الأربعاء 19 يونيو 2019 م - ١٥ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / المستهدفون في الأرض
المستهدفون في الأرض

المستهدفون في الأرض

الهجوم الإرهابي الذي وقع في نيوزيلندا بأحد المساجد يوم الجمعة الماضي، وخلف وراءه عشرات المسلمين الذين كانوا يؤدون صلاة الجمعة، لم يكن مصادفة، ولم يقم به شخص مختل، ولم تكن نيوزيلندا دولة حاضنة للإرهاب، لكن في نفس الوقت يمكن استنتاج عدد من المؤشرات.
بات الإرهاب صناعة وعملة ظل عالمية يمكن صرفها في أي مجتمع وداخل أي دولة، وتسارع وتيرة اختراق الإرهاب للدول يواكب طفرة التطور التكنولوجي وانفتاح العالم على مصراعيه، فأصبح الحصول على السلاح أمرا يسيرا، وتمكن أفراد وجماعات خارجين عن القانون من مجابهة القوى الأمنية النظامية، بل والتدرب على العمليات الإرهابية وتنفيذ “بروفات” لها، واستكشاف سبب نقاط القوة في العملية وبيان نقاط الضعف.
في العام الماضي وقع حادث مشابه في أحد مساجد سيناء بمصر، ونقلت وسائل الإعلام عن شهود عيان وناجين من العملية الإرهابية أن منفذي الجريمة كانوا شبه مدربين، ومحترفين في استخدام السلاح، وأعلن تنظيم داعش الإرهابي مسؤوليته عن الحادث، وفي خضم الضجيج الإعلامي كانت الاتهامات المباشرة للإسلام والإسقاطات على الدول العربية والإسلامية تتوالى من الغرب، برغم سمو رسالة الإسلام وانفتاحها على كافة المجتمعات والأديان، وبرغم جهود الدول العربية والإسلامية في مكافحة التطرف والإرهاب، فحسر الغرب الإسلام ودوله في نطاق ضيق للدفاع عن أنفسهم، وتقديم دلائل مقنعة ـ حسب أهواء الغرب ـ على نبذ العنف.
في حادث نيوزيلندا وقف الجميع أمام عمل أكثر تنظيما من حادثة سيناء، فالجاني فرد يحوز أسلحة متطورة، ويبدو أنه قام بدراسة المسجد جيدا، بدليل تنظيم عمليات الدخول والتنفيذ والانسحاب بعد أداء المهمة، كما يبدو أيضا أن هناك رغبة لتوثيق العملية؛ لذلك قام بتركيب كاميرا على رأسه قام من خلالها بعملية بث مباشر على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”، ما يستدعي القول بأن هناك أشخاصا أو جهة أو تنظيما تقف خلفه وتدعمه، كما أن وقوع المسجد في منطقة نائية وفي نفس الوقت يضم عددا كبيرا من المصلين كانت نقطة قوة استراتيجية استخدمها الإرهابيون في مصر، واستكمل إرهابي نيوزيلندا السير على نفس النهج.
بين الحادثتين اختلاف نوعي بسيط، فبخلاف نقطة التوثيق التي ذكرتها؛ هناك أيضا رسائل صريحة للعملية، هذه الرسائل ظهرت من خلال الكلمات والعبارات المكتوبة على السلاح المستخدم، والذي نشره القاتل عبر حسابه في “فيس بوك”، إذ إنه يطمح إلى العودة إلى القسطنطينية، وصب جام غضبه على الفتوحات الإسلامية في أوروبا والتي قادها الأتراك في عهد الدولة العثمانية؛ لكن من نقاط ضعفها ـ بحسب وجهة نظري ـ أنها تزامنت مع القصف الإسرائيلي لقطاع غزة المحتلة.
رغم أن السلطات الأمنية في نيوزيلندا ألقت القبض علي الإرهابي وبدأت في محاكمته؛ إلا أنه لا يمكن الخروج من المنعطف الكبير إلى مسار فرعي، فالمستهدف في كلتا الحالتين مسلمون عزل يؤدون فريضة الله في بيته، كما بات جليا أن في الغرب من يستهدف المسلمين، سواء كان المسلم جانيا أو مجنيا عليه، فصناعة تنظيم إرهابي في المنطقة ونعته بـ”الإسلامي” هو استهداف ممنهج للمنطقة، وتقديم المسلمين ضحايا للعمليات الإرهابية في كل دول العالم يستوجب وقفة جادة من الأمم المتحدة، عليها أن تقدم تعريفا واضحا شاملا للإهاب، سواء إرهاب الأفراد أو إرهاب التنظيمات أو إرهاب الدولة، فالعالم بأجمعه يعرف مكمن العنصرية، والجميع يدركون “اللوبي” الذي يوجه السياسات في دول عظمى، وينفق الأموال لخدمة أهدافه، وكل يوم تضع الإمبريالية التوسعية يدها على أراضٍ جديدة.
نحن بحاجة لاستغلال الحادثة الاستغلال الأمثل لتحريك المجتمع الدولي، وإيقاظه من غفوته، خصوصا في ظل حالة التعاطف الكبيرة من شعوب العالم مع هذ الحادث.. أعتقد لو تم صياغة تعريف أممي للإرهاب، سيسهم بشكل كبير في حل القضية الأولى للعرب، وهي القضية الفلسطينية.

د. أسامة نور الدين

إلى الأعلى