الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الهجرة إلى الموت!

الهجرة إلى الموت!

د. فايز رشيد

” .. في كثير من الأحيان يقدم الغرب تسهيلات كبيرة للكفاءات من الدول العربية, والتي لا تقّدر كفاءة أبنائها، فيكون مستقرهم في البلدان الأجنبية! للأسف، فإن العديد من الدول العربية أصبحت طاردةً لأبنائها. بالمعنى السياسي فالحروب والأحداث الداخلية في هذا البلد العربي أو ذاك, هي بحد ذاتها عامل مساعد على هجرة الشباب منها.”
ــــــــــــــــــــ
تعدد خلال الأسبوع الماضي, غرق قوارب المهاجرين العرب المبحرة من الشواطىء المصرية والليبية وغيرها, إلى سواحل البحر المتوسط في الدول الأوروبية. مئات الضحايا من ضمنهم: عائلات بأكملها! الجديد, ما كشفه بعض الناجين من أن المهربين قاموا بتعذيب ضحاياهم قبل الغرق على ” قارب الموت”! كما حرموهم الطعام والشراب ! 500 ضحية غرقت في مياه البحر جرّاء غرق القارب, من بينهم 300 فلسطيني أغلبهم من قطاع غزة, والباقي من السوريين وجنسيات عربية أخرى. هذا هو الحادث الثالث خلال أسبوع واحد فقط. من ناحية أخرى, ذكرت أنباء أن الشرطة في بعض المدن الأوروبية الساحلية رأت الجثث طافية فوق مياه البحر ولم تنتشلها! كما أن أحدا لم يلب استغاثات طلبها المهاجرون قبل غرق قواربهم. ما حصل يشكل مأساة إنسانية بكل معانيها.
نعم, ما جرى هو حلقة سلسلة حوادث شبيهة تجري أمام عيني العالم وبصره, فقد تصاعدت وتائر الهجرة العربية مؤخراً إلى الغرب،آلاف يجوبون البحر وبتنظيم من المهربين ينقلونهم في قوارب صغيرة،ويحمّلونها أكثر من طاقتها،فيكون الغرق نهايتها . العشرات إن لم نقل المئات من الرجال والنساء والأطفال يدفعون حياتهم في رحلة إلى المجهول. وبعد أن يدفعوا للمهربين أموالاً هي حصيلة شقاء أعمارهم! رحلة من العذابات القاسية والطويلة والمكلفة وغير المضمونة نهايتها, إن نجح الرّسو على شواطئ إحدى هذه البلدان، تجمعهم سلطاتها وتضمهم إلى أمثالهم في معسكرات وتكون العذابات والمساومة. يبقون سنوات في هذه المعسكرات الى أن تنظرسلطات البلد المعني, إعطاؤهم حق اللجوء إليها،هذا إن لم تقم بتسفيرهم إلى بلدانهم الأصيلة.
في أوروبا والدول الغربية عموماً ظهر العديد من الأحزاب القومية الشوفينية, التي تعمل على محاربة الأجانب المقيمين فيها، فكيف باللاجئين الجدد؟! أصبح من الصعوبة بمكان إعطاء الهاربين إلى هذه الدول, حق اللجوء إليها، والذي يتم تحت مبررات عديدة. في كثير من الأحيان تقوم سلطات هذه البلدان بتسهيل هجرة جنسية معينة إليها. الحالة المحددة التي نقصدها هي: تسهيل هجرة الشباب الفلسطيني سواء منهم من يعيشون في فلسطين أو الذين يقيمون في الشتات. هذه الهجرة تحديداً تتم من أجل اهدافٍ سياسية, فالذين يعيشون على الأراضي الفلسطينية يتم التسهيل لهم من أجل إفراغ فلسطين من السكان وبخاصة من العنصر الشبابي الحيوي. أما الذين يقيمون في الشتات فيأتي بهدف اقاص عدد المطالبين بحق العودة إلى الأرض الفلسطينية. لذلك فإن سفارات وقنصليات الدول الغربية في رام الله وفي العديد من العواصم في البلدان الأخرى, عربية وغيرها, تقدم التسهيلات والاغراءات للشباب الفلسطيني من أجل الهجرة. على هذه القاعدة هاجر عشرات الآلاف من فلسطينيي لبنان وفلسيطنيون من الأرض الفلسطينية وبخاصة بعد العدوان الصهيوني الأخير على القطاع وحصاره للعام الثامن على التوالي . وحتى اللحظة، فإن عشرات الآلاف من فلسطينيي سوريا تمكنوا من الوصول إلى هذه البلدان ولا يزال موسم الهجرة مستمراً.
وفي أسباب الهجرة للشباب العربي والتي أخذت تتصاعد في الآونة الأخيرة ,وبخاصة من فلسطين والعراق ولبنان وسوريا والدول العربية في شمال إفريقيا يمكن القول بداية لو كانت الأوضاع في بلدان المهاجرين مستقرة بالمعنيين الاقتصادي والسياسي وبالضرورة الاجتماعي, لما حصلت الهجرة. فالبطالة بين الخريجين وضعف الرواتب إن وجدت الوظائف, وعجزها عن تلبية أهم القضايا الحياتية للشباب, كل هذه الظروف تدفعهم إلى الهجرة. وفي كثير من الأحيان يقدم الغرب تسهيلات كبيرة للكفاءات من الدول العربية, والتي لا تقّدر كفاءة أبنائها، فيكون مستقرهم في البلدان الأجنبية! للأسف، فإن العديد من الدول العربية أصبحت طاردةً لأبنائها. بالمعنى السياسي فالحروب والأحداث الداخلية في هذا البلد العربي أو ذاك, هي بحد ذاتها عامل مساعد على هجرة الشباب منها. المسألة الأهم من كل ما سبق:هي شعور المهاجر العربي بأنه ليس ذا قيمة في بلده.من حيث : انخفاض مستوى سقف الحرية والحرمان من ممارسة الديمقراطية التي هي عامل حاسم في التقليل من الهجرة.
بالنسبة لهجرة الفلسطينيين في الشتات, فإن الاحتلال وعدوانه المتكرر هو السبب الرئيسي لدفع الشباب للهجرة, كذلك وضع العراقيل أمام العمل للفلسطيني( فمثلاً في لبنان يُحظر على الفلسطيني العمل في(72) مهنة ووظيفة)، هو بحد ذاته دعوة إلى الهجرة، ولذلك ولأسباب أخرى أيضاً فإن العديدين من الشباب والخريجيين الفلسطينيين, وعندما لا يجدون عملاً في هذه الدولة العربية أو تلك, فإنهم يُدفعون دفعاً إلى الهجرة، وبخاصة أن العائلات الفلسطينية في الشتات تعتمد في سد تكاليف متطلبات حياتها على رواتب أبنائها المتخرجين من الجامعات،فبالفعل فإن الفلسطينيين ونتيجة لظروف وأسباب كثيرة يفتقدون إلى مصادر دخل أخرى, فأيضاً التملك للفلسطيني في العديد من الدول غير مسموح به.
للأسف نتيجة للخلافات البينية العربية فإن هناك افتقاداً للتنسيق بينها فيما يتعلق بملء الوظائف التي تحتاج إليها هذه الدولة أو تلك. أيضاً فالوطن العربي غني بثرواته الكثيرة, لكن مجال التصنيع فيه قليل إلى الحد الذي يستورد فيه العالم العربي كل السلع، ولو كانت هناك خطة تصنيعية تكاملية عربية, واستيعاب للكفاءات من الأقطار الشقيقة الأخرى لما هاجر شاب عربي واحد إلى الغرب، فرغم الثروات ورغم مساحات الأرض الكثيرة والواسعة (في السودان على سبيل المثال لا الحصر) فإن الوطن العربي يعتمد على الغير في استيراد الاحتياجات الحياتية.
إن من أسباب هجرة الشباب العربي أيضاً هي التناقضات الطائفية والمذهبية والاثنية التي بدأ النفخ في كيرها مؤخراً يتزايد، فالعالم العربي وبمختلف أقطاره, لم يعرف يوماً هذه التناقضات, وفجأة احتلت سلّم الصراع, الأساسي التناحري في بلدان عربية كثيرة،إلى الحد الذي وصلت فيه إلى المرحلة الرئيسية في درجات التناقض بمعنى أنها أصبحت التناقضات الأهم في هذا البلد العربي أو ذاك, بمعزل عن أن التناقض الرئيسي هو بين العالم العربي وبين العدو الصهيوني.
كثيرة هي أسباب الهجرة ذكرنا بعض أبرزها . الحصيلة : هجرات العقول والأدمغة والكفاءات والشباب العربي إلى الغرب ! رغم الاختلاف السياسي بين أقطار النظام الرسمي العربي يمكن وضع الخطط المتكاملة التي تحد من هذه الهجرة . نعم كفانا ضحايا جرّاء الهجرة !؟

إلى الأعلى