السبت 16 ديسمبر 2017 م - ٢٧ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / قناة السويس الجديدة .. ضربة معلم

قناة السويس الجديدة .. ضربة معلم

فوزي رمضان
صحفي مصري

” .. لا يخفى عن الجميع ما تمر به مصر من أحداث يتابعها القاصي والداني، فعندما تشتد الأزمات وتتفاقم المشاكل، لابد من البحث عن حلول ابتكارية وعن أفكار غير تقليدية، وطرح حلول واقعية للتحديات التي تعرقل التقدم. ومن هنا جاءت الفكرة الجسورة في طرح شهادات استثمار للمواطنين لتمويل حفر قناة السويس الجديدة كبديل للاقتراض من البنوك…”
ـــــــــــــــــــ
من المقبول أن نختلف في ما يصلح الوطن ويقوي وحدته، ولكن من غير المعقول أن نختلف عليه في وقت هو في أمس الحاجة إلينا خاصة الوقت الذي يتوجع فيه ويتألم وتطرح عليه بل تفرض عليه فكرة العولمة كبديل شرعي للدولة والوطن، وتحاك ضده المؤامرات لتفتيته وتحطيم مراكز قوته وبأيادٍ من الداخل صورت لها أوهامها الوطن على أنه كعكة يجب الظفر بأكبر نصيب منها، ولا بأس في سبيل ذلك من التعاون مع الخارج المتربص.
ولا يخفى عن الجميع ما تمر به مصر من أحداث يتابعها القاصي والداني، فعندما تشتد الأزمات وتتفاقم المشاكل، لابد من البحث عن حلول ابتكارية وعن أفكار غير تقليدية، وطرح حلول واقعية للتحديات التي تعرقل التقدم. ومن هنا جاءت الفكرة الجسورة في طرح شهادات استثمار للمواطنين لتمويل حفر قناة السويس الجديدة كبديل للاقتراض من البنوك وابتزازاتها وتبعات قروضها التي لا تنتهي. واسمحوا لي وقبل الخوض في الموضوع أن نعود قليلا للتاريخ، فخلال الفترة ما بين حفر القناة عام 1859 وإلى الآن ذكريات مريرة، حيث سيق الفلاحون من أرياف مصر قسرا بالكرابيج والسياط تلسع ظهورهم في قوافل الموت لحفر القناة، وكانت أجسادهم تغمر في الماء والطين، ورؤوسهم تذوب في لهيب الشمس، وأبدانهم تعتصر من شدة ألم الجوع والعطش لعشر سنوات كاملة استغرقها حفر القناة من أبريل 1859م وحتى نوفمبر 1869م، وبحوالي مليون عامل بدون أجر وبالسخرة، مات خلال تلك السنوات أكثر من 400 ألف مصري من الجوع والأوبئة، وقد بلغت تكلفة الحفر 20 مليون جنيه استرليني من دم الشعب المصري حتى تصبح القناة أهم مجرى مائي تمر منه 40% من حاويات وسفن العالم.
ومن هنا لا بد أن نقف ونسأل: ماذا تعني قناة السويس لمصريين حفروها بالسخرة و”الكرابيج” وذاقوا المرار، وانقض عليهم عدوان ثلاثي غاشم من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل أخذ يدمر القناة بمدنها الثلاث ويشرد أبناءها في أول نزوح جماعي في تاريخ المصريين ذلك عندما أعلن الزعيم جمال عبدالناصر تأميم القناة لتكون شركة مساهمة مصرية يستفيد بخيرها المصريون.
وليس هذا فقط، بل سالت دماء أبنائهم واختلطت جثثهم بمياه القناة عندما عبروها وحرروها من دنس الاحتلال الإسرائيلي واستشهد منهم الآلاف، وحتى الآن لم يخلُ بيت مصري إلا وكان من أجداده شهيد أو معوق.
واليوم يأتي زعيم آخر يعيد للأذهان ملحمة قناة السويس وأسطورة كفاح المصريين على طول العهود، وما بين السخرة والسياط و”الكرابيج” يأتي اليوم ليفتح أبناء هذا الشعب أذرعهم وخزائنهم وصدورهم تلبية لنداء الوطن تملأ نفوسهم العزة والكرامة يزحفون جمعًا وفرادى ليخطوا سطرا جديدا في تاريخ عظمتهم وفخرهم وشرفهم وكبريائهم ليتواصلوا مع أجدادهم ويعلنوا لهم: “إنا لحافظون لمجدكم، وإنا لمكملون لبطولاتكم”، ويعلنونها ملحمة جديدة.
ومن هنا أيضا، لابد أن يتضح كيف كان المصريون في أمس الحاجة لمشروع كبير يجمعهم، ولأمل كبير يصبون إليه وإلى قائد وطني من أبنائه يقدر معنى تراب الوطن ومعنى أن تموت شهيدا من أجل شيء عظيم، وإلى زعيم يثقون فيه ويتطلعون معه إلى آفاق المستقبل، ومن هنا كذلك نستخلص الآتي:
أولا: إن هذا المشروع العملاق أكد بما لا يدع مجالا للشك الانتماء والوطنية وحب الوطن، وأظهر بقوة قدرة الشعب المصري على التحدي ومغالبة الصعاب، وأصاب بالضربة القاضية رهان الإعلام المسموم والمضاد والعميل على عزوف الشعب عن المشاركة في تلك الملحمة.
ثانيا: تمويل المشروع بطرح شهادات استثمار وليس أسهما كيلا تتحكم به جهة معينة، ويصبح التمويل بالكامل للمصريين بأموال مصرية وبالجنيه المصري.
ثالثا: أن يكتمل المبلغ المستهدف 60 مليار جنيه مصري في أقل من 8 أيام، يؤكد الثقة المطلقة والجارفة للقيادة الجديدة، وهذا سوف يغري على استخدام نفس الأسلوب في تمويل مشاريع كبرى مثل الطاقة والكهرباء، وتمويل الطرق الحديثة.
رابعا: إن طرح تلك الشهادات في البنوك أصاب السوق السوداء للدولار في مقتل بسبب عمليات البيع الواسعة للدولار لشراء الجنيه المصري واستثمارها في المشروع الجديد، كما استطاع استقطاب أموال كثيرة من السوق الموازية للاقتصاد المصري والتي تقدر بالمليارات في دعم المشروع.
خامسا: إن المشروع فتح مجالا واسعا للوظائف خاصة عمالة المقاولات التي تستوعب أعدادا غفيرة من الشباب الباحث عن العمل وبراتب لا يقل عن 3000 جنيه، واستوعب عددا كبيرا من العمالة المصرية النازحة من الدول العربية غير المستقرة.
سادسا: وهو الأهم، توجيه رسالة للعالم مفادها أن عجلة الاقتصاد المصري تدور مما يدعم ثقة المؤسسات المصرفية وبيوت المال العالمية للشأن الاقتصادي ويحفزهم على الاستثمار وتمويل مشاريع الخطط التنموية.
سابعا: طرح المشروع للاستثمار على النطاق العالمي لتنمية محور قناة السويس وهو المشروع الثاني الأكثر عملقة كيلا تصبح القناة فقط مجرد مجرى مائي، بل مركزا لوجستيا واستراتيجيا ومقرا للصناعات الأولية والتكميلية وصناعة خدمات السفن، مما سيحقق لمصر ـ بإذن الله ـ في المستقبل القريب دخلا لا يقل عن 100 مليار دولار سنويا.
هذا الأمل حتى ولو كان حلما من الممكن أن يقلل حالة البؤس والكآبة والقلق من نفوس المصريين والمتعلقين بقشة الأمل ليتغلبوا على حياتهم الصعبة.
وأخيرا أتوجه لأصحاب الضمائر الحية: هل هذا مشروع يُهاجم؟ وهل هذا مشروع يُهال عليه التراب؟ وهل هذا مشروع يصب عليه اللعنات بمجرد الخلاف في الرؤية بدل أن نساعد الشعب المصري على تحقيق حلمه الجميل وعلى غده المشرق؟ وأنا واثق تماما أن هناك أناسا تسبق مصالحهم معتقداتهم، في حين أن من مصلحة الجميع أن نعيش جميعا في وطن تناوبت عليه نوائب الزمان، وفي زمن عزت فيه الأوطان.

فوزي رمضان
صحفي مصري

إلى الأعلى