الجمعة 19 أبريل 2019 م - ١٣ شعبان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / حارس القوم أرفعهم شهادة وتعليما

حارس القوم أرفعهم شهادة وتعليما

محمد بن سعيد الفطيسي

تعتز بها أمثلة حاضرة تضرب على قيم المثابرة والكفاح والصبر والنضال، أشخاص من واقعنا الذي نعيشه ونعايشه كل يوم، نماذج رائعة تعبر عن الطموح والبذل والرغبة في التواجد على قمة هرم التعليم وليس قاع الجهل، نفتخر بهم ونفاخر لأنهم يستحقون منا كل الاحترام والتقدير، نضرب بهم الأمثلة على ذلك لأبنائنا وأحفادنا، فنعم الرجال هم، ونعم من تفخر بهم أوطانهم.
شخص رائع أعرفه شخصيا، تجاوز من العمر الأربعين، لديه كل شيء تقريبا من متطلبات الحياة في هذه السن والتي (ربما) يعتقد البعض أنها يمكن أن تكون سببا من الأسباب التي قد لا تشجع على مواصلة الدراسة، وقد استمعت شخصيا لمثل هذه الشماعات والقناعات من العديد من الأشخاص، فلديه منزل، متزوج، لديه أبناء بعضهم يعمل، لديه مركبة. فما الذي يحتاج إليه ليواصل بسببه الدراسة الجامعية، ويدفع تلك المبالغ الطائلة؟! وأقصد بذلك ما هي الحاجة والدافع الذي يمكن أن يجعله يرغب في مواصلة دراسته الجامعية بعد امتلاكه لكل تلك الأشياء؟!
طبعا ربما يقول قائل إن هناك من الأمثلة المشابهة له الكثير، وربما أكبر منه في السن وأكثر منه في تعقيدات الظروف، وربما تملك أكثر مما يملك، ولكنها كذلك أي تلك الأمثلة لم تقف عند التعليم الثانوي وواصلت دراستها الجامعية، وأقول: نعم، هو وهم كذلك، وكلهم أمثلة ونماذج وطنية نعتز بها، لأنهم مثال رائع حاضر على الرغبة والتصميم على الوصول إلى أرفع المنازل الاجتماعية على اعتبار أن الشهادة هي واجهة كذلك للشخص في مجتمعه، ويكفي لأمثالهم فخر التعليم ومنزلته في الآخرة والأولى.
ربما استلف من أحد، أو من بنك ليواصل دراسته الجامعية، ربما صرف ما جمعه طيلة سنوات عمره التي تنقل فيها من عمل إلى آخر لتحقيق ذلك الهدف السامي، وها هو اليوم وبعد أن كان يحمل شهادة الثانوية العامة، أصبح على مسافة قليلة جدا من حصوله على شهادة جامعية عليا (الماجستير في القانون).
إنه حارس القوم كما يقال. وأصفه كذلك لأنه بالفعل يعمل حارسا في مدرسة من مدارس السلطنة الغالية. حارسا يحمل من الشهادات العلمية ما ارتفع بها بعد كل تلك السنوات من الكفاح والبذل على إخوة وأصدقاء له، (في تلك المدرسة أقصد التي هو حارس عليها)، وربما يكون وأقول ربما يكون هو المثال الوحيد والجميل في نطاق جغرافي معين (حارس مدرسة يحمل شهادة دراسات عليا), وما يثلج الصدر ويفرح النفس أنه زاد في عيونهم مكانة واحتراما ورفعة، وله ولهم الحق في ذلك.
إنه مثال وطني حاضر على قيم مفتقدة ـ للأسف الشديد ـ في بعض أجيالنا الراهنة و(لا نعمم طبعا)، مثال على التوكل على الله وعدم ربط الشهادة بالوظيفة، مثال على الرغبة في كسر حاجز من حواجز النفس المتضعضعة العاجزة المتكاسلة التي تضع العقبات لنفسها قبل أن تتقدم خطوة، كالقول بأن الحصول على الشهادة الجامعية لها حدود سنية أو مالية أو اجتماعية أو مستويات فكرية. مثال رائع يؤكد على أن الإنسان عليه أن يتعلم ويدرس ويترك الباقي على الله عز وجل، فالرزق الناتج عن الشهادة متكفل به الله، وأن على الإنسان أن يقدم ما عليه والباقي متروك للرزاق.
وهي رسالة أيضا للجهات المعنية في بلدنا الغالي. إن الإنسان الذي درس واجتهد وحصل على الشهادة مهما كان مستواها بحاجة إلى الدعم والوقوف معه، وهو بحاجة إلى تيسير سبل حصوله على ناتج تعبه وسنوات بذله وسهره، أقصد العمل طبعا، أو أن يكون في المكان المناسب الذي يستحقه. فكيف بهذا المثال الرائع الذي يفترض أن يكون المحفز والدافع لجيل يبحث عن القدوة والمثال الحي من جهة، وللتأكيد له ولأمثاله وللأجيال القائمة والقادمة أن بذلهم واجتهادهم لن يذهب أدراج الرياح بإذن الله تعالى.
أختم هذا الطرح بما قاله الإمام الشافعي رحمه الله:(اِصبِر عَلى مُرِّ الجَفا مِن مُعَلِّمٍ، فَإِنَّ رُسوبَ العِلمِ في نَفَراتِهِ، وَمَن لَم يَذُق مُرَّ التَعَلُّمِ ساعَةً، تَذَرَّعَ ذُلَّ الجَهلِ طولَ حَياتِهِ، وَمَن فاتَهُ التَعليمُ وَقتَ شَبابِهِ فَكَبِّر عَلَيهِ أَربَعاً لِوَفاتِهِ، وَذاتُ الفَتى وَاللَهِ بِالعِلمِ وَالتُقى، إِذا لَم يَكونا لا اِعتِبارَ لِذاتِهِ).
ملاحظة: هذه الشخصية وأمثالها يستحقون منا كل التقدير والاحترام، وإن كان من مثال يضرب على قيم البذل والاجتهاد فهم ذلك المثال الوطني الرائع. فبارك الله لكم وقتكم وعمركم ورفع قدركم، ونفع بكم وطنكم.

إلى الأعلى