الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / شراع .. تحالف كيري والدهاء الفارسي

شراع .. تحالف كيري والدهاء الفارسي

خميس التوبي

■ مع إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما استراتيجية أوهام محاربة ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش»، يمكن القول إن الاستراتيجية كشفت عن أهواء ونزوات وحماقات ومراهقة سياسية وتبعية مطلقة وعمياء للمستعمرين ومصادر الشرور لا يملك أصحابها قرارهم من جهة، وعن دهاء وعقل ومنطق وحكمة في السياسة ورزانة في التعامل، ولدى المتسلحين بذلك قوة الموقف والقرار من جهة أخرى.
وكما أثبت من قبل، يثبت الدهاء الفارسي أنه قادر على السير على خيوط اللعبة الصهيو ـ غربية ـ إقليمية في المنطقة والحذر من التورط أو الوقوع في أفخاخ هذه اللعبة الخطرة المدمرة؛ لأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تدرك تمامًا معنى الغزل الأميركي ومغزاه لإشراكها في التحالف الذي بناه جون كيري وزير الخارجية الأميركي ومخاطر الوقوع في غرام هذا الغزل وتبعاته والمكلفة. كما أن الدهاء الفارسي استطاع أن يقرأ جيدًا خريطة الأحداث على ضوء الاستراتيجية الأوبامية والتحولات التي ستُقبِل عليها المنطقة من خلال:
أولًا: إن الولايات المتحدة وحلفاءها وعملاءها مثلما صنعت تنظيم القاعدة باسم «الجهاد» لمواجهة خصمها وعدوها اللدود الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، ولم تتحمل تكاليف مالية وبشرية باهظة كما تحملتها في حربيها العسكريتين المباشرتين الخاسرتين في كل من أفغانستان (2001م) والعراق (2003م) لتكفُّل ممولين خارجيين بدفع فواتير ما سمي بـ»الجهاد»، لجأت «القوة العظمى» إلى فكر المواجهة ذاته بإعادة إنتاج تنظيمات إرهابية أشرس من تنظيم القاعدة لمواجهة من تبقى من الخصوم والأعداء للولايات المتحدة وحليفها الاستراتيجي كيان الاحتلال الصهيوني في المنطقة، خاصة وأن الممولين اليوم أكثر وأغزر مالًا، وأموال شعوبهم أصبحت عبئًا عليهم، وأكدوا استعدادهم الكامل والمطلق لفتح صنابير خزائنهم لإغراق مصانع السلاح والخزائن الأميركية والغربية، وهذا ما بدا واضحًا في تصريح الرئيس أوباما بأن استراتيجيته في المنطقة ليست محددة بزمن وإنما تمتد لسنوات، وبدا كذلك في طلب وزير الدفاع الأميركي تشاك هيجل من الكونجرس ضخ (500) مليار دولار وتأكيد الوزيرين كيري وهيجل استعداد الممولين من دول البترودولار لسداد هذه الفاتورة الباهظة. وكيف لعاقل أن يتصور أن (500) مليار دولار و(40) دولة لقتال تنظيم مكون من بضعة آلاف وعدد من الدبابات؟ وأنى له أن يقتنع ويستوعب ويصدق وهو يشاهد ويسمع هذه الأرقام الضخمة لمواجهة تنظيم «داعش» الإرهابي في الوقت الذي غارقة فيه دول حتى الثمالة في دعمها للتنظيم الإرهابي ومحسوبة على التبعية الأميركية وعضو في حلف كيري العتيد، وذلك بتقديمها الدعم اللوجستي وقيامها ببيع النفط السوري والعراقي المسروق لصالح التنظيم الإرهابي؟
على أن الأهم هو أن من ينظر إلى الفكر الأيديولوجي للتنظيمات الإرهابية المصنَّعة أميركيًّا ـ إقليميًّا لمقاسات المنطقة لها عَدوَّان اثنان يجب إبادتهما والتخلص منهما؛ الأول الفكر المخالف كالفكر الشيعي والمسيحي. والثاني الرافض اعترافًا أو اعتناقًا لفكر التنظيمات الإرهابية، وبالتالي ترى هذه التنظيمات في الجمهورية الإسلامية الإيرانية عدوًّا لها وحاميًا للفكر الشيعي في المنطقة وداعمًا له، فكيف الحال إذا ما كانت إيران «الشيعية» عضوًا فاعلًا في تحالف كيري لقتال تنظيمات محسوبة على «السنة»، واستغل الصائدون في الماء العكر والمرجفون في الأرض هذا الأمر لترويج هذا الانطباع ومن ثم التحريض على الانتقام؟ ثم ما المانع من غدر الصانع بتحريك صنيعته تجاه إيران، خاصة وأن الصنيعة أكدت أكثر من مرة أن الصانع الصهيو ـ أميركي ليس عدوًّا لها، وإنما أعداؤها إيران وسوريا وحزب الله؟
ثانيا: إن الغزل الأميركي لطهران بالقبول في المشاركة في تحالف كيري هو محاولة لدق إسفين بين طهران ودمشق من ناحية، وتحييد طهران ومعاداة موسكو من ناحية أخرى عملًا بمعادلة مارتن إنديك أحد مهندسي السياسات الخارجية الأميركية، والمنسق المعني بشؤون الشرق الأوسط والوسيط المعتمد لعملية التفاوض الفلسطيني ـ الصهيوني والتي صاغها في هذا الجملة «دخلنا المواجهة في الشرق الأوسط وفي حسابنا أن إيران هي العدو وعلينا تحييد روسيا لنكتشف أن روسيا هي العدو والمطلوب تحييد إيران». وهذا ما تنبه إليه الدهاء الفارسي مخاطبًا الأميركي بأن قبول المشاركة في التحالف بشروطنا وأولها مشاركة سوريا وروسيا، وأن طهران لا تعترف ولا تؤمن بتجزيء الملفات.
ثالثًا: إن قبول الجمهورية الإسلامية بالمشاركة في تحالف كيري لقتال ما يسمى تنظيم «داعش» يعني اعترافًا ولو ضمنيًّا بالإرهاب الآخر الذي تمثله ما يسمى «جبهة النصرة والجبهة الإسلامية والكتائب المقاتلة وأحرار الشام والجيش الحر» وغيرها، والذي يسميه المتحالفون بـ»الإرهاب المعتدل»!
وفي تقديري أن القرار الأممي رقم 2170 هو في إحدى صوره عبارة عن فخ للمحور الروسي ـ الإيراني ـ السوري ـ حزب الله.
رابعًا: إن طبيعة التحالف الذي اتَّخذَ من القرار الأممي 2170 قاعدة انطلاق، ليس لها حدود ونهايات مكانية أو زمنية، ومقتضى سيرها ـ كما يفهم من توجهات الاستراتيجية الأوبامية ـ أن في كل مرحلة من مراحل الاستراتيجية من الممكن أن يستصدر قرار أممي يناسب المرحلة أو يتخذ إجراء يناسبها، وبالتالي فهو تحالف مشبوه ومليء بالكمائن والدسائس.
من الواضح أن الدهاء الفارسي يتحسب لخطوات ومراحل من هذا النوع ومخاطر جر الإيرانيين إلى حرب استنزاف طويلة، ولذلك بدأ الإيراني يرسل ردوده وفق ما يتناسب مع كل خطوة من الطرف المعادي، فبدلًا من أن يرسل قوات إلى الأرض في العراق أرسل أسلحة وخبراء عسكريين وتمكن من منع سقوط بغداد وأربيل وهذا باعتراف المسؤولين الإيرانيين والعراقيين أنفسهم، أضف إلى ذلك أنه أرسل رسالة واضحة وصارمة مفادها عاصمة مقابل عاصمة؛ أي دمشق تقابلها صنعاء، ودمشق وبغداد تقابلهما صنعاء وعواصم ومدن أخرى، ولسان الحال كأنه يقول: استهداف حلفائنا يقابله استهداف حلفائكم».
ومن بين المكاسب للدهاء الفارسي الذي يسجلها أيضًا على الطرف المعادي، أنه في الوقت الذي تستنزف فيه خزائن الممولين وثروات شعوبهم من قبل المعسكر الصهيو ـ غربي تحت ذرائع وأكاذيب وصنائع ابتدعها، يدير معركة استرداد الأموال المجمدة ورفع العقوبات الاقتصادية بصورة هادئة وذكية، وما من شك أن هذه الأموال ورفع العقوبات هو لمصلحة الشعب الإيراني.■

إلى الأعلى