الخميس 20 يونيو 2019 م - ١٦ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / أنماط التعجب في لغة العرب وشواهدها في القرآن الكريم (1)

أنماط التعجب في لغة العرب وشواهدها في القرآن الكريم (1)

د.جمال عبدالعزيز أحمد:
للعرب طرائق، وأساليب عندما يتعجبون، ولهم أنماط من القول عندما يندهشون، أو ينبهرون، منها ما هو قياسي ، بمعنى أنه يمكنكَ أن تؤلف على سننه ووفاقه، ومنها ما هو سماعي ، يلزمك أن تقلده، وأن تحاكيه بلفظه ، ولا يمكنك أن تنسج بناء عليه أو تدور حوله، وقبل أن نبين تلك الصور اللغوية لهذا الأسلوب نقدم مفهوم التعجب عند أهله لنقف على حقيقة التعجب قبل عرض أنماطه وطرائق استعماله، فالتعجب هو استعظام زيادة في وصف المتعجب منه، كان قد تَفرَّد بها من بين أقرانه ، مع استخدام كلام خاص يدل على هذا الاستعظام، وذاك التعجب، مثل: ما أجملَ هذا الدينَ!، وما أعظمَ هذا القرآنَ!، وأكْرِمْ برسول الله!، وأحْسِنْ بسيرته المطهرة!.
وكان أول من فكر في كتابته سيدنا علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ عندما رأى الأعاجم يخلطون، ولا يفرقون حتى وصل الأمر إلى بيت أبي الأسود الدؤلي، الصحابي الجليل الذي وردتْ عنه مع ابنته رواية تناقلتها كتب التراجم، والكتب التي تحدثت عن أسباب وضع النحو، وتدوين قواعده، وكتابته، قمينٌ بها أن نسجلها هنا بين يديْ هذا الموضوع المهم، حيث قالت له ـ ذات مرة: يا أبتِ، ما أحسنُ السَّمَاءِ، فقال: أيْ بنيتي، نجومُها ، فقالت له: يا أبتِ، إنني أتعجب، ولا أسألُ، فقال لها: إذًا فقولي: ما أحسنَ السماءَ!، وافتحي فاكِ، ثم وضع النحو، وهذا التركيب الذي تفوهت به ابنة الدؤلي إذا لم يضبط، ويوقف على دلالاته فُهِمَ على ثلاثة معانٍ كلها يمكن أن تفهم بشكل ما، وبنبرة صوتية ما، وبضبط ما، ونعرض لتلك المعاني والضبط وما يترتب عليه من دلالة وإعراب، الأول: ما أحسنَ السماءَ! (بفتح النون من أحسن، والهمزة من السماء): فـ (ما) هنا تعجبية، مبتدأ، والسماءَ: مفعول به، والمعنى: أيُّ شيء جميل جعل السماءَ على صورة هي غاية في الحسن، والجمال، وتوضع علامة التعجب في نهاية الجملة، والثاني: ما أحسنَ السماءُ (بفتح النون من أحسن، وضم الهمزة من السماء)، فـ (ما) هنا أداة نافية، لا عمل لها غير النفي فقط، و(السماء) فاعل، والمعنى ليست السماءُ على صورة من الحسن، أي: أنك تنفي ذلك، وأنها لا حسن لها، والثالث: ما أحسنُ السماءِ؟ (بضم النون من أحسن، وكسر الهمزة من السماء). فـ (ما) هنا استفهامية، مبتدأ، و(أحسنُ) خبر، وهو مضاف، و(السماءِ) مضاف إليه، والمعنى: أيُّ شيء حَسَّنَ السماءَ؟، فأنت تستفهم، وتحتاج إلى إجابة، وهي العبارة التي تَلفَّظت به ابنةُ أبي الأسود الدؤلي ـ رضي الله عنه ـ ومن ثم رد عليها، وقال: نجومها، حسبها تستفسر منه، ولا تتعجب، وهذا يدل على تحضُّر العربية، وأن من أهمَّ سماتها أنها لغةُ الإعراب، وأن إبرازَ الحركات على الأواخر له دورٌ كبيرٌ في فهم المقصود، ونقل المراد ولذلك لو سَكَّنَ المتكلم (كلا من نون أحسن، وهمزة السماء)، فقال: ما أحسنْ السماءْ! لما فُهِمَ المعنى، ولما عُرِفَ المقصود، أيتعجب، أم ينفي، أم يتساءل، ويستفهم، ولكل مقامه، وسياقه.

* جامعة القاهرة بكلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية

إلى الأعلى