السبت 23 مارس 2019 م - ١٦ رجب ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (نظرية الاستصحاب فى المذاهب الإسلامية وإمكانيات التجديد) (4)
(نظرية الاستصحاب فى المذاهب الإسلامية وإمكانيات التجديد) (4)

(نظرية الاستصحاب فى المذاهب الإسلامية وإمكانيات التجديد) (4)

اعداد ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:(نظرية الاستصحاب فى المذاهب الإسلامية وإمكانيات التجديد( للاستاذ الدكتور عبدالحي عزب عبدالعال ـ رئيس جامعة الأزهر الشريف السابق.
واستكمل الباحث قائلاً: وقد اتجه معظم الحنفية والمالكية والحنابلة إلى القول بعدم حجية هذا النوع من الاستصحاب، بينما رأى البعض القول بحجية هذا النوع وهو ما رجحه الأمدى وابن الحاجب والشوكانى وابن القيم ونسب القول بحجيته إلى الشافعي.
والمحور الثالث هو: أثر الاستصحاب فى بناء الأحكام الفقهية ودروه فى التجديد: إن نظرية الاستصحاب أو قاعدة الاستصحاب فى التشريع الإسلامى يجب أن تفعل على وجهها الصحيح لتقوم بدورها فى النهوض بقضايا العصر بجانب أخوتها من النظريات الفقهية والقواعد الأصولية وعليه فان استثمار المجتهد لهذه القواعد سوف يكون خير معين له على البحث والمناظرة والتجديد، فإذا فعلت المجامع الفقهية ومجالس الاجتهاد الجماعى القواعد الأصولية والنظريات الفقهية ومقاصد الشريعة الإسلامية بعيداً عن الانغماس فى الخلافات والجدل كان هذا كفيلاً لإدخال الفقه الإسلامى فى إطار التجديد ومتابعة قضايا الأمة الاقتصادية والطبية والاجتماعية والقانونية وغيرها فى كافة الأمور التى تسهل الحياة، فلابد من النهوض بالفقه الطبى، والفقه الزراعى، والفقه التجارى، والفقه الصناعى، والفقه الاجتماعى، والقانون وغير ذلك مما له الأثر البالغ فى حياة الأمة، بدلا من أن يترك الأمر للمتشددين والمغالين فى أمور الدين الذين لا يصدرون للحياة إلا الجمود الفقهى والفكرى، والاستصحاب من حيث كونه بناء حكم فى الزمن الحاضر على حكم فى الزمن الماضى لعدم وجود مانع او وجود أمر يغير الحال، وهذا يختلف عن القياس لأن القياس فيه إلحاق الفرع بالأصل فى الحكم إنما جاء نتيجة الاشتراك فى العلة كإلحاق النبيذ بالخمر فى الحرمة نتيجة الاشتراك فى العلة وهى الإسكار، أما الاستصحاب فهو الحاق حال لحال فيؤخذ حكم حالة الماضى للحاضر، وهذا مجال طيب ومناسب للتجديد، حيث إن المجتهد الذى يبحث عن حكم المستجدات الزمان والمكان وقضايا الواقع يحتاج إلى أدوات وسبل وطرق، والاستصحاب هو أحد هذه الأدوات والسبل والطرق.
وقال: واليك بيان واضح لدور الاستصحاب فى التجديد من خلال الفروع الفقهية والقضايا التى كان للاستصحاب الأثر فى ظهور حكمها وإيجاد الحل لها والتى من أهمها: فى مسائل البيع والشراء وحق الرد بالعيب: ماذا لو اشترى شخص سيارة ثم أراد أن يردها بناء على ما له من حق فى الرد بناء على حقه فى خيار العيب ثم حصل خلاف بين المشترى وبين البائع فى وجود هذا العيب وعدمه، والقول فى هذه الحالة هو قول البائع استصحاباً للصفة الأصلية وهى السلامة من البيع حتى يوجد ما يصلح للتغيير وهو إثبات المشترى لوجود هذا العيب، وفى مسائل الإيجار: ماذا لو استأجر شخص عاملاً يجيد صنعة ما ثم ادعى صاحب العمل أن هذا العامل لا يحسن الصنعة قبلت دعواه لأن الأصل هو معرفة الإنسان لهذه الصفة حتى يتعلمها، فعملا بالاستصحاب يكون القول هو قول صاحب العمل حتى يوجد ما يصلح لتغيير هذا الأصل وهو إثبات العامل إجادته لهذه الحرفة أو الصنعة اى لابد من إقامة ما يثبت خلاف الأصل، وفى مسائل الدَّيَن: اذا ثبت الدَّيَن ثم ادعى المدين براءة ذمته بدفع أو إبراء فلابد من الرجوع إلى الأصل وهو ثبوت الدين فيستصحب هذا الإثبات حتى يظهر ما يخالف ذلك وكذلك الأمر إذا ادعى شخص وجود دين على آخر فإن الأصل براءة الذمة ويستصحب هذا حتى يثبت ما يشغل الذمة بالدين، وفى مسائل الطهارة: إذا توضأ شخص ثم أراد الصلاة بذلك الوضوء عملا بهذا الأصل وهو التيقن السابق للطهارة يستصحب هذا الأصل حتى يوجد ما يثبت عكس ذلك فعند التيقن من وجود الأمر يتم البناء عليه استصحابا للأصل حتى ولو حصل ظن بخلاف ذلك لأن اليقين لا يزول بالشك .. والله واعلم.
وفي خاتمة البحث يقول الباحث: تتلخص خاتمة الورقة فى كون الاستصحاب قاعدة أو نظرية تنهض لأن تكون محلا لبناء الأحكام عليها، وهذا مجال من مجالات بناء الأحكام لدى الفقيه المجتهد فما رآه حجة يؤخذ بها نظراً إلى التوسعة أمام المجتهد بإيجاد أداة أخرى يستخدمها المجتهد ويأخذ بها فى بناء الأحكام والنهوض بالفقه الاسلامى ومتابعته لقضايا الزمان والمكان والأشخاص، كما انه أراد التيسير على الناس فى حياتهم الذى هو جوهر وسطية هذه الأمة حيث قال (صلى الله عليه وسلم):(إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معثرين)، أما التوصية: فتتمثل فى مناشدتى لعلماء العصر أن يهتموا بفكر الفقه ويفعلوه من خلال متابعة قضايا الأمة، وخير معين لهم على هذا هو تفعيل تلك القواعد والنظريات مثل قاعدة أو نظرية الاستصحاب .. وغيرها من القواعد التى تسهل على الأمة حياتها الدينية والدنيوية.

إلى الأعلى