الأربعاء 19 يونيو 2019 م - ١٥ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / القرحة العراقية

القرحة العراقية

عادل سعد

هل أصيب المواطن العراقي بمتلازمة الفساد؟ وأنا أطرح هذا السؤال لا أنكر سطوة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهي ما زالت سارية المفعول وإن تباينت التطببقات، ولا أنكر أيضا أن حصة الأنقياء والأتقياء ونظيفي اليد وأصحاب الذمة الطاهرة من عدد سكان العراق كبيرة إلى حد ما، ولكي لا أتورط في لعبة الأرقام والزيادات والنقصان وبين نسبة عدد الرجال والنساء، وكم هوعدد الفاسدين من الفئتين، أقول إن المسألة لا تستجيب للمفهوم العددي بل إلى مواقع التأثير و(العدوى بالاقتداء)، وأقصد هنا المواطن الذي لا يتحمل أية مسؤولية وظيفية سياسية ومع ذلك أصيب بهذه المتلازمة، وإذا كان قد قيل أن ليس كل الأغطية تمنع التسرب فلي أن أقف عند هذا التهويل المتعمد في إلقاء اللوم على الحكومة فحسب بأنها سبب الخراب الأساسي، وأنها تغطي على المفسدين وأن تفعيل القوانين القضائية ما زال في مرحلة الحبو وليس المسير السريع.
هناك مواطنون عراقيون خارج المسؤولية السياسية، ولكنهم مصابون بمتلازمة الانفصام الأخلاقي الذي يضرب عميقا فيهم، إذ تجدهم لا يملون ليل نهار من كيد التهم للطواقم الحكومية على ما استشرى فيها من فساد، ولكن في الوقت نفسه لم يتورع أغلبهم من الطيران فرحا عندما تطرح عليه فرصة للدخول في مسؤولية سياسية مع طواقم يتهمها دون أية ضوابط بأنها وراء ما يجري من نهب للمال العام، وأعرف في الوسط الإعلامي والثقافي أشخاصا لا يملون من الشكوى في تحميل الحكومات على ما يجري، وكذلك يشملون الأحزاب السياسية الدينية وغيرها.
أستطيع أن أتلمس مواقفهم أسبوعيا من خلال وجودهم في سوق المتنبي شارع الكتب العراقية، وفي زوايا من مقهيي حافظ والشابندر اللذين يضمان يوم الجمعة أطيافا من المتأدبين ومروجي الإشاعات وسياسيين وأكاديميين متقاعدين وأصحاب دكاكين بضائع ثقافية، بل إن بعضهم (يتحرش) بفضائيات توجد هناك لأجل أن يظهر في لقطة معينة يتحدث فيها عن الورع ونظافة اليد وضرورة إعادة النظر بالمناهج السياسية القائمة، في حين لا يترك مناسبة لدعوة من كتلة سياسية إلا وتصدر المشهد فيها ما دامت هناك عروض تلفازية وولائم تقام بلا حساب.
أذهب أبعد لأقول إن وزارة العمل والشؤون الاجتماعية المسؤولة الآن عن صرف مرتبات للعوائل الفقيرة اكتشفت في العام الماضي على وفق بيانات رسمية أكثر من ٤٥ ألف عراقي يتقاضون هذه الرواتب وهم أعلى من سقف الفقر عشرات المرات، فقد قدموا وثائق مزورة تثبت فقرهم المزعوم، بل إن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي اكتشفت أكثر من ١٥٠٠ وثيقة مزورة أراد أصحابها الحصول على وظائف من خلالها، وبالمقابل هناك صحفيون يحتلون مناصب قيادية في الساحة الإعلامية شملوا أنفسهم بهبة نقابة الصحفيين رغم أن رواتبهم يسيل لها لعاب البعض، وهكذا تستطيع أن تكتشف متلازمة الإصابة بالفساد عراقيا في الشعور المفتوح بالاستهلاك وإلا كيف يستطيع مواطن أن يجد متعته في التجول البليه في الأسواق على أنها مفتاح للفرح والسعادة، في حين يرى فيها علماء النفس تعبيرا عن التعاسة.
والفساد أيضا وبذات (النسخة الاعتبارية) يتغلغل في مناهج مواطنين عراقيين لم يقولوا لحد الآن الحمدلله على ما هم فيه من مرتبات ومكافآت وفرص ارتزاق أخرى، هناك أساتذة ومدرسون وضباط كبار متقاعدون وأصحاب أعمال وصفقات ليس لها حدود، ولكن عندما يجلسون للحديث فليس لهم مادة إلا سيئات الحكومة والفاسدين وتقصير الحكومات المتعاقبة بعدم إزالة مدارس مبنية من الطين لحد الآن، وأتحدى كل هؤلاء إن كان واحد منهم قد تبرع بلبنة (طابوقة) بناء واحدة، لكن ألسنتهم تطول كثيرا بالهجاء لأية محاولة حكومية من شأنها أن تعيد العدل للرواتب، هم يتحدثون عن الحكوميين فحسب وكأنهم بذلك ينقلون المعركة إلى متاريس المسؤولين، في حين يتقاتلون لتحصين متاريسهم الشخصية من شظايا الاتهامات اليومية.
الخلاصة من كل ذلك، لقد أصيبت المنظومة الأخلاقية الوطنية بالتقرح، كم هو حجم هذه القرحة وإمكانية المعالجة، فهذا هو السؤال الجدير بالإضافة إلى السؤال الذي طرحته مقدما، ومن يريد المكاشفة أحيله إلى أن سقراط فضل أن يخضع إلى حكم الموت بالإعدام، وأبى أن يهرب رغم الفرصة السانحة التي توفرت له امتناعا من الإخلال بسلطة القانون.

إلى الأعلى