الأربعاء 19 يونيو 2019 م - ١٥ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث : لم لا يخصص العالم جائزة جاسيندا للسلام الاجتماعي؟

في الحدث : لم لا يخصص العالم جائزة جاسيندا للسلام الاجتماعي؟

طارق أشقر

رغم الشرخ العميق في نفوس الإنسانية عامة والمسلمين على وجه الخصوص على إثر الهجوم الإرهابي العنيف على مسجدين وسط كرايست تشيرش في نيوزيلندا الأسبوع الماضي أودى بحياة خمسين شخصا جميعهم من المسلمين وإصابة ستين آخرين خلال سبع عشرة دقيقة، تناسى فيها الإرهابي المجرم جميع معاني الرحمة والإنسانية، إلا أن ما بادرت به رئيسة الوزراء النيوزيلندية جاسيندا أرديرن مواقف وتصرفات القيادي المحنك، كان وقعها أقرب إلى البلسم على القلوب المفجوعة بذلك الحادث البشع.
أن يسارع أي مسؤول في أي دولة تقع فيها مثل هذه الأعمال الإرهابية المرفوضة إلى إدانة ورفض العنف، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة كرفع حالة التأهب إلى الدرجات التي تتناسب والحدث أو مطاردة مرتكبيه، أو منع ما يمكن أن يتسبب في تكراره .. كل هذه إجراءات روتينية ينبغي اتخاذها دون أن تستوقف الناس كثيرا كونها متوقعة ومطلوبة بالضرورة. ولكن ما أتت به رئيسة الوزراء النيوزيلندية جاسيندا أرديرن بشهادة الجميع كان مختلفا ولربما يكون خارقا لما اعتاد السياسيون اتخاذه في هكذا أحداث.
فإلى جانب تأكيدها عمليا على أنها شخصية قيادية ناجحة بامتياز، كما وصفها الكثير من المراقبين والسياسيين في مختلف أنحاء العالم، ما يشير إلى أنها تتمتع بالكثير من سمات الشخصية “الكاريزماتية” والتي يعرفها علماء النفس والاجتماع بأنها سمات تتوافر عادة في الشخصية التي تمتلك القدرة على بث الطاقة العاطفية المؤثرة في من حولها على مختلف المستويات الفكرية والحسية والانفعالية، وذلك بالقدر الذي يمكنها من ملامسة حاجات الناس من خلال ما تنتقيه من مفردات في الخطابة، فقد شكلت مواقفها إنجازا إنسانيا يشار له بالبنان.
لقد أكدت رئيسة الوزراء النيوزيلندية من خلال تعاطيها مع تداعيات مذبحة المسجدين البشعة أنها حقا تمتلك قدرات كاريزماتية مميزة، حيث بدا ذلك واضحا من خلال مواقفها الشخصية التي سريعا ما اكتسبت صفة العموم في المجتمع النيوزيلندي الذي بينت قدرتها على قيادته بنجاح، فما أن ارتدت الحجاب الإسلامي الذي بعثت من خلاله رسالة أن المسلمين بنيوزيلندا هم جزء من المجتمع النيوزيلندي، إلا وتبعها قطاع عريض من النساء النيوزيلنديات بمختلف أديانهن غير الإسلامية ليرتدين الحجاب ويجلبن الزهور والورود تضامنا مع أسر الضحايا.
ليس هذا فحسب، بل إن استخدامها وعن عمد لعبارات كاملة باللغة العربية وذات دلالات إسلامية كتوجيهها التحية لأعضاء البرلمان النيوزيلندي بعبارة “السلام عليكم”، وذكرها لحديث شريف أثناء تأبين الضحايا، مؤكدة فيه على قناعتها بأهمية التراحم والتعاطف، وأهمية وحدة المجتمع النيوزيلندي بمختلف قناعاته، كل هذا يؤكد على أنها حقا قيادة سياسية من نوع خاص، بل مثلها جدير بتخليده على مستوى الإنسانية عبر ما يمكن أن يكون تخصيص جائزة عالمية باسم “جائزة جاسيندا للسلام أو السلم الاجتماعي” تكون معاييرها جميعها قياس أثر أسلوب القيادة في تحقيق السلام الاجتماعي، وتعضيد وحدة المجتمعات المحلية مهما تباينت ثقافاتها وتقاليدها وعاداتها وقناعاتها.
ورغم أن أحد المواقع النيوزيلندية كشف عن تبادل المتداخلين فيه لوثيقة إلكترونية وقعها آلاف المطالبين بمنح جاسيندا جائزة “نوبل للسلام” إلا أن السلوك السياسي المتفرد لهذه الزعيمة، وحرصها على وحدة المجتمع النيوزيلندي في أحلك اللحظات، ورفضها القاطع لإتاحة الفرصة لأي متطرف يسعى لتحقيق الشهرة بأن ينال ما يتطلع إليه، وانحيازها التام والكامل إلى القيم الإنسانية، واستعدادها للأخذ بقيم الآخر طالما كانت أخلاقية وإنسانية … كل تلك القيم والمميزات تجعل منها قيادة أحق بأن يتم تخصيص جائزة باسمها وليس فقط منحها جائزة نوبل للسلام… فالتحية لرئيسة وزراء نيوزيلندا جاسيندا أرديرن على حسن صنيعها، فقد سطرت اسمها في التاريخ الإنساني والأخلاقي بأحرف من نور.

من أسرة تحرير الوطن
ashgartariq@yahoo.com

إلى الأعلى