الخميس 23 مايو 2019 م - ١٧ رمضان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / شيطنة الفلسطينيين

شيطنة الفلسطينيين

د.احمد مصطفى

هناك حملة تجري منذ فترة، وتسبق قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب نقل السفارة الأميركية لدى إسرائيل إلى القدس وحتى قبل بدء الحديث عما تسمى “صفقة القرن” التي يعمل عليها صهر ترامب جارد كوشنر، تستهدف شيطنة الفلسطينيين وتحميلهم مسبقا تبعات أي فشل في تسوية الصراع في فلسطين. وليس القصد هنا اتهام الضحية بما يستحقه الجلاد، فهذا يحدث منذ عقود وربما من بداية احتلال الصهاينة لفلسطين قبل قرن من الزمن، وإنما الهدف هو القضاء على أي تعاطف عربي مع محنة شعب عربي محتل ومشرد ويتعرض للقتل واغتصاب حقوقه باطراد يوميا حتى الآن. وفي هذا السياق، ربما لا تفعل إدارة ترامب أكثر كثيرا مما فعلته الإدارات الأميركية السابقة بلا استثناء وكذلك حكومات الدول الغربية جميعا تقريبا. والفارق الوحيد هو “صراحة” إدارة ترامب الشديدة إلى حد عدم اهتمامها ببعض “المحسنات البديعية” التي يستخدمها آخرون في الغرب من باب النفاق مثل التصريح بعدم قانونية التوسع في الاستيطان أو شبه الاعتراض على قتل الفلسطينيين وهدم منازلهم، وتجوعيهم حتى الموت أو التشرد ولو بالقول الشائع “نطالب الطرفين بضبط النفس”.
كل ما تفعله إدارة ترامب هو أنها لا تنافق، فتخرج القدس من أي مفاوضات محتملة، وتعطي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو شيكا على بياض ليصادر أراضي الفلسطينيين ويمنع عنهم أموال الضرائب (وقد أوقفت أميركا أيضا دعم وكالات الأمم المتحدة الإنسانية التي تتولى شؤون اللاجئين الفلسطينيين، ومنعت كافة المساعدات لمن هم تحت الاحتلال الإسرائيلي). وكما نقل عن كوشنر خلال جولته الأخيرة في المنطقة فإن هدف الصفقة التي يعمل عليها هو إنهاء الصراع تماما (بمعنى ألا تصبح هناك قضية فلسطينية من الأساس) بتمويل مشروعات تمكن إسرائيل من التخلص من مشكلة “السكان” غير اليهود فيها إلى الأبد. وهذا هو ما يقصده ترامب وصهره بالتعامل “مع الواقع في 2019″، أي أنه لا معنى للحديث عن مبادلة بين العرب وإسرائيل أو استخدام أوراق فقدت قيمتها مثل الاعتراف بالدولة اليهودية (هكذا أصبحت قانونا: دولة دينية عنصرية) والتطبيع معها مقابل أي حقوق للفلسطينيين أو تخفيف قيود الاحتلال ووقف توسعه.
يتطلب ذلك الانتقال إلى مرحلة جديدة من الوعي بين العرب كلهم، وربما المسلمين أيضا، تتجاوز ما تحقق في العقود الأخيرة. فبعد اتفاقات السلام الإسرائيلية مع مصر والأردن واتفاق أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية حدث تحول مهم في المنطقة، إذ لم يعد هناك “صراع عربي ـ إسرائيلي” بالمعنى الذي تربت عليه أجيال مثل جيلي، وانحصر الأمر في “قضية فلسطينية” تحظى ربما بتعاطف شعبي عربي وإسلامي. وهكذا أصبح الصراع في المنطقة “إسرائيلي ـ فلسطيني” تتخذ الدول منه موقفها على أساس مصالحها كأنما تتعامل مع احتلال أميركي لبنما مثلا. لكن ذلك ليس كافيا لترسيخ “حل نهائي” يعزز وضع إسرائيل وينهي كل ما يهدد نفوذها في المنطقة، وهذا هو ما يجري الآن من جهد مقصود يستهدف إنهاء فكرة أن هناك صراعا أو قضية من أساسه. لكن مع وجود الشعب الفلسطيني، تحت الاحتلال وفي الضفة الغربية وقطاع غزة وفي الشتات العربي وخارجه سيكون ذلك صعبا إلى حد ما. فليكن إذا الجهد موجها لتحميل الفلسطينيين تبعة ما فعلته إسرائيل بدعم أميركي وغربي على مدى عقود، وإثارة العرب والمسلمين عليهم باعتبارهم الطرف “المستمتع بلعب دور الضحية لابتزاز محيطه العربي والإسلامي”.
والحقيقة أن ذلك بدأ منذ فترة، ولم تبتكره إدارة ترامب وإنما هي تريد فقط أن تذهب به إلى مداه ليحسب لها أنها أنهت تلك البقعة السوداء في جبين البشرية. وتجد تلك الحملة جنودا، ليس فقط من بين العرب والمسلمين الذين يمالئون أميركا والغرب، بل بين الناس العاديين أيضا وربما حتى بعض الفلسطينيين الذين يستفيدون بانتهازية من تسوية مفترضة. ويعلم كل من عمل في بيئة متعددة الجنسيات العربية تلك الضغائن التي تتركز على الفلسطينيين (باعتبارهم لا وطن لهم ويريدون سلب الآخرين ما لديهم طالما لا يستطيعون استعادة وطنهم). ولعب الإعلام، والعربي منه كذلك، دورا في شيطنة الفلسطينيين الذين (باعوا أرضهم للصهاينة) أو (لم يقبلوا باتفاقات كان يمكن أن تمنحهم قدرا أكبر من فلسطين التاريخية) أو (الذين يستفيدون من وضع المساعدات والمعونات) … إلى آخر تلك التشويهات المتعمدة. وزاد من حدة ذلك بروز تنظيمات فلسطينية تقترب من الجماعات الإرهابية.
وكانت حرب العراق في الواقع القشة التي قصمت ظهر بعير ما تبقى من تضامن وتعاضد ضد الاحتلال الإسرائيلي العنصري. ثم جاءت تغييرات ما سمي “الربيع العربي” وتفاءل البعض بأن يعود التوازن للموقف من القضية الرئيسية في المنطقة، إلا أن ركوب الإخوان تلك الموجة وتركيزهم على الصبغة الدينية للصراع بخر ذلك التفاؤل. والخطر الحقيقي الآن، سواء تمت الصفقات المقترحة أم لا، أن تلك الحملات لشيطنة الفلسطينيين تحتاج لجهد مضاد لا يمكن مطالبة الفلسطينيين وحدهم بالقيام به بل يتعين علينا جميعا أن نقاومها ونتصدى لها.

إلى الأعلى