الأربعاء 19 يونيو 2019 م - ١٥ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / السلطنة .. خالية من “الدواعش”

السلطنة .. خالية من “الدواعش”

محمد عبد الصادق

حديث معالي يوسف بن علوي الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية في محاضرته التي ألقاها مؤخرا أمام النادي الثقافي, والذي أكد فيه خلو السلطنة من متبني الفكر الداعشي ـ فجر قضايا جديرة بالبحث والنقاش؛ حيث أكد معاليه أنه لا يستطيع أحد الزعم أن بعمان شخصا من الدواعش, كما أكد انتشار نمط جديد من التطرف والشعبوية شبيه بفكر “داعش” يهدد أمن العالم، وأن “تنظيم داعش” إذا كان هُزم عسكريا لكن ينبغي التخلص منه فكريا، وأكد معاليه أن هناك ضرورة لتعاون دولي لحل قضايا الإرهاب بكافة أشكاله: الفكري والمسلح والاقتصادي, يتزامن هذا الحديث مع الإعلان عن هزيمة “داعش” في آخر معاقله على الأراضي السورية والخشية من انتقال فلوله إلى مناطق أخرى من العالم، وفي الوقت الذي يتصاعد التطرف اليميني ضد الإسلام والمسلمين في أميركا والدول الغربية.
إذا كنا جادين في مكافحة التطرف والقضاء على الإرهاب، علينا التوقف مليا أمام تجربة السلطنة؛ كونها من الدول العربية القليلة التي لم يتورط أحد مواطنيها في الانضمام إلى هذه التنظيمات المتطرفة، رغم انزلاق مواطني دول مجاورة، ربما تكون أكثر دخلا وثراء، ما ينفي العامل الاقتصادي كسبب في ظهور “داعش”، ويجعلنا نفتش عن أسباب أخرى لها علاقة بطبيعة التفكير والتربية والبنية السياسية والتركيبة الاجتماعية التي يمكنها دفع الشباب إلى اعتناق الفكر المتطرف أو تحصنهم وتعطيهم مناعة في مواجهة الفهم الخاطئ لأحكام الشرع، والتفسير المجتزئ للنصوص الدينية.
والسلطنة مثال حي للتعايش السلمي وقبول الآخر، فعلى أرضها انصهرت المذاهب وذابت الفرق وتلاشت النعرات القبلية واختفت الطائفية، وحل محلها الانتماء وحب الوطن في ظل دولة أسسها رجل سبق عصره وأخلص في عطائه لبلده وشعبه .. دولة عصرية حديثة عمادها العدل والمساواة واحترام حقوق الإنسان .. وإعلاء قيم المواطنة .. دولة تحترم القانون ويقف أمامه الجميع سواء دون النظر لدينهم أو لونهم أو عرقهم أو منزلتهم الاجتماعية .. إنه جلالة السلطان قابوس المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ الذي أتاه الله رؤية صائبة وبصيرة نافذة، جعلته يدرك مبكرا ما ينتظر المنطقة من تحديات، جراء التراخي في مواجهة الجهل والتخلف الحضاري والظلم الاجتماعي، فحرص على أن يكون التعليم هو الركيزة الأساسية لمشروعه النهضوي، وجعله متاحا لجميع العمانيين وأنشأ المدارس والجامعات لتنير كافة ربوع عمان، حتى صارت السلطنة أكثر دول المنطقة إنفاقا وتطويرا للتعليم.
كما يحسب للسلطنة نجاحها في تحقيق التوازن بين الأمن السياسي والأمن الاجتماعي لمواطنيها، بوجود جهاز أمني يقظ .. فعال على درجة عالية من التدريب والتأهيل .. مزود بأحدث التقنيات والتكنولوجيا المتقدمة؛ لتأمين الجبهة الداخلية والسيطرة على المنافذ البحرية والبرية والجوية للسلطنة .. جهاز قادر على التعامل مع حروب الجيل الرابع، التي تهدد أمن واستقرار الدول وتفوق خطورتها الحروب التقليدية التي تعتمد على الجيوش النظامية والأسلحة التقليدية، بينما الحروب الحديثة تعتمد على الإنترنت وثورة المعلومات والاتصالات، وتشنها دول وجماعات ومنظمات تستهدف الدولة الوطنية، وتسعى لهدم الأنظمة وتفكيك الدول عن طريق ضرب جبهتها الداخلية، وتهديد السلم الأهلي؛ بزرع الفتن وبث الشائعات ونشر الكراهية وتمزيق النسيج الاجتماعي، وإحداث الوقيعة بين أبناء الوطن الواحد وإفساد العلاقة بين الحكام وأفراد الشعب، مستغلين منصات التواصل الاجتماعي، لبث سمومهم وأفكارهم الهدامة في عقول الشباب والمراهقين، رافعين شعارات براقة ظاهرها نصرة الإسلام والدفاع عن المستضعفين، وحقيقتها التحريض على العنف والتخريب وتشكيك الشباب في الثوابت الوطنية، والتمرد على العادات والتقاليد التي تربينا عليها.
عمان خالية من الدواعش .. إنجاز يرجع الفضل فيه لوعي الشعب العماني الذي وقف سدا منيعا في مواجهة محاولات الاختراق والغزو الفكري الوافد تحت عباءة الدين .. هذا الشعب المحب للحياة، المنفتح على العالم، المشتبك مع الثقافات المختلفة والمتعددة، ولكنه حافظ على هويته الوطنية التي يميزها الاعتدال والوسطية والنأي عن الغلو والاستقطاب، المتمسك بدينه وعقيدته، دون التعرض لأصحاب الديانات الأخرى، فعلى أرض عمان يعيش قرابة مليوني وافد من مختلف الجنسيات والأديان، كفلت لهم السلطنة حرية العبادة، وسمحت لهم ببناء الكنائس والمعابد دون تدخل أو تضييق.

إلى الأعلى