السبت 23 مارس 2019 م - ١٦ رجب ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / دروس وعبر من التاريخ

دروس وعبر من التاريخ

خميس بن عبيد القطيطي

سجل التاريخ العربي على صفحاته العديد من المواقف والعبر التي قد نستحضرها اليوم في هذه الظروف العصيبة التي تمر بالأمة، ونستعيد تلك المواقف لتنبيه الذاكرة تجاه المآلات التي آلت إليها، وربط تلك الأحداث بما يحدث الآن.
ففي أواخر العهد العربي الإسلامي في الأندلس يذكر المؤرخون أنه عندما حاصر الفونسو السادس مدينة طليطلة وقف ملوك الطوائف موقف المتفرج بل قاموا بمساعدة الفونسو حتى تم سقوط المدينة، وعندما قرر يوسف بن تاشفين خلع ملوك الطوائف تحالف المعتمد بن عباد مع الفونسو وعرض عليه عددا من الحصون لصد هجمات يوسف بن تاشفين، وتكرر المشهد عندما قام محمد بن الأحمر بمساعدة فيرناندو الثالث فأمده بـ500 جندي حتى تم سقوط أشبيلية، وكذلك قام بمساعدة جيش النصارى حتى تم سقوط قرطبة وملقة، وحدث ذلك أيضا في حصار غرناطة حيث وقع ابن الأحمر اتفاقية مع ملك قشتالة لتسليمه غرناطة ومساعدته في قتال ما تبقى من المسلمين، فتم حصار غرناطة وسقوطها عام 1244م، واستمر الحال كذلك حتى تم سقوط جميع حواضر الدولة الأموية بالأندلس بعد عدة قرون من الحكم الإسلامي الزاهر، ونظرا لضعف الدولة والخيانات التي حدثت انتهت تلك الدولة العظيمة، وانتهى الحال بأولئك الخونة إلى الذل والموت، وفي الشرق الإسلامي لم يكن الحال والمآل بأفضل مما حدث في الأندلس، فقد تكرر المشهد في بغداد عاصمة الدولة العباسية عندما اجتاحها المغول عام 1258م، فحدثت الخيانة من قبل وزير الدولة ابن العلقمي الذي كان يطمح في تولي ولاية بغداد بعد احتلالها، ولكن هولاكو قتله بعد تدمير بغداد، وحدثت مآسٍ عظيمة لم تنجُ منها أي مدينة أخرى حيث تتابع المد المغولي باتجاه الشام التي مارس فيها جنود التتار شتى أنواع الهمجية والبربرية، ولم تختلف نهايات أولئك الخونة والعملاء فكان مصيرهم الذل والعار إلى يوم القيامة.
قدم التاريخ المعاصر أيضا نماذج أخرى من الأنظمة التي تعاملت مع القوى الاستعمارية بما يحقق لها أهدافها ومشروعها الاستعماري، ولن نستفيض بالإشارة إلى تلك الأنظمة، ولكننا سنذكر بالمآلات التي وصلت إليها ولم تجد في نهاية المطاف من يدافع عنها، ففي تاريخ غير بعيد عن الذاكرة تعرض عدد من النظم الملكية في الخمسينيات من القرن الماضي إلى التهاوي والسقوط في لحظة عابرة، ففي مصر وبتاريخ 23 يوليو 1952م أنهت ثورة الضباط الأحرار النظام الملكي الذي كان يحكم مصر في ظل احتلال أجنبي، وتم نفي الملك فاروق إلى خارج البلاد وبدأت مرحلة أخرى من الحرية والعدالة الاجتماعية وتأميم موارد الدولة، وفي بغداد قضت ثورة تموز 1958م على النظام الملكي وتم إعدام الملك فيصل الثاني وعائلته ونظام حكمه في مجزرة دموية رهيبة لم تستطع تلك القوى الاستعمارية الحيلولة دونها، وكذلك كان الحال في طهران عام 1979م عندما سقط أحد أعتى العروش الملكية الحاكمة في المنطقة، فقد استطاعت الثورة الإسلامية إسقاط نظام الشاه وتم نفيه إلى خارج البلاد ولم تستطع القوى الأجنبية والهالة التي حوله تجنيبه ذلك المصير المحتوم، وبلا شك أن سقوط هذه النظم الملكية الثلاثة الكبرى قدمت دلالات مهمة ودروسا بليغة أن الاعتماد على القوى الأجنبية لم يوفر حماية لتلك الأنظمة، وأن الابتعاد عن الشعوب وقضاياها الوطنية وانتشار الفساد والطبقية ورهن الإرادة الوطنية للخارج لن توفر مخرجا آمنا إذا ما حانت لحظة الحقيقة.
كذلك التاريخ يذكرنا بإحدى الميليشيات التي قاتلت مع العدو الصهيوني في جنوب لبنان حيث قامت ميليشيا جيش لبنان الجنوبي بأدوار مشينة بالإنابة عن “إسرائيل” في قتال قوى المقاومة اللبنانية والفلسطينية، وعند انسحاب “إسرائيل” عام 2000م ودون تنسيق مسبق مع جيش “لحد” تركته لمواجهة مصيره المحتوم، ولا شك هناك الكثير من الأحداث والدروس قدمها التاريخ تتشابه إلى حد بعيد عما يحدث الآن في التاريخ العربي المعاصر.
ولا شك أن التاريخ يعيد نفسه دائما، فإذا كانت تلك الأنظمة السابقة نجت وتجاوزت مصيرها المحتوم، فإن هذه الأنظمة التي تتواءم مع قوى الاستعمار ومشاريعه في المنطقة اليوم قد تتجنب مثل تلك المآلات، ولكن التاريخ يثبت دائما أن الارتماء في أحضان الخارج والتواؤم مع مشاريعه لن ينجي أي نظام في العالم من مواجهة مصيره، وما على التاريخ إلا التذكير، وما أبلغ دروسه!! اللهم فاشهد.

إلى الأعلى