوده الأميركيون وحلفاؤهم. الا أن الغرب اكتفى بالوعود والكلمات التشجيعية، في حين واصل نفس العقلية التي كانت سائدة في الحرب الباردة، التي أعتقدوا أنهم فازوا فيها. الا أن موقف الأميركيين، و من ورائهم الغرب، عزز النهج الداعي الى رفض موسكو للنظام الغربي و الى أن تكون (موسكو) مركزا لتكتل دولي جديد في نظام عالمي متعدد الأقطاب.
أدى النهج الى تمزيق البلدان الواقعة على حدود روسيا، خاصة في مولدوفا، وجورجيا، و هاهي أوكرانيا تعاني الأمرين. أن شعوب تلك البلدان أظهرت انقساما واضحا في قضية الميل الى الغرب والأحتفاظ بالروابط التقليدية مع روسيا ، وهو أمر يجد قادة تلك الدول صعوبة معها في الحفاظ على وحدة بلدانهم .أن الدعم الغربي غير المتوازن للجماعات المؤيدة له في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق قد شجع هذه الدول على اضطهاد السكان الناطقين بالروسية- وهي قضية لا يمكن لروسيا أن تتجاهلها. حتى الآن، و بعد أكثر من عقدين من الزمان على انهيار الاتحاد السوفييتي، فإن أكثر من 6% من سكان إستونيا، وأكثر من 12% سكان لاتفيا، و هم من أصل روسي، لا يتمتعون بكامل حقوق وامتيازات المواطنة. أنهم لا يصوتون في الانتخابات الوطنية، يدرسون في المدارس الروسية، ويتابعون في الغالب وسائل الإعلام الروسية. على الرغم من تركيز الاتحاد الأوروبي على حقوق الإنسان خارج حدود بلدانه، الا أنه غض الطرف عن هذا الأنتهاك الواضح للحقوق الأساسية. لذلك عندما وصل الأمر الى أوكرانيا والى احتمال تمركز قوات للناتو في شبه جزيرة القرم – و هي منطقة تكن لها روسيا مشاعر خاصة، وحيث معظم سكانها يعتبرون أنفسهم روس – عندها أدركت روسيا أن تلك الأقليات لم يعد لها ملجأ تحتمي به . قامت موسكو بضم شبه جزيرة القرم في استجابة لتطلعات أغلبية سكانها ولوقف خطة الناتو لدفع القوات البحرية الروسية خارج البحر الأسود.
أخذ قادة الغرب على حين غرة برد الفعل الروسي السريع. في أواخر مارس، قال الجنرال فيليب بريدلوف، القائد الأعلى لقوات الناتو في أوربا وقد تفاجأ بالموقف الروسي ” لقد كانت موسكو بهذا التصرف عدوة أكثر منها شريكة ” ولكن أذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الناتو يتصرف منذ تأسيسه على هذا المنوال( عدو وليس شريك) ، و لم يغيره حتى بعد انتهاء الحرب الباردة و حلف وارشو ، كان يجب القبول بالتصرف الروسي. كان على الغرب أن يتوقع ذلك التصرف من موسكو أزاء محاولة التطويق الغربي لها.
في هذا السياق، أعتبرت حكومة الرئيس بوتين الاحتجاجات الغربية على الوضع في أوكرانيا شكلا من أشكال النفاق. وفي الواقع، كان الرأي الروسي صائبا. لنأخذ على سبيل المثال انتقادات الاتحاد الأوروبي الأخيرة لجماعة القطاع الغربي المتطرفة في أوكرانيا. في مارس، أدانت رئيس السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، كاترين أشتون، القطاع لمحاولتها الاستيلاء على مبنى البرلمان في كييف. ولكن الاتحاد الأوروبي كان قد أيد تلك الجماعة عندما نزلت الى الشوارع للإطاحة بحكومة الرئيس الأوكراني يانوكوفيتش قبل أشهر. علينا أن لا نستغرب ذلك فلم يكن لدى قادة الدول الغربية أي صعوبة في تبرير تصرفات هذه الجماعات المتطرفة عندما تراها مناسبة لها ، كما حدث مع الكروات في كرايينا عام 1995 أو القوميين في كوسوفو في 1997–98.
إن النفاق الغربي لا يتوقف هناك. لقد انتقدت واشنطن موسكو كثيرا لانتهاكها حرمة الحدود الأوكرانية، كما تدعي واشنطن. لكن ماذا عن الأمن في المنطقة ؟ أن الغرب وليس روسيا هو الذي أيد في عام 2010، الحكم الذي أصدرته “محكمة العدل الدولية” في أعتبار إعلان استقلال كوسوفو من جانب واحد في 2008 لم ينتهك القانون الدولي. وحذرت موسكو مرارا وتكرارا أن سوابق بالتدخلات العسكرية الغربية في أماكن مثل كوسوفو،و صربيا، والعراق، وليبيا من شأنه أن يقوض القانون الدولي- بما في ذلك مبدأ السيادة ، كما جاء في “اتفاقات هلسنكي” عام 1975، الذي أعترف الغرب فيها رسميا بحدود الاتحاد السوفييتي، ويوغوسلافيا السابقة، ودول “حلف وارسو”.
وعلى الرغم من هذه المعايير الغربية المزدوجة، عرضت موسكو عددا من المقترحات لحل الأزمة الأوكرانية: إنشاء حكومة ائتلافية تأخذ بعين الاعتبار مصالح المنطقتين الشرقية والجنوبية، والفيدرالية في البلاد و منح وضع رسمي للغة الروسية، وغيرها. الا أن وجهة النظر الغربية لا تقبل هذا المنطق الروسي .أن العمل مع روسيا لا ضدها، يعني الاعتراف بأن شخص ما خارج الغرب قادر على تحديد ما هو جيد وما هو سييء للمجتمعات الأخرى.
ومع تباعد المسافة بين روسيا والولايات المتحدة وأوروبا، كان قضية تصادم النهجين الروسي والغربي حول أوكرانيا مسألة وقت لا اكثر. بدأت الخلافات أولا بين الفصائل السياسية الأوكرانية: واحدة دعت إلى التوقيع على اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي وأخرى فضلت الانضمام إلى الاتحاد الجمركي التي تشكل من روسيا و بيلاروس و كازاخستان.
زعماء الغرب أعتبروا الجهود المؤيدة لروسيا على الصعيد الأقليمي كتحركات عدائية تهدف إلى أحياء الاتحاد السوفييتي، وإيجاد بديل للنظام الغربي. أعتقد معظم المسؤولين في الولايات المتحدة وأوروبا أن ربط أوكرانيا بالاتحاد الأوروبي سيشكل ضربة شديدة إلى تلك الخطط، مما يفسر السبب الذي اعتبر الغرب قرار يانوكوفيتش بتأجيل التوقيع على الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي نصرا روسيا يستدعي الرد عليه. الا أن القادة الغربيين كونوا فكرة خاطئة عن الأتحاد الأوراسي وذلك لأن روسيا وبقية أعضاء الأتحاد فكروا بأحياء الاتحاد السوفييتي السابق او مواجهة الغرب. الا أن تلك الدول هم من أنصار النظام العالمي الذي يقوم على عدة أقطاب بدلا من القطب الواحد، ولهم الحق في إنشاء تجمعات خاصة بهم. في الواقع، أن النخب الحاكمة في العديد من دول الاتحاد السوفييتي السابق يفضلون فكرة ايجاد شكل من أشكال الرابطة بين دولهم. في عام 1991، على سبيل المثال، أنشأوا “كومنولث الدول المستقلة”. ومن بين جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق الخمسة عشر، استغلت الجمهوريات المطلة على بحر البلطيق انهيار الاتحاد السوفييتي و فضلت الابتعاد عن أي نوع من العلاقات مع دول الاتحاد السوفييتي السابق والالتحاق بالاتحادات الاقتصادية والسياسية الغربية بدلاً من ذلك. في حين تحاول الدول الأخرى التفاق على دور محدد لكومنولث الدول المستقلة.
سعى زعماء بعض دول جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق الى أشكال جديدة من التكامل، مثل “الجماعة الاقتصادية الأوروبية الآسيوية”، التي تضم في عضويتها بيلاروس وكازاخستان، وقيرغيزستان، وروسيا، وطاجيكستان (أوزبكستان علقت عضويتها في عام 2008). وفي الدول الاخرى، مثل جورجيا وتركمانستان، وأوكرانيا، أعتبرت النخب الحاكمة الكومنولث وسيلة مهمة للحصول على ” طلاق عصري ” من روسيا وتقسيم أرث الأمبراطورية السوفييتية السابقة . وفي معظم هذه البلدان، على الأقل جزءا من الدولة وشريحة كبيرة من السكان بصفة عامة طالبوا بالحفاظ على علاقات وثيقة مع روسيا و جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. في جورجيا ومولدوفا، على سبيل المثال، تخشى الأقليات العرقية الأغلبيات القومية المتطرفة وتأمل في أن تساعد روسيا على حماية حقوقهم. في الدول الأخرى، بما في ذلك بيلاروس وأوكرانيا، كانت لأجزاء كبيرة من السكان روابط اقتصادية وثقافية وأسرية قوية مع روسيا بحيث انهم لا يتقبلون فكرة القطيعة التامة مع موسكو.
الا أن المشاكل الاقتصادية وقفت حائلا أمام التكامل الحقيقي. وبالرغم من أن بوتين جاء إلى السلطة وهو مقنتع بأن انهيار الاتحاد السوفييتي كان ” أكبر كارثة جيوسياسية ” في القرن العشرين، الا أنه انتظر عشر سنوات – حتى أكتسبت روسيا من القوة الأقتصادية والسياسية ما يكفي للتحرك في هذا الأتجاه . في عام 2010 شكلت بيلاروسيا وكازاخستان وروسيا اتحادا جمركيا، و هو أول خطوة حقيقية نحو التعاون الاقتصادي المثمر بين دول الأتحاد السوفييتي السابق . شكل الاتحاد منطقة خالية من الرسوم وغيرها من القيود الاقتصادية، و بدأ أعضاء الأتحاد بتطبيق التعريفات الموحدة وغيرها من التدابير التنظيمية المشتركة في تجارتها مع البلدان خارج الاتحاد . و تجري المفاوضات حاليا لإضافة أرمينيا، وقيرغيزستان، وطاجيكستان إلى الاتحاد.
بالإضافة إلى توفير الفوائد الاقتصادية، عزز التكامل اﻷوراسي التعاون الأمني. مثل منظمة حلف شمال الأطلسي، “منظمة معاهدة الأمن الجماعي” التي تضم أرمينيا، بيلاروس، كازاخستان، قيرغيزستان، و روسيا وطاجيكستان- تستوجب على الدول الموقعة تقديم العون لأي من الدول العضاء في حالة تعرضها لهجوم . وضعت العديد من البلدان الأوروآسيوية أهمية خاصة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي؛ قادة تلك الدول يعرفون أن روسيا وحلفاءها فقط هم من سيهب لنجدتهم إذا تعرضوا لتهديد حقيقي ، على الرغم من تأكيدات الكثير من الدول و المنظمات أنها ستفعل ذلك .
مع نجاح التعاون الاقتصادي تناقش النخب السياسية في بلدان الاتحاد الجمركي الآن تشكيل اتحاد سياسي اوراسي. كما كتب بوتين في صحيفة ازفستيا الروسية في عام 2011، موسكو تريد الاتحاد الجديد شريكا لا غريما منافسا للاتحاد الأوروبي والمنظمات الإقليمية الأخرى، مثل رابطة أمم جنوب شرق آسيا واتفاقية التجارة الحرة في أمريكا الشمالية. أن ذلك سيساعد الدول الأعضاء ” على وضع [نفسها] داخل الاقتصاد العالمي،” كما قال بوتين، و “تلعب دوراً حقيقيا في صنع القرار ووضع القواعد، وصياغة المستقبل.” و حتى يكون هذا الاتحاد فعالا يجب أن يتطور بشكل طبيعي وطواعي. وعلاوة على ذلك، أن تطور التكامل بعد انهيار الاتحاد السوفييتي إلى مستوى جديد قد يثير مسألة القيم التي اقيم على ضوئها . إذا كانت بلدان أوروبا قد توحدت لمناصرة القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، والتعاون الاقتصادي، فإن الاتحاد الأوراسي سيكون نصيرا للأهداف ذاتها .
حدد بعض المفكرين السياسيين الأساس الإيديولوجي لهذا الأتحاد بدراسة التاريخ . . نشأ مفهوم الفضاء أو الهوية الأوراسية أولاً بين الفلاسفة والمؤرخون الروس الذين هاجروا من روسيا الشيوعية في أوروبا الغربية في العشرينيات من القرن الماضي. مثل السلافيين الروس قبلهم ، يتحدث الأوراسيون أو الأوراسية عن الطبيعة الخاصة للحضارة الروسية وأختلافها عن المجتمع الأوروبي. الا أنهم ينظرون في اتجاه مغاير. بينما أكد السلافيون على الوحدة السلافية و عارضوا النزعة الفردية الاوروبية بجماعية المجتمعات الفلاحية الروسية ، الاوراسية ربطت الشعب الروسي مع الشعوب الناطقة بالتركية ( التورانيون ) في السهوب الآسيوية الوسطى. أستنادا للأوراسيين أن الحضارة التورانية، التي يفترض أنها نشأت في بلاد فارس القديمة، خطت لنفسها نموذجا سياسيا واقتصاديا خاصا بها هو الاستبدادية. على الرغم من أنها تقدر المبادرات الفردية بشكل عام، الا ان العديد من الأوراسيين أدانوا الهيمنة المفرطة لمبادئ السوق على الدولة في الغرب، وشددوا على الدور الإيجابي للأديان التقليدية في المنطقة على: المسيحية الأرثوذكسية والإسلام والبوذية. هذه النظرية تتمتع الآن بشعبية واسعة ليس فقط بين جزء كبير من النخبة السياسية الروسية ولكن أيضا في كازاخستان، وقيرغيزستان، وبلدان أخرى في آسيا الوسطى حيث يعيش أحفاد التوارنيين.
على الرغم من أن الأفكار القديمة التي يتحدث عنها الاوراسيون اليوم قد تبدو مصطنعة إلى حد ما، لا ينبغي النظر إلى خطة إقامة اتحاد أوراسيي بعيدة المنال. أن الثقافة والقيم للعديد من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق تختلف عن ما يسود في الغرب. ربما تنتشر العلمانية الليبرالية، التي ترفض القيم المطلقة للديانات التقليدية، بشكل واسع في أوروبا الغربية والولايات المتحدة، ولكن جميع الأديان الرئيسية- المسيحية الأرثوذكسية والإسلام واليهودية والبوذية تشهد نوعا من النهضة في الجمهوريات السوفياتية السابقة. وعلى الرغم من الاختلافات الكبيرة بينهما، الا ان هذه الأديان ترفض التساهل والنسبية الأخلاقية، لأنها تعتبر هذه المفاهيم خاطئة .معظم سكان الدول الاتحاد السوفييتي السابق يشعرون بالاستياء من ان الغربيين يعتبروهم متخلفين ورجعيين. ويتفق معهم زعماؤهم الدينيون ، الذين يتمتعون بزيادة شعبية ونفوذ. الغالبية العظمى من المسيحيين الأرثوذكس في روسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء ومولدوفا تتفق مع كل هذا، كما يفعل كثير من الناس في آسيا الوسطى. وقد دفعت هذه المعتقدات الى مقاليد الحكم قادة دعموا التكامل بين جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. كما أنها ساعدت بوتين على النجاح في إقامة مركز سلطة مستقلة في أوراسيا. أن التدخل الغربي، وفي الوقت نفسه، ساعد على دعم هذه السلطة.
أن الحالة في أوكرانيا لا تزال متوترة. وقد تحذو حذو مولدوفا، وتنشطر الى قسمين . اعتبرت الولايات المتحدة الطلب الروسي بالحوار كمحاولة لإملاء شروط غير مقبولة. في روسيا، غذت الحروب المستمرة نشاط القوميين والمتطرفيين. المجموعة الأخيرة أصبحت نشطة بشكل خاص في الآونة الأخيرة، وهي تقدم نفسها باعتبارها القوة الوحيدة القادرة على حماية مصالح روسيا. أن التصعيد المتهور للمواجهة قد تؤدي الى نشوب حرب. الحل الوحيد للولايات المتحدة وحلفائها تغيير موقفهم من المواجهة إلى المشاركة البناءة.
بعد كل شيء، أن إيجاد حل دبلوماسي للأزمة أوكرانيا لا يزال ممكنا. وحتى خلال الحرب الباردة، موسكو والغرب تمكنا من التوصل إلى اتفاقات بشأن حياد النمسا وفنلندا. هذه التفاهمات لا تقوض النظم الديمقراطية أو التوجه الأوروبي العام لتلك البلدان، وأثبتت فائدتها لاقتصاداتها وسمعتهم الدولية. ليس من قبيل المصادفة أن تكون فنلندا، وهي دولة محايدة مع علاقات قوية مع الغرب والاتحاد السوفييتي هي التي استضافت محادثات قادت إلى التوقيع على اتفاقات هلسنكي، التي لعبت دوراً رئيسيا في تخفيف توترات الحرب الباردة. وبالمثل يكمن الحل للأزمة الراهنة في توفير ضمانات دولية للوضع الحيادي لأوكرانيا وحماية السكان الناطقين بالروسية. وقد يكون البديل أسوأ بكثير جداً: أوكرانيا يمكن كذلك التفكك، جر روسيا والغرب إلى مواجهة طويلة أخرى.
وعلى الولايات المتحدة وحلفائها الأوربيين القيام بخيار في أوكرانيا. أما أن يستمروا في سياساتهم الحالية، والتي سوف تؤدي إلى تفاقم العداء مع روسيا وتدمر أوكرانيا ، وهو سيناريو سيخرج الجميع منه خاسرا. أو أنهم يتخلون عن تلك السياسة ويساعدون في بناء أوكرانيا المزدهرة المحايدة التي لا تهدد روسيا وتساعد الغرب على تطوير علاقته بموسكو، عندها سيخرج الجميع منتصرا .

محمد نجيب السعد
باحث أكاديمي عراقي
m.najeeb@bayancollege.net

إلى الأعلى