الجمعة 19 يوليو 2019 م - ١٦ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الشورى والتنمية (13ـ14) من أوراق المرحلة التأسيسية

الشورى والتنمية (13ـ14) من أوراق المرحلة التأسيسية

سعود بن علي الحارثي

عاشرا : مفردات المشهد الوطني في الخطاب السلطاني.
مثل المجلس الاستشاري للدولة ١٩٨١ – ١٩٩١م مرحلة مهمة من مراحل تطور مسيرة الشورى في عمان، ورغم أن المجلس كان معينا بالكامل بمرسوم سلطاني، وصلاحياته التي تنظمها لائحته الداخلية متواضعة تتمثل وفقا لنص المادة (٧) من المرسوم السلطاني ٨٤/٨١م، في إبداء الرأي في القوانين الاقتصادية والاجتماعية النافذة في السلطنة، والتوصية بما يرى المجلس تطويره منها لمواجهة ما طرأ ويطرأ من متطلبات التنمية – إبداء الرأي فيما تعرضه عليه الحكومة من سياسة عامة في مجال التنمية – اقتراح ما يرى المجلس اتخاذه من خطوات وإجراءات حكومية في المجالات الإنمائية التي لم يسبق للحكومة معالجتها – النظر فيما يواجه القطاع الخاص المشتغل في المجالين الاقتصادي والاجتماعي من اختناقات والتوصية بوسائل العلاج المناسب – إبداء الرأي في الموضوعات الأخرى التي يرى جلالة السلطان إحالتها إليه. إلا أنه – أي المجلس الاستشاري للدولة – تمكن عبر سنواته العشر من الإسهام بفاعلية في مساعدة الحكومة على تحقيق الأهداف والغايات التنموية التي تضمنتها الخطط والموازنات والبرامج السنوية والخمسية، فلجان المجلس طافت المحافظات والولايات والجبال والقرى والمناطق والتجمعات السكانية وأودية وشواطئ السلطنة والتقت بالمواطنين في جميع هذه المواقع وتعرفت على النواقص والاحتياجات واطلعت على المعيقات والتحديات – مع ما كانت تتطلبه هذه الزيارات من جهد بسبب مشقة الطرق وضعف الخدمات ووقت تستغرق فيه بعض الزيارات لأكثر من أسبوع كامل والطموحات الواسعة والتطلعات الكبيرة التي يطرحها المجتمع – وراجعت اللجان الدائمة والمؤقتة وفرق العمل عشرات التقارير وأوراق العمل والخطط والبيانات الوزارية واستضافت المسؤولين والمختصين والفنيين والأكاديميين … وعلى هدي من تلك المصادر المتعددة والمراجع الواسعة تعد دراساتها المعمقة فتضمنها عشرات الرؤى والأفكار والتوصيات التي تمثل مصدرا مهما للمخططين والمنفذين لجميع القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية، وكانت لجان المجلس واجتماعاته تظل في الكثير من الأيام في حالة انعقاد حتى ساعات المساء المتأخر، وكنا نحن موظفي الأمانة العامة مع الأعضاء واللجان نعد المحاضر والتقارير والمخاطبات وأوراق العمل ونسجل كل المناقشات داخل الاجتماعات واللقاءات المكثفة أولا بأول، وإلى جانب هذه الدراسات – التي قدمت بشأنها سلسلة المقالات قراءات مختصرة – كان المجلس الاستشاري للدولة يخوض مناقشات عميقة وحوارات متواصلة مع الوزراء في جلسات البيانات الوزارية تتمخض عنها رؤى مشتركة تصب في صالح التسريع في البناء والتنمية وتصحيح بعض المسارات. جهود وإسهامات المجلس الاستشاري لاقت الرضا والتقدير من قبل سلطان البلاد الذي لم يفوت مناسبة أو خطابا من خطابات جلالته إلا وتحدث فيها بجلاء عن هذا التقدير، ورأيت من المناسب أن أقدم عرضا في نهاية هذه السلسلة لما تضمنته كلمات جلالته – حفظه الله ورعاه – من شهادات تعبر عن متابعته المتواصلة وتقييمه الدقيق لمسيرة المجلس وأدائه، وتجسد في الوقت ذاته إيمان القائد بقيم الشورى ورؤيته المستقبلية الحكيمة في العمل على ترسيخها في نظام الحكم بالارتقاء بأداء المؤسسة البرلمانية وتطوير صلاحياتها وتفعيل مشاركتها في المجالين التشريعي والرقابي وهو ما تحقق بالفعل، وما يعتري تلك المسيرة من علل وتراجعات في مستوى الممارسة – وفقا للرؤية المجتمعية – فراجع دون شك إلى الأطراف الأخرى المباشرة، المجلس ومستوى الوعي بالمسؤولية البرلمانية التي يتحلى بها أعضاؤه واستجابة الحكومة وآليات الانتخاب واختيارات المجتمع التي تحتاج إلى المراجعة والتقييم والتطوير والإصلاح وتكثيف الوعي … كما أن العودة إلى تلك الخطابات يقدم صورة عن اهتمامات وتطلعات ورؤية السلطان وكيف كان – أيده الله – يضع المحاور المناسبة التي تمثل خطة عمل سنوية للحكومة والمجلس الاستشاري للدولة، وتعطينا اليوم قراءة عن مدى التزام الحكومة بتوجيهات جلالته من عدمه، كما أن معظم شباب الوطن وجيل الحاضر لم يدركوا تلك المرحلة أو أنهم عايشوها وهم في مرحلة الطفولة بعد، ومن المناسب أن نلقي الضوء عليها ليحيطوا علما ببعض تفاصيلها وأحداثها وكيف كانت البدايات وما هي الاهتمامات؟ ومفردات المشهد الوطني التي عرضت لها الخطابات السامية في حينها، وما تضمنته من جوانب ومسائل وأمور حيوية ترتبط بمسارات التنمية وما يحقق نهضة الوطن وتقدمه ومصالح وازدهار ورخاء المجتمع، وبأن معظم ما يطرح اليوم حول العديد من الملفات الوطنية ضمنها جلالته كلماته السامية وأشبعها المجلس الاستشاري بحثا ونقاشا في دراساته وتوصياته قبل أكثر من ثلاثة عقود، كما نتمنى ان تسهم هذه العودة إلى الماضي القريب والقراءة الموجزة في الإسراع في تحقيق أهداف الخطط والبرامج والرؤى التنموية خصوصا في مجالات التنويع وتوفير فرص العمل وتحفيز السوق وتطوير التعليم وتعظيم حقوق المواطن … في افتتاح أعمال المجلس الاستشاري للدولة في الثالث من نوفمبر ١٩٨١م أكد الخطاب السامي على الغاية من إنشاء مؤسسة للشورى وهي استمرارا: (لسياستنا الرامية إلى إتاحة قدر أكبر من المشاركة للمواطنين في الجهود التي تبذلها الحكومة تنفيذا لخططها الاقتصادية والاجتماعية على نحو يؤدي إلى إبراز وتضافر طاقات وقدرات أبناء بلدنا الحبيب…)، وهنا يؤكد جلالة السلطان المعظم بأن السياسة العمانية تأخذ بمبدأ المشاركة المجتمعية عبر مؤسسة الشورى في تنفيذ الخطط وتحقيق متطلبات التنمية، ففي هذا الخطاب الأول الموجه إلى أعضاء المجلس الاستشاري وأعضاء الحكومة على السواء يحدد جلالة السلطان آلية العمل السليمة الرامية إلى أخذ (رغبات وحاجات المواطنين بعين الاعتبار في رسم سياستنا الوطنية في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، ولكي يكون المجلس أيضا مجالا حيويا للتفاعل والتكامل بين الآراء، والتعاون التام بين الحكومة والمواطنين فيما نحن بصدده من مهام وواجبات المرحلة الراهنة من مراحل التنمية). إذن المواطن هو هدف التنمية، وجميع مؤسسات الدولة ملزمة بأخذ رغباته وتحقيق تطلعاته عبر التعاون والتفاعل والتكامل والتنسيق بين مؤسسات الدولة، هذه هي الأسس والقواعد التي بني عليها العمل التنموي كما رسمها وأرادها جلالة عاهل البلاد المفدى .
في أول تقييم لجلالته على أداء المجلس يؤكد الخطاب في السادس عشر من نوفمبر ١٩٨٣ بمناسبة افتتاح الفترة الثانية على أن المجلس (بذل منذ افتتاحه وعلى مدى عامين نشاطا ملموسا في تناوله لمجالات اقتصادية واجتماعية عديدة، وأظهر حرصا على التوصل إلى مقترحات مفيدة تساهم في دعم الجهود الإنمائية القائمة في كل من هذه المجالات .. وتقديرا منا لهذا النشاط ولأهمية التعاون بين القطاعين الحكومي والأهلي، فقد أصدرنا أوامرنا إلى الوزراء المعنيين للإدلاء ببياناتهم في دورات انعقاد المجلس. وإيضاح طبيعة الجهود التي تقوم بها وزاراتهم والتي تعتزم القيام بها في إطار خططنا الإنمائية لتبادل الآراء حولها من خلال نقاش موضوعي هادف يخدم المصلحة العامة…)، إذن وفي لفتة جديرة بالانتباه، وما أن قدر جلالته بأن مؤسسة الشورى كانت على مستوى المسؤولية وساهمت في تحقيق المصلحة الوطنية بوعي واقتدار، حتى أصدر أوامره إلى الحكومة بالتنسيق والتعاون معها وتعزيز دورها وصلاحياتها، وهو ما يجب أن يدركه مجلس الشورى اليوم. في الرابع من يناير ١٩٨٦م بمناسبة افتتاح الفترة الثالثة للمجلس يؤكد جلالة السلطان المعظم على تقديره (لما قدمه مجلسكم خلال فترته الثانية من جهود أسهمت في دعم مسيرة التنمية وإيجاد الحلول المناسبة لتوفير احتياجات بعض المناطق من المشاريع الإنمائية، فضلا عن اهتمامه ببحث إمكانية وضع برامج بعيدة المدى لتطوير بعض القطاعات الإنتاجية وتحسين مستوى الأداء في مرافق الخدمات، وذلك كله من خلال دراسات موضوعية جادة أجراها المجلس وتوصل في ضوئها إلى مقترحات وتوصيات بناءة ومفيدة أوليناها عناية تامة واعتمدناها للتنفيذ انطلاقا من حرصنا على تمكين المجلس من الإسهام برأيه ومشورته …)، تقدير رفيع لمؤسسة الشورى وشهادة يفتخر بها رؤساء المجلس الاستشاري للدولة وأعضائه تؤكد على إيمان جلالته بتوسيع دائرة المشاركة في صناعة التنمية واتخاذ القرار الوطني. في مكان آخر من الخطاب يبارك جلالته ويشجع(الحوار الإيجابي الذي يجري بين أعضاء المجلس والوزراء المسؤولين عن قطاعات التنمية باعتباره ظاهرة صحية تعكس نضج التجربة…). في محور مهم من محاور الخطاب يوجه جلالته حكومته والمجلس الاستشاري للدولة بأهمية بذل الجهود الحثيثة لـ(تدعيم نهضتنا وتطوير إنجازاتها وتكثيف سعينا الدؤوب لبناء قدراتنا الذاتية وذلك ضمن خططنا المستقبلية التي نعتزم الأخذ فيها بسياسة توجه التركيز والاهتمام لتنمية مواردنا الاقتصادية بما يخفف الاعتماد على النفط ويساهم في مواجهة تقلبات السوق النفطية وسلبيات الركود الاقتصادي العالمي، لتتوفر لاقتصادنا الوطني وباستمرار القدرة على إنجاز مشاريع جديدة تحمل إلى شعبنا المزيد من الخير والرخاء …). ٤ يناير ١٩٨٦م، مضى على الخطاب ٣٢ عاما، فما أشبه اليوم بالبارحة، ولا أشك أن الرسالة واضحة وجلية. في الفترة الخامسة والأخيرة من فترات المجلس الاستشاري للدولة 9 يناير 1988م، استعرض خطاب جلالة السلطان عددا من المحاور الوطنية المهمة، فبعد أن عبر الخطاب عن ارتياح جلالته (للتقدم الذي أحرزته تجربتنا في مجال الشورى، ونؤكد اهتمامنا بتدعيمها على أساس من قيمنا الإسلامية وتقاليدنا العمانية العريقة…)، أكد على أن (العالم يعيش مرحلة التحديات الكبيرة التي تواجه المجتمع الدولي بأسره نتيجة لعدم استقرار الأوضاع الاقتصادية العالمية وضغوطها المستمرة على مختلف الدول، وإن ذلك ليتطلب درجات الوعي بطبيعة هذه التحديات وضرورة التعامل معها بمرونة تحد من تأثيراتها السلبية وتوفر قوة الدفع اللازمة للاستمرار في برامجنا الإنمائية)، واليوم بعد أكثر من ثلاثة عقود على خطاب جلالته يعيش العالم تحديات أكبر وضغوطا أكثر تشابكا وتعقيدا مما كانت عليه بكثير، فهل أعددنا العدة لها؟ وهل جعلنا من خطاب جلالته خطة عمل لتحقيق رؤيته السديدة واستشرافه العميق للمستقبل؟ في محور آخر يعنى بالعمل على إنجاح سياسات التنويع، وفي توجيه عملي يسعى لتحقيق الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي لمواجهة التحديات الخارجية التي نعاني منها اليوم ودروسها البليغة ماثلة للعيان تحكي بلسان فصيح لا جدال على مآربه وغاياته (لقد أعلنا هذا العام عاما للزراعة انطلاقا من إيماننا بضرورة بذل مزيد من الجهود لتطوير هذا القطاع وفقا لأساليب علمية وواقعية تأخذ بعين الاعتبار الاهتمام بالمحاصيل التقليدية وغيرها من المحاصيل التي تجود زراعتها في بلادنا وتساعد على تحقيق أكبر قدر ممكن من الاكتفاء الذاتي في المنتجات الغذائية … وإعادة النظر في النظام الحالي للتسويق الزراعي بما يخدم المزارع والمستهلك، والاستمرار فيما تقدمه الحكومة من دعم لحفز المواطنين على زيادة الإنتاج وجودته…)، وفي قطاع آخر مهم يتضمن الخطاب ما يلي (وفي قطاع الأسماك وإدراكا منا لأهمية تضافر الجهود للاستفادة بهذه الثروة الاقتصادية الطبيعية التي أنعم الله بها علينا فإننا قد أخذنا خطوة جديدة بإنشاء شركة الأسماك العمانية، واعتمدنا في إنشائها أسلوبا يقوم على مشاركة المواطنين فيها بأوفى نصيب…)، وهنا أضع هذا الجزء من الخطاب لعناية وزارة الزراعة والثروة السمكية بالأخص، متسائلا: هل بذلت كل إمكاناتها بتفانٍ وإخلاص لتحقيق رؤية وتعليمات وتوجيهات جلالة السلطان؟ في محور آخر لا يزال ملفه يتصدر المشهد الوطني وتعقيداته تتشابك وتتطور عاما إثر عام، يؤكد الخطاب على (ضرورة تكثيف جهودنا في هذه المجالات كلها فإننا نولي اهتماما خاصا لوضع أسس جديدة تنظم تشغيل القوى الوطنية العاملة في القطاعات الأهلية والحكومية، بكل ما يتطلبه ذلك من إحلالها تدريجيا محل العمالة الوافدة وتطوير سياسات التعليم والتدريب والخدمة المدنية، فضلا عن وضع ضوابط تقصر الاستعانة بالعمالة الأجنبية في حدود المتطلبات الضرورية منها وفي حالة عدم توفرها محليا…). أتمنى أن أكون قد وفقت في تقديم قراءة مختصرة لمرحلة مهمة من مراحل نهضة عمان الحديثة من خلال رصد ما تضمنته كلمات جلالة السلطان المعظم ـ أعزه الله ـ من محاور وطنية ودراسات مجلس الشورى ودورها في الإسهام في البناء والتنمية، وأن تكون الرسالة قد وصلت.

Saud2002h@hotmail.com

إلى الأعلى