الجمعة 19 يوليو 2019 م - ١٦ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / التذكير بآلاء الله

التذكير بآلاء الله

المفتي العام للسلطنة: ما أعظم الآيات التي تتجلى للعباد في الأنفس وفي الآفاق وتدعو الإنسان إلى التبصر في أمره
إعداد ـ علي بن صالح السليمي:
من الخطب القيّمة والمتنوعة لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة والتي ألقاها طوال سنوات ماضية .. نطرح معك ـ عزيزي القارئ ـ اليوم هذه الخطبة بعنوان:(التذكير بآلاء الله)، حيث أن من أهم معالم الفكر لدى سماحته اعتماده على المنبر في الدعوة، الذي لم يكن معهوداً في عُمان في عصور سابقة..
يستهل سماحته الخطبة بعد الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله (صلى الله عليه وسلم) قائلاً: يا عباد الله ما أغرب شأن هذا الإنسان الذي يركب موجة هذه الحياة! يتلوى عندما تلفحه ببؤسها، وينبسط عندما تصيبه بنعيمها غير لاوٍ على شيء من آيات الله البينات التي تذكره بخلقه وتبصره بمصيره، فلا يعمل لحق مبدئه لأنه لا يتفكر في مبدأه، ولا يعمل لحياة مصيره؛ لأنه لا يفكر في حياة المصير، ودعوة الحق تنبعث من أعماق نفسه ومن كلّ شيء حوله تدعوه بدعوة الحق تبارك وتعالى:(يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ) (الانفطار 6 ـ 8).
وما أجدر هذا الإنسان أن يفكر في نفسه! ويفكر في هذا الكون من حوله! الذي جعله الله سبحانه وتعالى مسرحا للاعتبار، ومنشأ للادّكار فإن الله سبحانه جعل في كل شيء خلقه آية بينة تستوقف الإنسان، وتدعوه إلى التفكر والإمعان، وتذكره بحق الله سبحانه وتعالى الذي خلقه فسواه، وأنعم عليه بما بسط له من رزق، وأفاء عليه من نعمة، كما أنها تذكره أيضا بمنقلب هذا الإنسان ومصيره، والقرآن الكريم يفتّح أبصار الناس وبصائرهم على هذه الآيات الكثيرة في الأنفس وفي الآفاق؛ خصوصا تلك الآيات التي للإنسان علاقة مباشرة بها، وحاجة ماسة إليها، فانظروا إلى قول الحق سبحانه وتعالى وهو يذكر الإنسان بخلقه وبرزقه وبمعاده، وينعى عليه ضلالته مع ذلك كله:(قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ، ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ، ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ، كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ، فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا، وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا، مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) (عبس 17 ـ 32)، ويعرّف الله سبحانه وتعالى عباده نفسه من خلال هذه الآيات البينات، فيقول الله تعالى:(اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ، وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) (إبراهيم 32 ـ 34)، ويقول ـ عزّ من قائل:(هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ، يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل 10 ـ 11).
فما أعظم هذه الآيات التي تتجلى للعباد في الأنفس وفي الآفاق! تدعو الإنسان إلى التبصر في أمره، وإلى التعلق بالله سبحانه وتعالى وحده، ويقول الله تبارك وتعالى ناعياً على الكفار الذين اتخذوا مع الله آلهة أخرى تعالى الله عما يقولون وعما يعتقدون علوّاً كبيراً، يقول سبحانه:(قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ، أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ، أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (النمل 59 ـ 64)، ويبين لنا الله سبحانه وتعالى عجز كلّ شئ عن فتح ما أغلق الله وإرسال ما قبض، يقول سبحانه وتعالى:(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ) (الملك ـ 30)، فالله سبحانه وتعالى هو الذي ينزل من السماء ماء لينبت لنا مختلف أنواع النباتات؛ وليسقينا بعد الظمأ؛ وليخرجنا من الشدة، ولو أن الله سبحانه وتعالى أمسك ماء سمائه ما كانت أي يد تستطيع أن تمتد إلى السماء فتستنزل ما أمسك الله تبارك وتعالى، كما أنه سبحانه وتعالى لو أمسك نبات أرضه لم تستطع أي يد أن تمتد إلى هذه الأرض فتستخرج ما أمسكه الله سبحانه وتعالى من نباتها، وقد جعل الله تبارك وتعالى الليل والنهار آيات لأولي الألباب، وعلى الإنسان أن يتفكر فيهما وفيما جعل الله فيهما من نعمة بالغة على هذا الإنسان، ويذكر الله سبحانه وتعالى بذلك عباده فيقول:(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (القصص 71 ـ 72)، فجدير بهذا الإنسان أن يتقي الله عزّ وجلّ، وأن يرتدع عن محارم الله، وأن يخشى بأس الله الشديد، فإنه سبحانه وتعالى يبدئ ويعيد، ويفعل في خلقه ما يريد، فاتقوا الله يا عباد الله، واعملوا بما أمركم الله سبحانه وتعالى به، وانزجروا عن كل ما نهاكم الله تبارك وتعالى عنه، واعلموا أن الله لم يشرع أحكامه إلا وفق مصلحة عباده، فهو وحده العليم بمسارب العباد ومداخلهم، وما تنطوي عليه فطرهم، وما تشتمل عليه طبائعهم (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير) (الملك ـ 14)، فيجب على العبد أن يحسن ظنه بالله سبحانه في كل ما أمره به وفي كل ما نهاه عنه، فلا يأتي شيئاً من محجورات الله لأنه لم يدرك الحكمة في نهي الله سبحانه، ولا يمتنع عن شيء من أوامر الله لأنه لم يدرك الحكمة فيما أمر الله سبحانه وتعالى، فإنه سبحانه وتعالى الحكيم الذي يتعالى فعله عن العبث، ولم يأمر خلقه إلا بما فيه مصلحتهم.
وقال: يا عباد الله اتقوا الله، واتبعوا أوامره، وانزجروا عن نواهيه، وتذكروا آياته، واعملوا بوصاياه، وانظروا في أنفسكم وفي هذه الأرض التي تستقرون عليها، فإن الله سبحانه وتعالى يقول:(وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُون) (الذاريات 20 ـ 21)، فقد جعلها الله سبحانه وتعالى مهادا، وجهزها بكل ما يحتاج إليه الإنسان في حياته هذه، وجعلها صالحة للاستقرار عليها، وأحاطها بما أحاطها به من أسباب حفظها من المخاطر الكبرى.

إلى الأعلى