الجمعة 19 يوليو 2019 م - ١٦ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : شكرا جاسيندا أرديرن

باختصار : شكرا جاسيندا أرديرن

زهير ماجد

المرأة التي ضمدت جروح مسلمي نيوزيلندا يهددها سفاح ما بالقتل .. بل لأنها استحقت الشكر من العالم على قدراتها الفذة في معالجة قضية شائكة، وجريمة لا يمكن أن تغتفر، ثمة من يلاحقها.
إنها جاسيندا أرديرن رئيسة وزراء نيوزيلندا التي قدمت أنسنة وحضنا لأناس قتلهم سفاح بعقل بارد .. وقفت تلك المرأة الهادئة الملتزمة بحسها الإنساني، مثل أي بطل في تاريخ الإنقاذ .. لعبت دورا يشبه الأم التي ترعى أطفالها وتحتضنهم خوفا من ذئب قادم لافتراسهم.
ليس هنالك من كلام يقال في حضرة تلك المسؤولة سوى الشكر على تلك الرعاية المؤنسة التي مهما قيل فيها، فقد لا تكفي من كلمات ومن عبارات .. فهي نموذج لعالم سمح، لامرأة هجمت على الشر كي تحمي آخرين .. لحنان أم أشعرتها الجريمة بفقدان أبئائها.
أرديرن أصغر حاكمة في العالم، (37 عاما) أثبتت كفاءة عالية في مقاربة جريمة معقدة مع كل وضوحها .. خمسون مسلما سقطوا برصاص لم يتوقف، كان غزيرا مثلما هي زخات المطر، وكان حاقدا كأنما هؤلاء البسطاء الآمنون يتحملون مسؤولية ما .. هو عقله الإرهابي قبل أن تتحول يداه إلى مفرمة للبشر .. وهو الذي سجل في لائحة الإجرام أبشع ما اقترفه الإنسان خلال العقود الماضية.
صحيح أن هنالك شبها بين جريمته وجريمة اليهودي في مدينة الخليل الذي دخل بالطريقة ذاتها إلى أحد المساجد وقام بقتل مسلمين بعقل بارد .. ما زال دمهم يحتل ذاكرتي كأنما لا يريد المفارقة ببساطة .. شريران تخرجا من مدرسة واحدة .. حتى الوحشية لها قوانينها، وكذلك الإجرام، أما السفاح النيوزيلندي فقد اختار أن يسجل اسمه كأكبر قاتل في التاريخ الإنساني.
سوف يظل اسم المرأة المسؤولة رئيسة الوزراء أرديرن في سجل الخالدين .. فقد اعتمدت على مشاركة هذا الجزء من شعبها بكل أريحية حرصها على أنه شعبها في حقيقته .. لم تنظر إلى ديانتهم ولا ماذا يمثلون، وهم في الأساس لجأوا إلى بلادها طمعا بالاستقرار وبحثا عن أمل ضائع في ديارهم التي تركوها وراءهم .. تعرف أرديرن أنهم لم يقرروا المجيء إلى بلادها دلعا أو رغبة في السياحة الطويلة، بقدر ما جاؤوا من عذاب لم يتحملوه .. وكلنا نعرف صعوبة ترك مسقط الرأس والوطن، بل استحالة الغربة المؤلمة التي لا يريدها أي إنسان على وجه الأرض .. لكنهم أبناء قهر لم يتمكنوا من تحمله، فكان قرارهم تلك الدولة لما لها أوصاف الهدوء والرحمة في معالجة أمورهم. لكنهم لم يكونوا ليعرفوا ماذا ينتظرهم في وطن الهدوء، بل في بلد بعيد عن ذاكرة المجرمين ومن يفكر بالإجرام ومن لديه حس القتل والتطرف .. اختاروا نيوزيلندا وفي داخلهم أمل العيش بسلام وأمان، بل وللحظة التي وقعت فيها الجريمة، كان المسجد هادئا وكانت تمتمات الشفاه المتضرعة لله تعالى مسموعة تماما.
شكرا إذن لرئيسة الوزراء أرديرن التي عرفت كيف تدير أزمة بهذا الحجم الخطير .. فقد تحول أبناء الجالية المسلمة إلى أولاد لها، حولت كلا منهم عزيزا على قلبها، احتضنتهم بكل الرفق الإنساني، أودعت فيهم الأمان بعدم تكرار الجريمة وأنهم في بلدهم وعليهم شعور الأمان.
هكذا يكون المسؤول إنسانا .. بمثل هذا النموذج يصبح للعالم قيمة ومنفعة.

إلى الأعلى