الإثنين 22 أبريل 2019 م - ١٦ شعبان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / “الحريم” في أعين الرحالة

“الحريم” في أعين الرحالة

د. محمد الدعمي

“الحريم” هو لفظ عربي كان قد أستعير في نصوص أدبيات الاستشراق، Harem، منذ بواكير أنشطته، جزءا من المنظومة الفكرية الغربية الناقدة والمقاومة للإسلام، بضمن حملة التشويه المعتمدة منذ العصر الوسيط لمهاجمة المسلمين ولتشويه تقاليدهم خاصة.
وقد وظّف كتّاب النثر الخياليون والشعراء الرومانسيون هذا اللفظ (وهالة المعاني المحيطة به) بكثافة لافتة، خصوصا بعد توسيع دلالاته الأصل بمبالغة متعمدة وبهدف إشاعة وترويج مفاهيم خاطئة وتمثيلات ملتوية كانت قد استقرت في قعر العقل الغربي لقرون قبل أن تصل إلينا (نقادا للاستشراق) الآن لنرصدها ونحلل تحويراتها وأغراضها. وما دام اللفظ قد أدخل الإنجليزية (من بين سواها من اللغات الأوروبية) بما شابه من الدلالات السلبية، فقد تم توظيفه على نحو عام لتأشير ما عدّه الغربيون الوضع المتدني للنساء المسلمات اللائي صورن كضحايا، تحت طائلة ما يسمى بـــ”مؤسسة” تعدد الزوجات، إن اعتمدنا اللفظ “مؤسسة” أعلاه في هذا السياق، كما فعلوا. لذا، ينظم هذا اللفظ (أي مؤسسة) إلى جهد رسم صورة مشوهة لحياة المسلمين ولنظامهم الاجتماعي والأسري. لا ريب، في أن لفظ “مؤسسة” أعلاه قد وظف لدعم الميل الفكري الاستشراقي للحط من قيمة الشرق العربي الإسلامي، وللإساءة إلى مجتمعاته؛ علما أنه ذات الميل الذي التصق بعدد من الصيغ اللفظية أو “الكليشيهات”، صيغا جاذبة للقارئ الأوروبي، خصوصا عندما يلاحظ هذا القارئ الدلالات “المضخمة” بالتشويه لهذا النوع من الألفاظ المستعارة من العربية وهي تحرف الصورة وليّ دلالاتها عبر إثقالها بالمزيد الذي حُمل اللفظ به (تعسفا) في الثقافة الغربية عبر مرور الزمن.
هذه هي الحال التي أدت إلى تشكيل الصورة المسيئة من الناحية العملية، ليس فقط للمرأة المسلمة، معزولةً ومعذبةً، ولكن كذلك لتصويرهم وجودها “المحجّم الصغير” الطافي على سطح نظام عائلي واجتماعي ضاغط وخانق، نظام بدا لهم “ظالما” ومحطا من كرامتها وإنسانيتها، بسبب انحيازه لصالح ذكور الأسرة كالأب والأخ والزوج والابن. إن أي استعراض، مهما كان سريعا واعتباطيا، لتاريخ التأريخ الغربي للإسلام، بوصفه دينا متأخر الظهور نسبيا، (مقارنة باليهودية والمسيحية)، لا بد أن يلاحظ أنه قد عومل كنوع من التحدي، خصوصا وأن مثل هذا الاستعراض للتواريخ الاستشراقية المقصودة لا يخفق في تبيان الكيفية التي ثبتت فكرة “الحريم”، محرفةً، بموجبها جزءا لا يتجزأ من كل جهد تأملي أو وصفي عام يخص العرب والمسلمين منذ بداية هذا النوع من الأنشطة عبر العصر الوسيط، حيث عمدت أدبيات الاستشراق إلى الإقلال من شأن المسلمين بوصفهم “محمديين” عمدا، كناية عن عدهم مجرد أتباع لبطل تاريخي معين، وليس لدين سماوي.
ونظرا لأن “الحريم”، مفهوما، قد اكتسب قيمته المفهومية السلبية الموسعة عبر الزمن، فإنه راح يوّلد انطباعا سلبيا في دواخل العقل الغربي حال سماعه، مستثيرا قائمة مطولة مما أشيع بأنها ممارسات “إسلامية” فقط، والإسلام منها براء. لذا تقفز ممارسات من نمط تعدد الزوجات والطلاق واتخاذ الخليلات وضرب الزوجات وعزلهن عامة في جناح خاص بهن إلى عقل الإنسان الغربي تلقائيا لحظة سماع لفظ “حريم”. ومن ناحية أخرى، يكتسب هذا اللفظ دلالة سلبية إضافية لأنه يوحي بالصورة النمطية، لعالم شرقي فالت من الزمن، ولكنه عالم طاف على بحر من الملذات الجسدية والحسية، أي تلك الملذات المنسابة بلا عائق ولا إشباع يرتجى عبر عالم حسي مسكون بالطغاة والمخنثين والمأبونين والمحظيات، من بين سواهم من النماذج البشرية الشاذة التي شاغلت الخيال الغربي وألهبته مذ أن ترجم كتاب (ألف ليلة وليلة)، الأكثر شهرة هناك بعنوان (الليالي العربية) The Arabian Nights إلى اللغات الأوروبية قبل قرون.

إلى الأعلى