الإثنين 22 أبريل 2019 م - ١٦ شعبان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / من مشهد الضباب الإرهابي والتطرف … عمان تخرج صفر داعش

من مشهد الضباب الإرهابي والتطرف … عمان تخرج صفر داعش

مسعود الحضرمي

بكلمات بسيطة يمكننا استهلال مقالنا، لنجعل القارئ مهما كانت درجة ثقافته السياسية والاقتصادية يتلمس عموم الأسباب التي كانت بمثابة السد المنيع الذي تصدى للزحف الإرهابي وأرجعه أدراجه بعيدا عن سلطنتنا الحبيبة، نعم: “عصر النهضة الذي بدأ مع عهد جلالة السلطان قابوس المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ تمحور بشكل جذري في إعادة هيكلة النظام السياسي وفق المصلحة الاقتصادية، ما مكن السلطنة من تحقيق الاستقرار على المستويين الداخلي والخارجي، بتطوير اقتصادها وتوجيه كل إمكاناتها لتطويره وتدعيمه، وهي بذلك تكون قد حققت الاستقرار الداخلي الناجم عن زيادة ثقة الشعب بالحكومة وبالحاكم، وانغماسه في المشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية التي ما من شك أنها جنبت السلطنة ويلات الصراعات الداخلية واحتمالية الإصابة في ضعف أركانها، مما جعلها عصية على القوى الخارجية الطامعة أو الهجمات الإرهابية التي تهدد أمن واستقرار المجتمع الوطني بأكمله”.
تلك هي العموم، لكن باقترابنا أكثر من الدوائر المكونة لمحيط السلطنة، والذي ينقسم بين الداخلي والخارجي، نجد المعادلة الصعبة في الزمن الأصعب قد توازنت، بعبارة أخرى، منحتنا نهضة جلالة السلطان قابوس استقرارا اقتصاديا تبعه الاستقرار السياسي، الذي انعكس بدوره على حماية الأرض والتفاف الشعب حول الحاكم ولاءً وانتماءً وعهدا.
لقد ثبتت أركان الدولة في وجه كل المحاولات حتى وإن بدت على استحياء ولا تجرؤ الاكتمال، لكنها مثلت تخوفا معينا لدى العمانيين، غير أن السلطنة استطاعت بتماسك أبنائها وحكمة قائدها اجتياز جميع المخاوف، وإعادة الاستقرار، ورغم كل ما حل بالمنطقة العربية من ظلام داعش وقبلها القاعدة، بقيت عمان بعيدا عن ضبابية الإرهاب والتطرف والحروب الطائفية التي طوقت المنطقة العربية من شرقها إلى غربها ولم تذر وراءها إلا رماد الانقسامات وتراكمات الكراهية للإسلام لدى الغرب.
فما سر المناعة العمانية ضد فيروس الإرهاب والتطرف والطائفية رغم اقترابه الشديد من حدودها على مختلف الجهات؟ وما الأسباب التي حالت دون نجاح قيادات تنظيمات إرهابية في تجنيد عمانيين رغم نجاح تلك القيادات في استقطاب عرب كثر من المنطقة؟ ولماذا تكرر الفشل مع تنظيم داعش في تجنيد أي مواطن عماني في صفوفه، بالرغم من أنه استطاع وبقوة أن يضم مقاتلين ومؤيدين له من مختلف الدول العربية وغير العربية أيضا؟ كيف خرجت عمان من المشهد هذا بصفر داعش؟؟
الإجابة المنظورة تكمن في عوامل عدة دينية وسياسية واجتماعية، كلها اتّحدت وأسهمت في بقاء السلطنة بعيدا عن دائرة الصراع الطائفي وفضاؤها لا يشوبه ضبابية الإرهاب، فأما العامل الديني، فقد أهدى غالبية أهل عمان بحالة من التسامح والتعايش السلمي والإقرار بوجود الآخر، ورفض التطرف بكل أشكاله، ولا عجب في ذلك، ولسنا هنا للمدح، بل لبيان طبيعة أهل الغبيراء الحذرة وحرصهم دوما على التنبيه من التشدد في الرأي والتطرف في الموقف، ولعل قائلا يسأل معقبا: ما كل أهل عمان من معتنقي مذهب واحد.. فهناك الإباضية، والسنة والشيعة، فكيف إذن استمرت السلطنة في تفردها بصفرية الإرهاب؟ والجواب هنا يكشفه السياسات التنموية التي تبناها وأمر بتنفيذها جلالة سلطاننا المعظم في جعل التعليم متاحا للجميع، ذكورا وإناثا، إيمانا من قائدنا بأن خير وسيلة لمحاربة التطرف هو التسلح بالعلم والمعرفة لكل فرد من أفراد المجتمع العماني.
لم تقف رسالته جلالته ـ أيده الله ـ عند هذا التوجه، بل فتح الأبواب أمام السياسات التعليمية والتنويرية في كل من المدارس والمساجد، فأما المدارس فقد تبنت المؤسسات التربوية العمانية فكرة التعايش والتسامح لتعليم الأطفال التعايش والمحبة والتسامح والسلام، وأن كل العمانيين إخوة لا فرق بين أحد منهم، فالمجتمع العماني يشهد تعددا وتنوعا في الأصول والثقافات جعلت هذا البلد متميزا في تكويناته وتركيباته المجتمعية والثقافية من غير تعدٍّ أو نصرة لجماعة دون الأخرى، في حين تشهد المساجد العمانية ظاهرة فريدة لم يسبق لها مثيل في عالمنا العربي، إذ تفتح المساجد أبوابها أمام المصلين باختلاف طوائفهم للصلاة المشتركة، ولكل منهم حرية الصلاة بطريقته وعلى مذهبه، فكيف يمكن بعد ذلك أن تستطيع بذرة تطرف ولو واحدة الانغراس في أرض عمان؟
وإن كانت تلك بعض الملامح العامة التي منهجت الاستقرار والصفرية الإرهابية داخليا، فالسياسة الخارجية التي تبنتها السلطنة منذ عام 1970، بثوابتها ومبادئها التي لم ولن تتغير أو تتبدل أو تتلون بتلون المشهد الخارجي، إنما جعلت من السلطنة طرفا يدعو للسلام ونبذ الخلافات والصراعات، والنأي بالنفس عن الشؤون الداخلية لأي من أطراف الصراع أو المشكلة أيا كانت، وأن تبقى في الجانب الحيادي دون ميل أو انحياز مع تقديم المبادرات التي تكفل الحل السلمي، وتجنب العالم الصراع والتأزم المفضي للدمار وزعزعة الاستقرار، ولعل المشهد السياسي يحفل بالكثير من تلك المحاولات المخلصة والحكيمة التي يشهدها التاريخ لعمان ولو كره المشككون.
إن التوازن الاقتصادي والسياسي الممزوج بالتنمية المجتمعية المبنية بدورها على الاحترام المتبادل والتعايش السلمي والتسامح، كلها شكلت خطوط دفاع قوية حصنت بها السلطنة ضد الإرهاب وموجاته غير المحسوبة وغير ذات الأجل، في ظل الحكمة والتوجهات الحكيمة التي نستظل بها من قائد مسيرتنا، ذلك الذي أدرك ما يحدق بالأمة من أخطار ونبه إليها وحذر مرارا من المد الإرهابي وانتشار العنف واتساع رقعة الصراع والخلافات، مشددا في كثير من المواقف والأحداث والمراحل السياسية على ضرورة الالتفات إلى العدو الحقيقي لنا والاجتماع على موقف واحد، والعمل على تنمية واستنباط الطاقات البشرية والإبداعية لأبناء أمتنا بدلا من تركهم يواجهون مصيرا مظلما في نفق الإرهاب الذي لن ينتهي بهم إلا لظلمات أكبر، حفظ الله السلطنة قائدا وحكومة وشعبا من كل مكروه.

إلى الأعلى