الجمعة 19 يوليو 2019 م - ١٦ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن (دروس وعـبر مـن بـعـض آي السـور) (5)

شـذرات مـن هـدي القـرآن (دروس وعـبر مـن بـعـض آي السـور) (5)

ناصر بن محمد الزيدي
الحـمدلله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلـين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمـين، وعـلى آلـه وأصـحابه أجـمعـين وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد.
فـلا زال الحـديـث مـوصولاً:(دروس وعـبر مـن بـعـض أي الـسـور) يـقـول الله تعالى:(إِنَّ هَـٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ..) (الإسـراء ـ 9).
لـقـد فـضح الله تعالى الكـفـار لـما قـسمـوا الخـلـق قـسمـين، قـسمـوا خـلـق الله إلى ذكـور وإناث، ولـم يخـولهـم الله تعالى ذلك التقـسيـم، وهـو أعـلـم بخـلـقـه ذكـوراً وإنـاثـاً حـكـمة وعـلـماً، والخـلـق الـذين أرادوا أن يـسـتدركـوا عـلى الله فـيـما خـلـق، فـقـد تعـدوا طــورهـم وتعـدوا حـدودهـم وجـاروا في الـقـسمة وظـلـمـوا أنـفـسـهـم، وتصـوروا أن الانـاث أهـون وأحـقـر مـن الـذكـور، فجـعـلـوا لله ما يكـرهـون إذ جـعـلـوا لله البـنـات، واخـتـاروا لأنفـسهـم الـذكـور، وافـتـروا الـكـذب إذ جـعـلـوا الـمـلائكـة الـمـكـرمـين بنـات الله، أتجـعـلـون لله ما تـكـرهـون؟ ولـيـفـهـم الـمـرء قـوله تعالى:(أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىٰ ﴿٢١﴾ تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ) (النـجـم 21 ـ 22)، وعـلـيـه أن يـتـذكـر وليـعـلـم أن هـذه مـقـالـة العـرب في الـجـاهـلـية، ومـقـالـة كل الكـفـرة في حـق الـمـلائكـة الـكـرام بانهـم بـنات الله ، وقـد احـتج الله تعالى عـلـيـهـم بقـولـه:(وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَـٰنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ) (الـزخـرف ـ 19)، هـل كـنـتـم حـاضـرين في الـوقــت الـذي خـلـق الله فـيه الـمـلائكـة، وعـرفـتـم أنهـم إنـاث لا ذكـور؟.
وإذا كان الله يقـول بصـريـح العـبارة، أنه ما أشـهـدهـم خـلـق السـمـاوات والأرض ولا خـلـق أنفـسهـم، فـهـم ضـالـون مـضـلـون، ومـأ أشـهـد مـن هـو أفـضـلهـم في الخـلـق، ويـشهـدهـم وهـم ضـالـون مـضـلـون وإذا كان خـلـق أنـفـسهـم يخـصهـم ويـهـمهـم لأنـه مـتعـلـق بهـم قـبـل غـيرهـم، فـكـيـف يشـهـدهـم الله عـنـد ما أراد أن يخـلـق الـمـلائكـة:(مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا) (الكهـف ـ 51).
قال الله تعالى:(إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّـهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ) (النجـم ـ 23)، في هـذا التعـبـير الـذي جـاء عـلى أسـلـوب الحـصر، فـيه مـن الـروعـة بحـيـث يطـول الـوقـوف عـنـدها، لـمن أراد أن يـستجـلي بـعـض الـصـور الـبلاغـية.
ومعـنى ذلك أن الله تعالى يـقـول الـقـرآنيـهـدي إلى الـطـريـق التي هـي أقـوم الـطـرق: فـمـن ابتغـى غــير طـريـق الـقـرآن فـإنه ضـلّ وغـوى فـكل الـطـرق غـير طـريـق الـقـرآن، فـهـي طـرق تأخـذ مـن سـلـكـها واتـبعـهـا في مـتاهـات لا تـوصـله إلى الـهـدف الـذي أراده الله ونصّ عـلـيه في كـتابه الـعـزيـز، قال تعالى:(وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الأنعام ـ 153).
وهـل يـوجـد طـريـق أفـضـل وأقـوم لـحـيـاة الإنـسان مـن الـطـريـق التي مـهـدهـا الله لـعـبادة، فـالله تعالىما أنـزل حـجـته وبيانه في كـتابه، إلا لـصالح عـبـاده، ولا يـنـبـغي أن يـتـقـرب إلى الله بـغـير ما شـرعه، ولا ينـفـع الـمـرء عـنـد الله شيء إلا العـمـل الصالح، الــذي بـيـنـه الله تعالى في كـتـابه.
يـقـول الله في الحـديـث الـقــدسي:(ما تقـرب إلي عــبـدي بمـثـل ما افــرضـته عـلـيـه) نـص الحـديـث: عـن أبي هـريـرة ـ رضي الله عـنه ـ قال: قال رسـول الله (صلى الله عـلـيه وسـلم): إن الله قال:(مـن عـادى لي ولـيـاً فـقــد آذنـته بالحـرب، وما تـقـرب إليّ عـبـدي بشئ أحـب إليّ مـما افــتـرضـته عـلـيـه وما يـزال عـبـدي يـتـقـرب إليّ بالـنـوافـل حـتى أحـبـه، فإذا أحـبـبـتـه كـنـت سـمعـه الـذي يـسمـع به، وبـصـره الـذي يبـصر به، ويــده التي يبـطـش بها، ورجـله التي يمـشي بها، وإن سألـني لأعـطـيـنه، ولـئن اسـتـعـاذني لأعـيـذنه، وما تـرددت عـن شئ أنا فاعـله تـرددي عـن نـفـس الـمـؤمـن، يكـره الـمـوت وأنا أكــره مسـاءته) أخـرجه البخـاري، حـديـث رقـم:(6137، جـ 5، ص: 2384).
إذن: فالله هــو الـمـعـبـود بحـق، وغـيـره مـن الـمـعـبـودات الـتي مـا أنـزل الله بـهـا مـن سـلطـان، وعـبـادتهـا مـن دون الله لا حـقـيـقة لـهـا، ومـن الـغـريـب إن الإنـسـان هـو الـذي صـنـع تـلك الـمـعـبـودات، وإذا مـا أصـابـهـا كـسـر أو عـطـب فـهـي مـحـتـاجـة لأن يـصـلحـهـا صـانـعـها، فـكـيـف يـعـتـقـد أنـهـا تـضـر وتـنـفـع، ومـا هـي إلا مجـرد اسـم بـلا مسمى.
ولـنـضـرب مـثـلا كـنـمـوذج: لـما يـوجـد في جـميـع انحـاء الـدنـيـا شـرقها وغـربها شـمالها وجـنـوبها، مهـما اخـتـلـفـت الألـوان والأديـان سـواء، في ادغـال افـريـقـيا أو في أدغـال آسـيا، أم في مشارف أوروبا أو في أمـيركا فـكـلهـا تضـر ولا تـنـفـع.
فـمـثـلاً: يـبني أحـد مـن الـنـاس بـناء، فـيـطـلـق عـلـيه اسـم الـمقـام بـدعـوى أنه رأى النبي (صلى الله عـلـيه وسـلم) في مـنامه في مـكان مـا، فهـل جـاء النبي (صلى الله عـلـيه وسـلم) إلى ذلك الـمـكان فـقال له ابني هـنا مقـاماً؟، فـلـو كان الأمـر كـذلك، فـيا ســعــد مـن رأى النبي (صلى الله عـلـيه وسـلم) في مـنامه، ولـكـن العـجـب أن مـن أكـرمه الله ورأى النبي (صلى الله عـلـيه وسـلم) في مـنـامه، ثـم يـعـمـد فـيـبني مـقـاماً تخـلـيـداً لـذك الـمـنام الـمـبارك.
.. وللحـديث بـقـية.

إلى الأعلى