الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / موسكو.. غابة خضراء صيفا بيضاء شتاء ويقطعها النهر
موسكو.. غابة خضراء صيفا بيضاء شتاء ويقطعها النهر

موسكو.. غابة خضراء صيفا بيضاء شتاء ويقطعها النهر

موسكو ـ العمانية: من الوهلة الأولى تبدو مدينة موسكو من نافذة الطائرة، أشبه بغابة خضراء تتخللها عمارات شاهقة، ويمكن لمن يدقق النظر أكثر أن يرى النهر الذي يقطع العاصمة الروسية فهو أشبه بسيف صقيل، ومن حوله تلتف مدن وغابات كثيفة، ولذلك فإن اللون الأخضر هو السائد في فصل الصيف، بخلاف اللون الأبيض للثلوج التي تغطي الكثبان والعمران في أشهر الشتاء الطويلة.
كما تبدو موسكو مدينة حديثة ، رغم ما يكسوها من عمارات أثرية ، يعود بعضها إلى القرن السابع عشر، وبعضها إلى أبعد من ذلك، كما توجد المباني القديمة و”الكاتدرائيات” في الكرملين، حيث تعد الساحة ضمن معالم التراث الإنساني العالمي.
والزائر لموسكو في فصل الصيف يستمتع كثيرا بالطقس المشمس، والهواء العليل الذي يهب من أعالي الغابات والمرتفعات. كما يستمتع الزائر خارج العاصمة بمنظر المساحات الخضراء والريف الروسي، والبيوت الخشبية التي تلون الأرجاء.
داخل العاصمة الروسية، لا بد من زيارة “الكرملين”، المقر الحالي للحكومة الروسية، أحد أهم المزارات السياحية والأثرية في موسكو القديمة، ومفردة “الكرملين” تعني القلعة أو الحصن، حيث يقع على تل محاذ لنهر “موسكوفا”، ليتذكر الزائر عهود القياصرة البائدة، الذين أسهموا في تزيين موقع الكرملين ببناء كاتدرائيات جميلة، تلوح أناقتها أمام العين، ولذلك سوف يدهش الزائر من جمال تلك القصور والقلاع التي تظهر في ساحة الكرملين، وقريبا منها الساحة الحمراء أو الميدان الأحمر، الشهير بارتفاع قباب كاتدرائياته الأثرية.
ويحيط بالكرملين والساحة الحمراء جدار ضخم، يبلغ طوله ميلين ونصفا، وارتفاعه ( 65 ) قدما,
ويمكن الاستمتاع بمشاهدته بركوب أحد القوارب السياحية التي تأخذ الزائر في جولة عبر النهر لما يقارب من ساعة، يطوف خلالها على مباني الكرملين، ومن اليمين تلوح له عمارة قوطية عملاقة، شيدت في عهد ستالين، وتوجد مثلها سبعة مبان شيدت بذات الطراز القوطي المتفرِّد. كما سيمر الزائر على مجسم عملاق ليوليوس قيصر، وسيرى عن كثب الجسور التي تقطع النهر، والأشجار التي تحف القصور.
ويعد شارع “أربات” في قلب موسكو، أحد أجمل الشوارع التي تضج بالناس، حيث يتحول إلى ميدان يقدم فيها الهواة عروضا بالثعابين، كما يقدم الشباب الماهرون في الألعاب البهلوانية عروضا شيقة، وكذلك هواة العزف على الآلات الموسيقية، ويعرض الفنانون التشكيليون لوحاتهم الزيتية الجميلة التي تستوحي في كثير منها وجوه العابرين، وعلى جانبي الشارع تصطف المقاهي ومحلات بيع المأكولات السريعة، ومكتبات لبيع الكتب المستعملة، وهي ساحة تشبه إلى حد كبير ساحة جامع “الفنا” التي تقع في قلب مدينة مراكش بالمغرب.
ويمتد شارع أربات من ساحة “سمولينسكايا” إلى بوابة أربات، ويقع بين شارعي ” بريتشيستينكا” و”أربات الجديدة”، ويقال إن لهذه التسمية أصلا عربيا، فهي مشتقة من كلمة” أرباض” العربية، حيث دخلت إلى اللغة الروسية عبر التتر الذين غزو روسيا في العصور الوسطى، أو عبر تجار الشرق.
ولا يفوت الزائر لمدينة موسكو أن يدخل منتجع “مكسيم غوركي” الذي أنشئ في عام 1928م ، ويقع على جانب نهر “موسكوفا”، وقريبا من محطة مترو “بارك كولتوري”، ومن المعروف أن “غوركي” أحد أبرز الأدباء الروس في القرن العشرين، وتوفي في عام 1936م، وترك أعمالا قصصية وروائية، أشهرها رواية “الأم” التي ترجمت إلى مختلف اللغات العالمية، ومن بينها اللغة العربية.
وفي هذا المنتجع يتعرف الزائر على أنواع كثيرة من وسائل الترفيه، ومن الطبيعي أن يغص المنتجع بالزوار والمقيمين والمواطنين الروس مع عائلاتهم في إجازة نهاية الأسبوع يومي السبت والأحد، كما يمكن للزائر ركوب الدراجات المائية، والاستمتاع بالمرافق الرياضية، والوقوف عند النوافير المائية.
كما يعد مترو الأنفاق الذي بدأ الحركة والعمل عام 1935م من أشهر المعالم في مدينة موسكو، وحاليا تمتد سكته لتقطع موسكو تحت الأرض من مختلف الاتجاهات بطول يزيد على ( 300 ) كيلومتر، وتخدمها عشرات المحطات التي ينتقل الناس عبرها إلى الداخل والخارج، حيث يدخلون إلى الأنفاق الغائصة في عمق الأرض أو يخرجون منها كالنمل الزاحف، وبإبداع مبهر تحولت الأعماق التي يقطعها المترو إلى متاحف وقاعات مليئة باللوحات الفنية التعبيرية.
وبلا شك فإن مترو الأنفاق بالنسبة لغالبية السكان يعتبر وسيلة نقل سهلة ومريحة، ويوفر لهم الوقت والمال، وقد أصبح اليوم جزءا من ذاكرتهم الطفولية وأسرارهم الرقيقة، تحفزها لوحات كبار الرسامين والثريات والمصابيح والجدران والمصاعد الكهربائية، كما يشكل هدير المترو في حالة زحفه إيابا وذهابا جزء من الإيقاع الصاخب الذي اعتاد عليه الناس في حياتهم.
وفي موسكو تسنح الفرصة لزيارة “مقبرة العظماء”، حيث يتعرف الزائر على أضرحة كبار رجالات الفكر والفن والأدب والسياسة، الذين أسهموا في بناء الدولة الروسية الحديثة، وصاغوا وعي وضمير الإنسان الحي، ويشهد لهم إبداعهم وتأثيرهم الثقافي والفني الباقي إلى اليوم.
كما أن زيارة المتاحف والمكتبات العامة عالم آخر مختلف، يضم في داخله الكثير من المفاجآت الملفتة، والمحفزة للإبداع، وأكثر إبهارا هو تجاوز الانسان الروسي لكل المحن التي عاشها في سنوات الاستبداد والاستعمار والحروب، ليعيش اليوم سعيدا بحياته، وسعيدا في مدينته الجميلة، وسعيدا بالطقس الذي تشرق عليه الشمس ضاحكة من خلف الغيوم.

إلى الأعلى