الإثنين 22 أبريل 2019 م - ١٦ شعبان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / أنماط التعجب في لغة العرب وشواهدها في القرآن الكريم (2)

أنماط التعجب في لغة العرب وشواهدها في القرآن الكريم (2)

د.جمال عبد العزيز أحمد:
.. وللتعجب حتى يصاغ شروطٌ، أسهبتْ في ذكرها كتب النحو، نختصرها هنا، فيصاغ أسلوب التعجب (من كل فعل، ثلاثي، تام، متصرف، مبني للمعلوم، مثبت، قابل للتفاضل، والتفاوت، ليس الوصف منه على وزن أفعل فعلاء، فإذا تحققت الشروط جاء على وزنين قياسيين، هما:(ما أفعله!)، و(أَفْعِلْ به!)، الأول جملة اسمية، مكونة من مبتدأ وخبر، والثاني جملة فعلية، مكونة من فعل وفاعل اضطر إلى جره، وللتعجب ـ كما سلف ـ قسمان، سماعي، وقياسي، فللسماعي جمل وعبارات، وفي الأصل هو: (ما دل على التعجب عن طريق المجاز، ولم يوضع أصلا للتعجب، وإنما كان له معنى آخر، ثم نقل إلى التعجب،وهو عبارات منقولة مسموعة، لا يجوز الخروج عنها، ولا استعمال ما يقاربها، بل لابد منها).
مثال ذلك (كيف)، وشاهدها من القرآن الكريم قوله تعالى:(كيف تكفرون بالله) (فكيف وُضِعَتْ أصلا للاستفهام، ثم نُقِلَتْ منه إلى التعجب)، ومثال ذلك (سبحان الله)، وشاهدها من السنة المطهرة قوله (صلى الله عليه وسلم):(سبحان الله! إن المؤمن لا يَنْجُسُ حيّاً ولا ميتاً) فسبحان: وُضِعَتْ أصلا للتنزيه، ثم نُقِلَتْ منه إلى التعجب، فصار المتعجب يقولها عند ورود سياقها ومقامها ومجالها، ومثال ذلك قول العرب:(لله درُّ فلان)، نحو:(لله دره فارساً) (ودَرُّهُ: عمله)، والأصل: لله عملُه، ثم نُقِلَ التعبير بها إلى دائرة ومعنى التعجب، وهكذا (يا ليتني، ويا لَهُ من كذا، والله أكبر!، ويا ألله، ويا ولد يا ولد، ووَيْ، ووَيْكأنه .. ونحوها) مما هو سماعي، لا يقاس عليه، وينطق بلفظه الذي ورد عليه قديماً، وهذا النوع لم يُقَعَّد له في النحو، وإنما المقعَّد له صيغتان قياسيتان فقط.
فالقياسي هو ما يمكنك القياس عليه ووضع عباراتك وفق قوالبه مهما كثرت، فهو يقاس عليه، ويمكنك استعماله في مئات الجمل، والعبارات المؤدية للتعجب، والانبهار: وهما صيغتان فقط: (ما أَفْعَلَه!، وأَفْعِل به!)، نحو: ما أحسنَ الإيمانَ!، وأحْسِنْ بِالإيمانِ!، وما أعظم القرآن، وأعظم بالقرآن، ونحو:(قتل الإنسان ما أكفره!)، ونحو قوله تعالى:(أسمع بهم وأبصر!).
ولهذا التعجب القياسي جملة من الأحكام، نوجزها فيما يأتي، ومن خلال التمثيل والاستشهاد كذلك من القرآن الكريم أو من السنة المباركة، ومن أشعار وأمثال العرب، فالحكم الأول: أن هاتين الصيغتين لا تصاغان إلا من فعل استوفى شروطاً تسعة، هي: أن يكون فعلاً ـ وثلاثياً ـ وتامًّا (أي ليس ناقصاً، مثل: كان وكاد) ومتصرفاً، أي: ليس جامداً، مثل:(عسى، ليس، نعم، بئس، تبارك)، ومبنياً للمعلوم، وليس الوصف منه على أفعل فعلاء، ولا على وزن فعلان فعلى، وقابلاً للتفاضل أو التفاوت، ومثبتاً (غير منفي)، ولم يستغن عنه بالمصوغ من غيره، نحو (قال) من القائلة، فلا يقولون فيه: ما أقيله! استغناءً عنه بقولهم:(ما أكثر قائلته!)، ومن أمثلة على ما تحققت فيه تلك الشروط هذه الأفعال ونحوها: جمُل: نقول عند التعجب منه على الصيغتين: ما أجمل الربيع !، أجمل بالربيع!، كرُم: نقول عند التعجب منه على الصيغتين ما أكرم محمدًا!، و أكرم بمحمدٍ!، صدق: نقول عند التعجب منه على الصيغتين: ما أصدق المسلم مع الله!، وأصدق بالمسلم مع الله!، وما أجمل أن صدق المسلم مع الله!.

* جامعة القاهرة بكلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية

إلى الأعلى