السبت 23 مارس 2019 م - ١٦ رجب ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن (دروس وعـبر مـن بـعـض آي السـور) (4)

شـذرات مـن هـدي القـرآن (دروس وعـبر مـن بـعـض آي السـور) (4)

ناصر بن محمد الزيدي:
الحـمدلله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلـين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمـين، وعـلى آلـه وأصـحابه أجـمعـين وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد.
فـلا زال الحـديـث مـوصولاً:(دروس وعـبر مـن بـعـض أي الـسـور) يـقـول الله تعالى:(إِنَّ هَـٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ..) (الإسـراء ـ 9).
فالإنـسان لـم يـخــلق مـثـلاً تـلك الكـنـوز الـتي تـزخـر بهـا الأرض، عـلى اخـتـلاف أنـواعـهـا وألـوانـها وقـيـمـتهـا أو الـبــترول أو الـغـاز، ولـكـنهـا كانت مـطـمـورة في الـكـون، حتى جـاء الـوقـت الـذي أراد الله تعالى أن تـؤدي فـيـه دورهـا في الحـياة الـبشـرية فـدلــنـا الله تعالى لحـظـة اكـتـشـافـنا لـهـا، فـعـلـمـنا ما لـم نـكـن نـعـلـم، وكان فـضـل الله عـلـينا عـظـيـماً.
فالشئ الحـادث الآن، والشئ الـذي سـيحـدث بـعـد سـنـوات، فالله هــو الـذي خـلـق كل عـناصـره، وأودعـها في الأرض لحـظـة الخـلـق، والإنـسان بما يـكـشـف الله لـه مـن أسـرار كـونـه بعـلـم عـلـمه الله إياه، يـسـتـطـيـع تـركـيـب تـلك الـعـناصـر، ولـكـنه لا يـسـتطـيـع خـلـقـهـا أو إيجـادهـا مـن الـعـدم.
والحـق سـبحانه وتعالى يـقـول:(ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (فـصـلـت ـ 11)، حـيـنما يـقـول الله تعالى اسـتـوى، يجـب أن نـفـهـم كل شيء متـعـلـق بــذات الله تعالى عـلى أنـه لـيـس كـمـثـله شئ، فالله اسـتـوى والـمـلـوك تسـتـوي عـلى عـروشـهـا، وأنـت تسـتـوي عـلى كـرسـيـك، ولـكـن لأنـنا محـكـومـون بقـضـية: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشـورى ـ 11)، فـلا بـد أن نــعـرف أن اسـتـواء الله عـز وجـل لـيـس كـمثـله شيء في الاسـتـواء، فالله حي وانـت حـي ، فـهـل حـياتـك كـحـياته سـبحانه وتعالى؟، والله يـعـلـم وأنت تعـلـم فهـل عـلـمـك كـعـلـمه جـل جـلالـه؟، والله يـقـدر وانت تقــدر، فهـل قــدرتك كـقــدرته تعالى طـبـعـاً؟، الجـواب: لا وألـف لا.
فـعـنـدما تأتي إلى قـوله تعالى:(اســتـوى)، فـلا تحـاول أن تفـهـمها أبـدا بالـمـفهـوم الـبشري، الـقـاصـر نـظـره عـن مـدركات الأمـور، فالله عـز وجـل يـعـلـم ما في الأرض ويـعـلـم ما في الـسماء وما بـين السـماء والأرض ويـعـلـم ما تحـت الـثـرى، وهـو سـبحانه يـعـلـم الـمـكان بـكل ذراتـه والـمـوجـودين في ذلـك الـمـكان أو الـمـكـين بـكل أنـواعـه وأكـل فــراده، وأنـت تعـرف ظـاهـر الأمـر، والله يـعـلـم غـيب الـسماوات والأرض، فـعـلـمه لـيـس كـعـلـمـنا، فـعـلـمه بـما هـو كائـن وما سـيـكـون إلى يـوم الـقـيامة، وإلى مـا بعـد يـوم الـقـيامة.
إذن: فـهـو عـزوجـل لـيـس كـمثـله شئ، ولا يمـكـن أن تحـيـط أنـت بـعـقـلك الـقـاصـر بـفـعـل يـتعـلـق بــذات الله تعالى، قال تعالى:(وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (الإسـراء ـ 85)، فـعـقـلك قاصر عـن أن يــدرك ذلك بـل قاصـر حـتى عـن إدراك ذاتـك، ولـذلك إذا أشـكل عـلـيـك أمـر مـن الأمـور الـمـتـعـلـقة بالـقـدرة الإلـهـية، فـقـل سـبحـان الله لـيـس كـمـثـله شئ في كل فـعـل يتـصـل بـذات الله:(اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ) هـذا الـكـلام هـو كـلام الله، فالـمتحـدث هـو الله.
بـعـض الـناس يـقـولـون تلـقـيـنـا الـقـرآن وحـفـظـناه، نقـول لهـم إن الـذي حـفـظ الـقـرآن هـو الله عـزوجـل، ومـا دام الله حـفـظ كـلامه، فـهـو سـبحانه وتعالى يـعـلـم أن الـوجـود كله، ولـن يتـعـارض شـيء مـما خـلـق الله في هـذا الـكـون مـع الـقـرآن الكـريـم، لأن الـمـصـدر واحـد والـهـدف واحـد، والخـالـق واحـد، فـبـذلك يـكـون حـجـة لله عـلى الـناس، ومـا دام الله جـل جـلاله هـو الخـالـق وهـو الـقـائـل، لـه الخـلـق والأمـر، فـلا تـوجـد حـقـيقة في الكـون كله تـتصادم مـع الـقـرآن الكـريـم.
واقـرأ قـوله تعالى:(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحـجـر ـ 9)، وهـذا مـن عـظـمة الله أنـه هـو الـذي تـولى حـفـظ كـتابه الـقـرآن الـكـريـم، لـيكـون حـجـة عـلى الـناس، والله سـبحانه وتعـالى صـفـات كـمـال مـطـلـق، إذ وجـدت صـفاتـه قـبـل أن تـوجـد متـعـلـقـات هـذه الـصـفات، فـهـو تعالى خـلـق لأنـه خـالـق، كأن صـفـة الخـلـق وجـدت أولاً وإلا كـيـف خـلـق أول خـلـقـه، إن لـم يـكـن سـبحانه خـالـقـاً قـادراً عـلى الخـلـق، فـهـو قـادر عـلى الخـلـق مـن العـــدم مـن غـير مـثـال؟.
والله رزاق قـبـل أن يـوجـد مـن يـرزقـه الله، وإلا فـبأي قــدرة رزق الله أول خـلـقه؟، والله عـز وجـل خـلـق هـذا الـكـون بـكـمال صـفـاته، وشـهـد أنه لا إلـه إلا هـو، شـهـادة الـذات للـذات، قـبـل أن يـشهـد أي خـلـق مـن خـلـق الله، شـهـد أنـه لا إلـه إلا الله، واقـرأ قـوله تعالى:(شَهِدَ اللَّـهُ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (آل عـمـران 18).
فالله عـزوجـل، شـهـد أنه لا إلـه إلا هـو، قـبـل أن يـوجـد أحـد مـن خـلـقه يشهـد بـوحـدانـيـة ألـوهـيـته، وشـهــد أنـه لا إلـه إلا هــو، قـبـل أن يخـلـق الـملائكـة، لـيشـهـدوا شـهـادة مـشـهـد بأنـه لا إلـه إلا الله، وشـهـدة أولـي الـعـلـم شـهـادة عـلـم، فـكأن شـهـادة الـذات للـذات، فـي قـوله تعالى:( شـهـد الله أنه لا إله إلا هـو ) هي التي يـعـتـد بها وهـي أقـوى الـشهـادات فالله لـيـس كـمثـله شئ، ولـيـس محـتـاجـا مـن خـلـقـه إلى أي شـئ، وخـلـقـه محـتـاج لـتـمــد حـياته، أمـأ الـواحـد الأحـد الـفـرد الـصـمـد، لا يحـتـاج إلى خـلـقـه في أي شئ.
.. وللحـديث بـقـية.

إلى الأعلى