الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / رد أبي تمام على شاعر “الفيس بوك”

رد أبي تمام على شاعر “الفيس بوك”

ما هي شروط الإبداع والتلقي ؟ .. تشكو الأديبة الشابة حرية سليمان من أن أحد الشعراء وجه لها انتقادات حادة على (الفيس بوك) لما أسماه بغموض ما تكتب من روايات وقصص قصيرة، وما كنت أعرف تلك الكاتبة حتى شهور مضت، حين شرفت برئاسة لجنة الجوائز بنادي القصة، ولفت انتباهي ضمن المجموعات القصصية المشاركة في مسابقة العام الماضي، مجموعة لها عنوانها “بطعم التوت”، فاللغة تبدو في عذرية شعريتها، وكأنها رقرقة قطرات الندى على أوراق الشجر في فجر ربيعي، لكن أحيانا تتحول رقرقة الندى إلى سيول، حيث تهطل عشرات العبارات في نسق لغوي، إن لم يتشبث المتلقي بمبتدئه فقد يضل عنه خبره، فالكاتبة مدمنة تشكيل صور، وصورها موظفة، بل ترتبط جينيا بمعمارية القصة وتضفي عليها جمالا، إن تشكلت تلك الصور في عبارات رشيقة وسريعة، لكن أحيانا لا يكون الأمر كذلك، حيث تبدأ الكاتبة في بناء صورتها الشعرية مع السطر الأول من الصفحة فلا تنتهي منها إلا في منتصفها وربما بعد ذلك، وقد يشعر المتلقي بأن ما يقرأ يستعصي على مدركاته، فيصيبه الضجر فينصرف، لكن هل قارئ مثل هذا يعتد به أو يبند ضمن متلقي الإبداع الأدبي ؟
لا أخفي أن قصص حرية سليمان أرهقتني، وكثيرا ما كنت أعود إلى أول السطر مرتين وثلاثا، أكابد لأمسك بالمبتدأ وما قد يليه من جمل اعتراضية وما تظنه الكاتبة من إضاءات لفكرها إلى أن أصل إلى الخبر، لينتشي الوجدان في النهاية بلذة انسكاب الصورة المركبة بأنساقها اللغوية المفعمة بالجماليات في قراره. فهل فعلت هذا، أعني اللهث خلف سطور الكاتبة المرهقة لمقتضى وظيفتي كمقرر للجنة الجوائز، أي يعنيني تماما التدقيق في قراءة النصوص المشاركة حتى تذهب الجائزة إلى من يستحق ؟ أم أن هذا ما ينبغي أن يكون عليه حال المتلقي دائما ؟
خلال الحروب التي أثارتها قصيدة النثر، كان من ضمن السهام التي ترشق بها أنها تتسم بالغموض، حتى أن الأديب العراقي الراحل بلند الحيدري، حين التقيت به في الرياض عام 1992 ـ إن لم تخني الذاكرة ـ سألته خلال حوار أجريته معه لمجلة المنتدى الإماراتية عن شعر أدونيس فقال: إن شعر أدونيس لا يفهمه سوى أدونيس ! وقد أثارت إجابته ضجة واسعة حينها، واستشهد بها خصوم قصيدة النثر، وقالوا إن كان الأستاذ يقول عن تلميذه هذا، فماذا نقول نحن ؟!
وبالطبع كانت ثمة ردود لبعض أرباب الحداثة الشعرية لا تبدو مقنعة لجمهور منتجي الأدب ومستهلكيه، كالقول: إننا نكتب للأجيال القادمة !
إلا أن من بين ردودهم ما هو جدير بالوقوف أمامه وتأمله، بل والاعتقاد بصحته كاستشهادهم بعبارة الشاعر الفرنسي رينيه شار “إن مهمة الشاعر الكشف عن عالم يظل أبدا في حاجة إلى الكشف” أو قولهم : إن كان المبدع يعاني في إنجاز إبداعه، فعلى المتلقي أن يعاني أيضا في تلقيه.
والشاعر الذي يوجه انتقاداته للقاصة حرية سليمان بأن أعمالها صعبة وغامضة، يصل في هجومه إلى الحد الذي يفهم من سطوره على (الفيس بوك) باتهامها بأنها مشوشة الفكر، وعاجزة عن توصيل ما لديها للقارئ! وهذا ما أبرئ الكاتبة منه، المشكلة تتعلق بالمتلقي، وليس بالمبدعة، حيث ـ وكما يقول أرباب قصيدة النثر ـ لا يبذل جهدا في تلقي النص وإدراك جمالياته، وهو القارئ الذي قصده الشاعر العباسي أبو تمام حين سأله أحدهم: لماذا لا تقول مايفهم ؟، فكانت إجابته: ولماذا لا تفهم ما يقال ؟
وأظن أن أبا تمام كان يطالب سائله بأن يبذل قدرا من الجهد في الغوص فيما يقرأ ليفهم، وربما يبدو مناسبا استحضار ما قاله أدونيس عن الذائقة المستقرة، لقد تحدث مرة عما أسماه “الذائقة المستقرة”، أي الذائقة التي انحصرت في نوع مألوف من الكتابة، وأصبح من الصعب تجاوزه إلى غير المألوف أو المستحدث، وهنا تكمن معاناة كل مبدع يسعى إلى تأسيس جديد لم تألفه الذائقة بعد، فمصير ما يكتب إما التجاهل أو النقد اللاذع من قبل السواد الأعظم من المتلقين، أو قد يحتفى به باعتباره فتحا جديدا في آفاق الإبداع، لكن قلة من المتلقين التي تعاني ذائقتهم من التوتر الناجم عن ترقب الجديد! ولا أظن أن هذا المتلقي الذي يشكو من صعوبة كتابات حرية سليمان ينتمي إلى تلك القلة التي تترقب ذائقتها كل ماهو غير مألوف أو سائد، فذائقته على حد تعبير أدونيس مستقرة، تعودت على ما هو مألوف، وتسعد وتسعى إلى ما يكرس هذا الاعتيادي، فيلتهم عشرات الصفحات منه في دقائق، وهذا ما لا يصلح مع كتابات حرية سليمان، فمثلما هي عانت في الكتابة، على القارئ أن يعاني في التلقي، لكنه قارئ (فيس بوك) التأني وربما المعاناة في التلقي ليست من شيمه، إذن نحن أمام مأزق كبير جذرته الوسائط الإلكترونية الحديثة.
وأظن أن ما يطلق عليه بـ” الأدب التفاعلي” يتعرض لتغيرات جوهرية مع اعتماد الوسائل الإلكترونية الحديثة كجسر اتصال وتواصل بين المبدع والمتلقي، فإن كانت تلك الوسائط الحديثة تتكئ على قاعدة “التسهيل” ، أي سهولة حصول المتلقي على ما يريد من نصوص بضغطة زر على حاسوبه، فبمرور الوقت هذا المتلقي سيضجر من أي خطوة يبذل فيها شيئا من الجهد، فالحصول على النص كان سهلا وبالتالي تلقيه ينبغي أن يكون سهلا، والسهولة هنا تعني ألا يبذل جهدا في التفكير، أي حكي تتشكل عباراته من مبتدأ وخبر أو فعل وفاعل ومفعول بدون تقديم وتأخير وجمل اعتراضية مهما كانت أهميتها أو ما تشع به من جماليات، وبلغة مباشرة مفهومة وبدون مفردات غير متداولة بين عموم الناس، تلك هي شروط القارئ الإلكتروني للنص الذي يتلقاه في العادة، فإن لم تتوافر تلك الشروط فما أسهل أن يضغط بأنامله على الزر؛ ليحصل على نص آخر يمضي معه وقتا ممتعا على طريقة “الحواديت”.
وإذا كانت التفاعلية في الأدب تصل إلى حد مشاركة المتلقي للمبدع في كتابة النص، فتلك المشاركة قد تكون مجدية إذا كانت بين متلق جاد، مثابر، عميق الثقافة من جهة، وبين العمل الابداعي من جهة ثانية، لكن الوسائط الإلكترونية ساهمت في تخليق متلق سطحي الثقافة، عابر، سريع الضجر، فإن تفاعل مع النص فإضافاته تخصم ولا تضيف ، وهو مأزق يعاني منه الأدب، إن لم ينضح بآثاره السلبية الآن فسوف تجرفنا سيول تلك الآثار خلال عقدين أو ثلاثة. وربما دون ذلك بكثير!

محمد القصبي

إلى الأعلى