الأربعاء 19 يونيو 2019 م - ١٥ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / كفرناحوم .. السينما تبكي وجع الطفولة وقسوة الاغتراب
كفرناحوم .. السينما تبكي وجع الطفولة وقسوة الاغتراب

كفرناحوم .. السينما تبكي وجع الطفولة وقسوة الاغتراب

طارق سرحان

لم تكن معركة المخرجة والممثلة اللبنانية نادين لبكي أبدا سهلة في حفل توزيع جوائز الأوسكار بدورتها الـ91 أواخر الشهر الماضي، حينما رشح فيلمها “كفرناحوم” لنيل جائزة أفضل فيلم أجنبي.ورغم أن القدر لم يسعفها بالفوز بالجائزة، إلاأنها ربحت قلوب الملايين الذين رفعوا لها القبعة ولصغيرها “زين”، بطل العمل الذي حمل جزءا كبيرا منه على أكتافه الصغيرة ليبلغ قمة عظمة الأداء التمثيلي.
يأخذنا كفرناحوم الذي عرف نجاحات متتالية، والحائز على جائزة لجنة التحكيم بمهرجان “كان السينمائي” في دورته الحادية والسبعين، في رحلة مع الطفل زين في عشوائيات بيروت، حيث تبدأ من داخل قاعة محكمة، زين الذي لم يتجاوز الـ13يواجه حكما بـ5 أعوام داخل “سجون الأحداث” لارتكابه جريمة طعن صهره، فيما يقاضي الطفل والديه بتهمة “إنجابه”.
وعن طريق “فلاش باك” نبدأ الرحلة التي تأخذنا نحو قاع المجتمع اللبناني، لنرى في عيون المخرجة لبكي التي قالت :”إنها التزمت بنقل حقائق شهدتها وعاشها كثيرون من أفراد طاقمها”، قاصرون يتعاطون المخدرات، وأخرون يتم التحرش بهم، فتيات لا يتجاوزن الثانية عشرة يتم تزويجهن رغم إرادتهن، أطفال بلا أوراق ثبوتية منازلهم من الصفيح، حرموا من التعليم يسرحون ببضائعهم التي تكون أحيانا جرعات من أقراص “الترامادول” المخدرة، عند إشارات المرور أو على أرصفة الطرقات بحثا عن لقمة العيش، وغذائهم الشعرية المجففة “النودلز” وبودرة الحليب، أضف إلى المشهد أولئك العاملات الأجنبيات اللاتي يقعن ضحايا جشع المهربين والمتاجرين بالبشر ويتعرضن لجميع أشكال السلب والاستغلال.
يعيش زين مع عائلته المعدمة المكونة من عدة أولاد بالإضافة إلى شقيقهم الكبير السجين لارتكابه تهمة ما، والأب “سليم” يقوم بدوره الممثل فادي كامل، والأم “سعاد” وتجسد شخصيتها الممثلة كوثر حداد، ويعمل زين لدى “أسعد” وهو صاحب متجر صغير بنفس المنطقة.
ورغم قساوة حياته التي صادرت طفولته، إلا أنه وجد بها نكهة خاصة بجانب شقيقته “سحر” المحببة لقلبه والتي تصغر عنه عاما واحدا تقريبا، لكن حتى هذا التقارب والحب “استكترته الدنيا عليه”، حين يقرر والداه بيعها لأسعد ـ تزويجها له ـ مقابل بضع دجاجات وبعض الأغراض المنزلية، هنا نصل مع زين إلى ذروة العمل الدرامية، في مشهدية موظّفة بدقّة، حين ينقض الطفل على والدته ويركض حافيا وراء والده فوق دراجته في محاولة منه لإنقاذ سحر ومنع حدوث تلك المأساة.
صدمة الموقف تدفع زين إلى الهرب بعيدا عن منزله، وهنا يبدأ الجزء الثاني من رحلته، حيث يتقاطع مصيره مع “رحيل”، تؤدي دورها يوردانوس شيفراو، عاملة النظافة الإثيوبية ورضيعها “يوناس” التي تسكن في لبنان بشكل غير شرعي، حيث تحتضنه وتتكفل بتربيته مقابل رعايته لطفلها وقت غيابها عن المنزل.
مزيدا من الأسى والقهر يلاحق بطلنا الصغير، ومعه نشعر بالاختناق أكثر وأكثر، حيث يجد نفسه مسؤولا عن خدمة يوناس وتوفير الغذاء والأمان له، بعدما تعتقل الشرطة رحيل، ولأنه بات يحلم بالهرب خارج لبنان، لم يجد وسيلة لتحقيق ذلك إلا عن طريق بيع الصغير يوناس للمهرب أسبرو الذي بدوره سيوصله إلى عائلة ثرية.يعود زين إلى منزله بحثا عن أوراق ثبوتيته، فيعلم بوفاة شقيقته سحر أثناء حملها، وحينها يقرر الثأر من أسعد ومن والديه.
كفرناحوم وهو الاسم الذي يشير إلى”الفوضى”، عمل روائي عظيم بطابع وثائقي،
صدمة قوية حطمت قلوبنا تعكس السينما السوداء الواقعية في أعظم أشكالها، والفضل يعود لإدارة تصويره من قبل المخرجة لبكي التي اعتمدت على الكاميرات المحمولة لتصوير معظم مشاهد العمل، حيث اللقطات الضيّقة، والتركّيز على الوجوه والأقدام، كما أنها فضلت التصوير في الأماكن المغلقة لنشر شعور عام بالمأساة والحزن والشفقة لحد الاختناق.أضف إلى ذلك الموسيقى التصويرية التي جاءت متجانسة مع الموضع العاطفي للعمل.
لم يبالغ كفرناحوم في شيء، على الأقل في تقديري الشخصي، فهذا ما يحدث بالفعل في عشوائياتنا، وهذا بالطبع لا ينتقص من قيمة العمل بل يسكبه مزيدا من الواقعية والمصداقية. رغم أنه لم يأت بجديد عنا أقصد أبناء الشعوب العربية الذين يمر عليهم بشكل شبه يومي المئات من زين، وهو أمر مطلوب، حيث إننا أصبنا بحالة من التبلد أمام تلك الحالات والقضايا الإنسانية التي تمر أمام أعيننا مرور الكرام.
بالعودة إلى الأداء التمثيلي، فقد يحسب لـ لبكي التي أدت دور المحامية “نادين العلم”، التي تترافع عن زين، اجتهادها في اختيار نماذج لم تكن تمثل بل كانت تعيد حياتها التي عاشتها وعرفتها أمام الكاميرات، وكانت النتيجة رائعة جدا، أداء تمثيلي لا ينسى من الطفل زين الرافعي اللاجئ السوري من محافظة درعا، والذي وقع عليه الاختيار حينما شاهده صناع العمل يلعب مع أطفال أخرين في أحد الأحياء الشعبية ببيروت، طاقة هائلة وانضباط انفعالي وعفوية لا يمتلكها إلا ممثل محترف.
شاهدنا أيضا أداء متقنا لوالديه ومقنعا من قبل يوردانوس شيفراو وطفلها الذي هو في الحقيقة طفلة وتدعى بولواتيف بانكول.وجميعهم ممثلون غير محترفين لكنهم أظهروا براعة حقيقية.

إلى الأعلى