الأربعاء 19 يونيو 2019 م - ١٥ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / محنة التوبة من سوءاتنا
محنة التوبة من سوءاتنا

محنة التوبة من سوءاتنا

مر حادث الاعتداء على المصلين في مسجدين بنيوزيلندا يوم الجمعة الماضي كالصاعقة التي حلت على سماء العالم، فليس لها مبرر في أي دين، وتفتقد أي دافع إنساني أو تشجيع مجتمعي، ولهذا كان التنديد بالجريمة، والاستنكار والشجب والندب والتعزية سمة غالبة على الجميع، ومشاعر طاغية على سكان الكرة الأرضية؛ لكن ثلة من المسلمين باغتونا بتبرير الحدث الإرهابي، وتشدقت أفواههم بالقول: “هذا ما جنيناه من أفعال المسلمين الإرهابية”، وتناسوا أن المسلمين هم من يتم الاعتداء عليهم في كل مكان سواء في أوطانهم أو في بلاد المهجر.
تبريرهم أثار البغيضة والحفيظة؛ لذا أود أن أذكرهم بثلاثة مشاهد من الحوادث الإرهابية، ربما تزيل الغشاوة من على أعينهم، أو تمسح السواد الصابغ قلوبهم.
المشهد الأول: انطلقت مسيرة تاريخية ضد الإرهاب في فرنسا يوم 12/1/2015 إثر الاعتداءات التي شهدتها العاصمة باريس، وخلفت وراءها 17 قتيلا و20 جريحا، وشارك في المسيرة 50 ممثلا لدول أجنبية وعربية، وما يقارب 3.3 مليون شخص، وأشارت وزارة الداخلية الفرنسية ـ حينها ـ بأنها تعبئة “غير مسبوقة”، وقال الرئيس الفرنسي ـ في ذلك الوقت ـ فرانسوا هولاند، أمام أعضاء الحكومة في اجتماعهم بقصر الأليزيه إن “باريس هي اليوم عاصمة العالم”.
المشهد الثاني: مقتل أكثر من 50 شخصا وإصابة آخرين بجروح خطيرة في مدينة كرايستشيرش جنوب نيوزيلندا، في هجومين إرهابيين استهدفا مسجدين خلال صلاة الجمعة ـ كما أفادت السلطات النيوزيلندية ـ وأعلنت رئيسة الوزراء جاسيندا أرديرن أن منفذ الهجوم “إرهابي متطرف يميني وعنيف”، ووصفت الهجوم بأنه “عمل إرهابي”، فيما أعلن رئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون أن منفذ أحد الهجومين على مسجدين في نيوزيلندا هو أسترالي يميني متطرف.
المشهد الثالث: عبر الأسترالي برينتون تارانت مرتكب مجزرة نيوزيلندا، عن إعجابه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأطلق عليه أوصافا امتدحه بها، في بيان نشره قبل ارتكابه المجزرة بحق المسلمين، واعترف الأسترالي تارانت بأنه معادٍ للهجرة الجماعية، وقال إنه يعتبر دونالد ترامب “رمزا للهوية البيضاء المتجددة”؛ بينما أدان ترامب نفسه الحادثة، ووصف المجزرة بأنها “جريمة مروعة”، وكتب على “تويتر”: “تعازي لشعب نيوزيلندا بعد المذبحة المروعة في المساجد، لقد قتل 49 من الأبرياء بلا معنى، وأصيب الكثيرون بجروح خطيرة”، ولم يذكر ترامب في تعازيه أي مواساة للمسلمين.
ومعروف عن ترامب أن له تصريحات معادية للمسلمين المهاجرين، لا سيما أنه أطلق أوصافا عليهم، وربط بينهم وبين الجريمة والعنف، وسبق أن أقر قانونا ضد السفر والهجرة من دول إسلامية عدة، وتصريحاته سببت حوادث واعتداءات على المسلمين.
ثمة علاقة كبيرة بين المشاهد الثلاثة دون أي تدخل منا لفرض وجهة نظر، بل الأحداث وردود الأفعال عليها هي ما تحدد الملامح، فمن خلال تذكر الأحداث وقراءة ما نشر عنها حينها، فإننا نقف أمام صورة موسومة بالشريط الأسود رمزا للحداد على ما يمكن أن نسميه “التفرقة العرقية” بين المسلمين وغير المسلمين. ففي المشهد الأول حضر حوالي 50 مسؤولا منهم عرب وأجانب جنازة لضحايا حادث فرنسا تعبيرا عن حزنهم ورفضهم للحادث الإرهابي الذي وقع لضحايا مسالمين لا ذنب لهم سوى أن إرهابيا قام بتصفيتهم لاعتقاد خاطئ، أو بانتقام غير مبرر لا يقره أي دين من الأديان السماوية الثلاث، ما جعل زعماء العالم ينتفضون لتعزية فرنسا وشعبها في مصابهم الجلل.
ورغم فداحة المذبحة الإرهابية في نيوزيلندا وارتفاع قتلاها إلى ثلاثة أضعاف حادث فرنسا، إلا أن المحزن أننا لم نر ذلك الاصطفاف العالمي، خصوصا وأن الإرهابي نفذها كما لو كان يلعب إحدى ألعاب (الجيمز الحربية) ويبثها على الهواء عبر الفيسبوك ليشاهدها الملايين؛ فقط مجرد إدانة تصف الحادث بـ”المتطرف”.
ثم نفاجأ ببعض المسلمين، وكأنهم قوم سوء، يبررون ما حدث بأنه رد فعل لعمليات إرهابية سابقة قام بها مسلمون؛ رغم أن القاتل نفسه لم يقل هذا الكلام، وقال إنه نفذ الهجوم “لكي أظهر للغزاة أن أراضينا لن تكون أبدا أرضهم، ووطننا ليس وطنهم، وأنه طالما ظل الرجل الأبيض حيا، فلن يغزو أرضنا الغزاة، ولن يحلوا محلنا أبدا”، وكان تبرير الإرهابي هو المحافظة العنصرية على الجنس الأبيض، وقام بنشر بيان من 74 صفحة، وصف فيه ترامب بأنه “رمز لتفوق البيض وسيادتهم”.
ألا يكفي الإسلام ما نراه في المشهد الثالث من أعداء الإسلام، وفي صدارتهم رئيس أكبر دولة في العالم، وهو لا يخفي هذا العداء بتصريحاته وقوانينه ونشره “الإسلاموفوبيا”؟!
وأقول لهؤلاء المسلمين “يلزمكم التوبة”، فإذا كان الإسلام يحارب من غير المسلمين، فإن الخطر الأكبر فيمن نسوا أنهم مسلمون وارتدوا ثياب الحرب لينضموا لجبهة محاربة الإسلام، “فحين يغرس الإسلام الورد في أوحالهم يوصمونه بالشوك، وحين ينصرهم يخذلونه، وحين يحيهم بالسلام يوسمونه بالإرهاب”.. إن هؤلاء لا يريدون إلا أن يثبتوا لأنفسهم وللآخرين أنهم مستنيرون، وبرهان الاستنارة هو الوقوف ضد ثوابت المجتمع ومعارضة الدين.. فقط أقول لهم “اقرؤوا الأحداث قبل أن تأثموا على القول، وقبل أن تقترب الساعة وينشق القمر!”

جودة مرسي

إلى الأعلى