الإثنين 22 أبريل 2019 م - ١٦ شعبان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / شراع: الجولان والعبث الأميركي باستقرار المنطقة

شراع: الجولان والعبث الأميركي باستقرار المنطقة

خميس التوبي

لم يكن مثيرًا للدهشة ما دعا إليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن الوقت قد حان للاعتراف بسيادة كيان الاحتلال الإسرائيلي على هضبة الجولان السوري المحتل، فالولايات المتحدة بقيادة إدارتها الجمهورية الحالية وعلى رأس هرمها دونالد ترامب لديها قراءتها الحقيقية لواقع المنطقة المتغير تمامًا لغير صالحها ولصالح خصومها، وإن بدا لغيرها أنها لا تزال تمسك بجميع خيوط اللعبة، وأنها لا تزال قابضة المنطقة من عنقها.
لا أحد يجادل أن ما سمي زورًا بـ”الربيع العربي” قد تقهقر أمام الحصن السوري، بل إن عجلات جحافله قد تحطمت أمام أسواره، وتمزقت فلول تنظيماته الإرهابية التي أطلق عليها زورًا وبهتانًا تارة اسم “ثوار” وتارة أخرى اسم “معارضة”، فمن أمام الحصن السوري وأسواره بدأت عملية التغيير، حيث أذن الصمود السوري الأسطوري بالانتقال إلى الضفة الأخرى، وهي ضفة الهجوم بعد فترة مكوث في ضفة الدفاع دامت لسنوات، وقد عزز ضفة الهجوم التدخل الروسي العسكري، إيذانًا ببدء العالم دخول مرحلة جديدة عنوانها “تعدد القطبية”، ومعلنًا الطلاق البائن للأحادية القطبية.
تجاه هذا الواقع الجديد، باتت الولايات المتحدة ـ ومعها حليفها الاستراتيجي في المنطقة ونعني به كيان الاحتلال الإسرائيلي ـ تدرك أن ما ظلت مطابخها الاستخبارية تعده من وجبات سامة لتدمر بها المنطقة لتأمين بقاء حليفها الاستراتيجي وتنصيبه شرطيًّا عليها، وتمزيق دولها وتقسيمها إلى كانتونات طائفية، بما يسمح مد أذرع مشروع الاحتلال الإسرائيلي في جميع أنحاء المنطقة، قد سقط كل ذلك أو يكاد بالضربة القاضية التي وجهتها سوريا وحلفاؤها إلى المخطط الإرهابي بعنوانه العريض والفضفاض والمسمى زورًا “الربيع العربي”؛ حيث أضحى المحور المقابل (وهو محور المقاومة) يسجل نقاط التقدم في مواجهة المحور المعادي (وهو محور التآمر والعدوان ودعم الإرهاب)، ويحرق أوراق قوته واحدة تلو الأخرى.
وكما هو ثابت ومعلوم، فإن الهدف مما سمي بـ”الربيع العربي” هو تمكين كيان الاحتلال الإسرائيلي وتأمين بقائه، وتصفية القضية الفلسطينية، وإسقاط الدول التي تمثل تهديدًا لمشروع الاحتلال الإسرائيلي والاستعمار الامبريالي الداعم له، والتي تدعم الشعب الفلسطيني ومقاومته، على النحو الماثل في العراق وليبيا وسوريا واليمن وغيرها، حيث رهان محور التآمر والعدوان ـ ولا يزال ـ على الإرهاب التكفيري والمرتزقة والعملاء الذين ربتهم الاستخبارات الصهيو ـ أميركية والغربية وبعض الإقليمية لتحقيق هدف “الربيع العربي”، وكذلك الرهان على هؤلاء المرتزقة والعملاء ليس في تمزيق سوريا وتدميرها وتقسيمها فحسب، وإنما في تقديم الجولان السوري المحتل هدية ومكافأة لكيان الاحتلال الإسرائيلي، ولا تزال الذاكرة حافلة بالمواقف التي أطلقها مجموعة من العملاء والخونة والمرتزقة حول وضع الجولان السوري المحتل، عارضين تسليمها مكافأة وثمنًا لكيان الاحتلال الإسرائيلي مقابل تدخله عسكريًّا لتدمير سوريا عن بكرة أبيها.
غير أن كل تلك الأحلام والأهداف والمشاريع الاستعمارية أصبحت هشيمًا تذروه رياح الصمود والإرادة والكرامة والكبرياء لدى الشعب السوري وجيشه وقيادته وحلفائهم المخلصين، لذا ليس باستطاعة الولايات المتحدة أن تعطي ما لا تملكه (هضبة الجولان السوري المحتل) لمن لا يستحقه (حليفها الاستراتيجي).. فالمتغيرات الميدانية والسياسية لم تعد مواتية، فمن ناضل حوالي ثماني سنين ضد الامبريالية والاستعمار والاحتلال ودفع دمه رخيصًا من أجل أرضه وعرضه وكرامته لن يتنازل عن ما ناضل من أجله.
على أن الأهم في سياق الرطانة الأميركية بشأن الجولان السوري المحتل، وعند وضعها في سياقاتها السياسية وربطها بمسارات الأحداث والتطورات، نجد أن الولايات المتحدة تاريخيًّا أيدت القرارات ذات العلاقة بالجولان السوري المحتل، ورفضت السيادة الإسرائيلية على الهضبة، ولكن ما الذي تغير حتى تبدل واشنطن مواقفها على لسان ترامب حول وضع الجولان السوري المحتل؟
صحيح أن إطلاق ترامب لهذيانه ومعه السيناتور ليندسي جراهام قد يكون القصد منه قياس ردات الفعل عربيًّا ودوليًّا، إلا أن عند إسقاط هذه المواقف الأميركية نجد أنها لا تخلو من حسابات داخلية وإسرائيلية. فعلى الصعيد الداخلي، تزامن موقف ترامب ودعوته إلى الاعتراف بسيادة كيان الاحتلال الإسرائيلي على هضبة الجولان السوري المحتل مع إنهاء المدعي الأميركي الخاص روبرت مولر تحقيقه حول مزاعم تدخل روسيا الاتحادية في الانتخابات الأميركية وسلم تقريره النهائي إلى وزير العدل الأميركي وليام بار، وبالتالي فإن إعلان ترامب حول الجولان السوري المحتل هو رسالة سياسية للوبي الصهيوني لدعمه في هذا الملف (أي ملف التدخل الروسي لصالحه) مقابل دعم ترامب وإدارته لحليفه وحليف بلاده بنيامين نتنياهو في سباق الانتخابات الرئاسية والهروب من الملاحقات القضائية بتهم الفساد والرشوة. كما تزامنت دعوة ترامب مع عقد اللوبي الصهيوني “أيباك” مؤتمره السنوي؛ لذلك يبقى اللعب بالنار والعبث بالمنطقة واستقرارها جزءًا من اللعبة السياسية والمصالح الاستراتيجية لدى كل من الولايات المتحدة وحليفها كيان الاحتلال الإسرائيلي، مع يقينهما بأن العالم قد تغير، والحضور الأميركي بقوته العسكرية ليس كما كان، والاعتماد على الكيانات الذيلية والتنظيمات الإرهابية لن يغير من المعادلة شيئًا.

إلى الأعلى