الجمعة 19 يوليو 2019 م - ١٦ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / متى ينتهي”داعش”؟

متى ينتهي”داعش”؟

كاظم الموسوي

متابع التصريحات الأخيرة لمسؤولين أميركيين أو عراقيين عن مصير “داعش” في العراق خصوصا، وفي المنطقة عموما يخرج باستنتاج أن التنظيم لم ينتهِ، وأن الأقوال السابقة عن هزيمته والقضاء عليه من المسؤولين أنفسهم أو من هو بوزنهم كانت أقوالا في شبك. وفي الواقع هي أخبار كثيرة وتحتاج إلى تدقيق وقراءة جدية، وبالرغم من كثرتها وتكرارها، فهي تكشف عن جوهرها وتفضح مصادرها وأدوارهم في صناعة التنظيم وتوظيفه والاستهداف منه، حيث يتفق كثير من المحللين السياسيين والدارسين للتنظيم أنه صناعة أجهزة مخابرات دولية، وتمويل عربي خليجي، منذ البداية أو استثمار له في ظروفه وتطورات وجوده وتعدد مسمياته وعناوينه والمهمات التي نفذها أو ما زال التعويل عليه فيها، لا سيما في التهديدات والاختراقات الأمنية والاستمرار في تشكيل بعبع متأهب وإنذار قائم، أو بالأحرى أن برنامج استخدام التنظيم متوازٍ مع المخططات الإمبريالية والصهيونية في المنطقة عموما. ولعل التصريحات الأخيرة مؤشر له أو تؤشر إلى ما سيأتي في قادم الأيام. كما أن الترابط بينها يدل عليها أو يرسم الصورة الواقعية لتجديد عنوانه أو أفعاله أو إخطاره.
آخر ما صرح به قائد القيادة العسكرية المركزية الأميركية جوزيف فوتيل، (7/3/2019) أن “مقاتلي داعش” الذين يخرجون من الباغوز في سوريا لا يزالون متطرفين، معتبرا أن انتهاء المعركة ضد التنظيم لا يزال بعيدا. وقال فوتيل خلال جلسة استماع في الكونجرس، إن “من يخرج من الباغوز لم يعلن ندمه لانضمامه لداعش”. وإن “جهود التحالف متواصلة في حرب داعش في العراق وسوريا”، وأضاف فوتيل أن «ما نشهده اليوم ليس استسلاما لتنظيم داعش كمنظمة، بل هو قرار محسوب من المتطرفين للحفاظ على سلامة أسرهم، ولكنهم في انتظار الوقت المناسب للتحرك مجددا». وقال فوتيل “إنّ المرحلة المقبلة من الصراع ستكون مع «منظمة مفككة» يختبئ قادتها ولكنها تعمل بالفعل”. وأكد “أننا سنشهد اعتداءات متدنية المستوى واغتيالات وهجمات بعبوات ناسفة”.
في كلام المسؤول العسكري الأميركي مؤشرات تدل على أن الدور الأميركي في استمرار التهديد وخطورته لم ينتهِ في مخططات الدوائر المستثمرة له أو المساهمة في بقائه ومخاطره. وهذا ما يؤكده مسؤولون عراقيون أيضا. فمثلا دعت وزارة البشمرجة في حكومة إقليم كردستان العراق إلى “التأهب لحرب جديدة مع تنظيم داعش”. حيث قال الأمين العام للوزارة الفريق جبار ياور في تصريحات على هامش حضوره ملتقى السليمانية السادس الذي انطلق يوم (2019/3/6) بمشاركة العديد من الشخصيات العالمية والعراقية: إن تنظيم داعش لا يزال موجودا من الناحية الفكرية ولا بد من حرب جديدة مع التنظيم”.
ودعا ياور الأطراف التي تناهض تنظيم داعش، إلى التأهب لحرب جديدة مع التنظيم المتشدد، مضيفا أن “داعش إذا كان قد انتهى من الناحية الميدانية والعسكرية، لا يزال موجودا من الناحية الفكرية”. وأضاف أنه “يتعين علينا نحن الأطراف المناهضة للتنظيم خوض حرب جديدة معه، وهي الحرب الفكرية، وأن نضع آلية لها مع التحالف الدولي”.
في مقارنة ما ورد في كلمات المسؤولين الرسميين يتوصل الأمر إلى أن تنظيم “داعش” الإرهابي مستمر، ولم ينتهِ، لا عسكريا ولا فكريا، وأن ما يحدث من أعمال إرهابية تتحدث عنه، وأن ما يشابه تلك الكلمات تبث بين حين وآخر تؤكد على ما سبق، أو تضع مشاركاتها في التعريف والتوضيح، الذي لم يعد مخفيا أو سريا، بل بات أكثر من معلن ومعروف لكل ذي بصر وبصيرة.
تنظيم داعش منذ إعلان اسمه هذا، عام 2013 في سوريا، وفرت له أجهزة ومؤسسات محلية ودولية كل ظروف إقامته وظهوره وديمومته. فلا يعقل أو يجهل أو يسكت عنه رغما أو رغبة، أن يحصل التنظيم على إمكانيات تقنية إلكترونية ويصدر إعلاما له وينشر أخباره وجرائمه وتنقلها عنه الفضائيات المتخادمة معه أو مع مصادره، ولا يحسب لها حساب، أو تسأل عنها وتحاسب عليها وتحاكم بسببها، لا سيما وأن المصادر معروفة والوسائل معلومة والإجراءات مع غيره مسموعة ومرئية ومقروءة بلا حدود أو قيود.
أما تمويله فالأحاديث طويلة عنه، ولكن آخر ما صدر عن مسؤول عراقي عنه يضيف صفحة إلى السجل المعروف. حيث طالب القيادي في التيار الصدري حاكم الزاملي، باسترداد 50 طنا من الذهب و400 مليون دولار من الأميركان، داعيا حكومة بغداد إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لعدم تفاقم الوضع الأمني. وذكر الزاملي (وكالات 2019/3/8) أن “عصابات داعش سرقت 50 طنا من الذهب و400 مليون دولار عندما سيطروا على عدد من المصارف والبنوك في الموصل والأنبار وصلاح الدين عند احتلالها عام 2014، مطالبا الحكومة بالضغط على الأميركان لاستردادها بعد أن سيطروا على مدينة الباغوز السورية”. وأضاف الزاملي، إن “على القوات العراقية المطالبة بالقيادات الأمنية والعسكرية الكبيرة لداعش الذين ألقت القوات الأميركية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) القبض عليهم، لافتا إلى أن أغلب تلك القيادات العراقية والأجنبية، مطلوبون للقضاء العراقي ومتورطون بدماء الأبرياء.” وأوضح، أن “ما تم تسليمه للقوات العراقية من الدواعش هم من الجرحى والمعوقين والمقاتلين المنكسرين العاجزين عن الصمود والقتال”، مشيرا إلى أن داعش ينقل مقاتليه الذين لا يمكن الاستفادة منهم في القتال مرة أخرى في العراق أو سوريا أو دولة أخرى”. ودعا الزاملي القوات الأمنية والمحققين العراقيين إلى تدقيق مستمسكات الدواعش والتحقق من أوراقهم الثبوتية حيث تم تغيير وتزوير عدد كبير من أسمائهم وألقابهم، مؤكدا أن على الحكومة العراقية اتخاذ إجراءات عاجلة لضمان عدم تفاقم الوضع الأمني.
استمرارا لما سبق، ذكرت افتتاحية صحيفة الفايننشال تايمز (2019/3/8) أن “الخلافة انتهت لكن شبح تنظيم الدولة الإسلامية لا يزال حيا”. وهو كلام بمعلومات لا خبرا، أو اعتراف مسبق واستقراء محسوب أو مطلوب. ووضحت الصحيفة “وحشية التنظيم المبنية على الذبح والاستعباد، الذي يرفضه غالبية المسلمين في العالم” وادعت أو أشارت إلى أسباب تعرف جيدا عوامل إنتاجها. وكشفت معلومات عن أن عناصر التنظيم انسحبت لشن ضربات إرهابية أو نقل عملياتها إلى بلدانها الأصلية. وذكرت الصحيفة أن الدول الغربية والمجاورة للمنطقة العربية تغافلت تأثير “داعش” في اضطراب النظام العالمي. لا سيما في تهديد العنف المسلح ومأساة موجات اللاجئين المتوجهين إلى أوروبا في 2015-2016، التي غذت بذور الشعبوية في أوروبا.
في الختام “داعش” لم ينتهِ بعد، أو أن موجات أخرى منه قادمة، وهنا لا بد من الإنذار والحذر قبل فوات الأوان.

إلى الأعلى