الثلاثاء 16 يوليو 2019 م - ١٢ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الفاشية في تجلياتها

الفاشية في تجلياتها

علي بدوان

تواتر التصريحات العنصرية اليومية في سياقات المعركة الانتخابية للكنيست الحادي والعشرين في “إسرائيل”، تكشف بشكل صارخ عن طبيعة وبنية المجتمع “الإسرائيلي” المنحاز بغالبيته لقوى اليمين واليمين المتطرف. ذلك المجتمع الذي باتت تسيطر عليه خطابات الغطرسة والصلف والغرور والقوة ضد العرب عموما والفلسطينيين خاصة. ودليلنا على ذلك الاكتظاظ غير المسبوق لقوائم قوى اليمين واليمين المتطرف المشاركة بالعملية الانتخابية، وهي القوى التي تطرح خطابها السياسي اليميني والعنصري، وبتجلياته الفاشية، بشكل فاقع وصارخ، ودون التفات لأي ردود فعل على أي من المستويات.
الفاشية تتجلى الآن في الخطاب السياسي في “إسرائيل” في مواضع كثيرة، وتتبناه حتى تلك الأحزاب المحسوبة على يمين الوسط، ويسار الوسط وحتى بعض تلاوين ما يسمى بــ”اليسار الصهيوني”، ويمكن في هذا الصدد أن نلحظ الآن، ثلاثة تجليات بدت تتصدر المشهد في الأيام الأخيرة:
كان أولها محاولات منع القائمتين العربيتين من الترشح للانتخابات التشريعية للكنيست، والطعن بها، وبأسماء المرشحين وتوجيه الاتهامات لهم. فكان القرار الأولي بحظر القائمتين العربيتين من المشاركة بالانتخابات من قبل لجنة الانتخابات المركزية وبأغلبية محققة، وهو قرار سياسي مئة بالمئة، ويفتقد إلى أي أساس للإثبات، وقد فشل قرار المنع بعد أن لجأت القائمتان العربيتان إلى المحكمة العليا التي عادت وسمحت لهما بالمشاركة وطعنت بقرار لجنة الانتخابات المركزية (نشير هنا إلى أن الأعداد المتزايدة من فلسطينيي الداخل الذين يقاطعون كل تلك العملية الانتخابية ولا يعتقدون بصوابية المشاركة بها)، فمرشحو القائمتين العربيتين يدافعون عن مبادئ العدالة والديمقراطية، وعن الحق الأساسي في تمثيل جمهور فلسطينيي الداخل المحتل عام 1948 والدفاع عن حقوقهم باعتبارهم أصحاب الأرض والوطن الأصليين، فيما يتنافس نتنياهو والجنرال بيني جانتس على من يكون أكبر محرّض على الجمهور العربي، ويفخرون بالدمار والجرائم المرتكبة ضد الشعب الفلسطيني. هؤلاء هم الذين يتعين إحالتهم ومحاسبتهم في محكمة العدل الدولية في لاهاي.
وكان ثانيها تصريحات المرشح اليميني المتطرف (ميخائيل بن آري) من حزب “القوة اليهودية”، بقيادة (إيتمار بن غفير) وهو الحزب المتأتي من رحم مجموعة (كاخ) العنصية الفاشية التي أسسها الحاخام مائير كاهانا. فالمحكمة العليا في “إسرائيل” لم تستطع أن تمرر أمام المجتمع الدولي، ترشيح (ميخائيل بن آري) من القائمة المشار إليها، وهو المرشح الذي أطلق، وبشكل منهجي، تصريحات عنصرية ضد العرب في “إسرائيل”، ومنها التصريحات التي قال فيها مؤخرا: “يجب علينا أولًا، تغيير المعادلة والقول إن أي شخص يجرؤ على التحدث ضد يهودي لن يبقى على قيد الحياة، إنه لن يبقى على قيد الحياة، لا يتم طرده، ولا يُحرم من الجنسية. بل لا يبقى على قيد الحياة! كتيبة إعدام تقتله، تقضي عليه، كما يفهم العرب”. وكان (ميخائيل بن آري) وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2017، ألقى خطابا في الذكرى السنوية لمقتل زعيم حركة كهانا، قال فيه: “لقد علّمنا الحاخام كهانا، أنه لا يوجد تعايش معهم، لا يوجد تعايش”. وقد ردت قوى اليمين على قرار المحكمة العليا بشطب (ميخائيل بن آري) من قوائم المرشحين للانتخابات، واعتبرته قرارا مشينا. وتعهدت بمواجهة المحكمة العليا و”إعادتها إلى حجمها الحقيقي والطبيعي” حسب بيان لقوى اليمين.
وكان ثالثها تعالي الأصوات المنادية بضم الجولان السوري المحتل، والتسابق المحموم على ترجمة هذا المطلب في ظل المواقف الأميركية المؤيدة والمساندة له، ومنها تغريدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الجمعة 22/3/2019، والتي أعلن من خلالها عن دعمه وتأييده، وإمكانية اعتراف الولايات المتحدة بضم الجولان إلى “إسرائيل”، باعتبار ذلك ضرورة أمنية واستراتيجية على حد تعبيره. فوضع الجولان السوري في بورصة الانتخابات يعبّر عن المديات الواسعة التي قطعها الخطاب التوسعي التهويدي في “إسرائيل”، والاستهتار بحق سوريا باستعادة أرضها، كما والاستهتار بالشرعية الدولية وقراراتها ذات الصلة، والتي تؤكد أن الجولان أرض سورية محتلة، فوضع الجولان المحتل في المزاد الانتخابي يُدلل على سلوك فاشي توسعي ضد الآخر، يفضح على الملأ طبيعة السياسات التي يصطبغ بها المجتمع “الإسرائيلي”.
وبالنتيجة، إن الفاشية، والمشاعر البهيمية ضد العرب والفلسطينيين خصوصا، المنتشية، والمنتشرة، في المجتمع “الإسرائيلي”، تتغذى من منابع الخطاب الأيديولوجي التوراتي “واليميني القومي العقائدي”، ومن الخطاب السياسي اليومي الذي تطلقه غالبية القوى السياسية والحزبية في “إسرائيل” وعلى رأسها حزب الليكود قبل غيره، الذي يعلن جهارا نهارا، بشكل أو بآخر، تبنيه لخطاب قوى اليمين بشقيه التوراتي و”القومي العقائدي”، والتفافه على الشرعية الدولية بالنسبة لمستقبل عملية التسوية مع الفلسطينيين، وتملصه مما بات يعرف بــ”حل الدولتين”. وإعادة إنتاج مقولة “الدولة اليهودية” التي تعني فيما تعنيه “الدولة العنصرية” التي تتعاطى مع أبناء الوطن الأصليين في الداخل المحتل عام 1948 معاملة “أبناء الجارية”.
لقد سقطت وتهاوت كل التنظيرات “الإسرائيلية”، بشأن عملية التسوية، ومستقبل “السلام” في المنطقة، بما فيها المشروع الأميركي المعنون بــ”صفقة القرن”، ولم يتبق منها سوى إهالة الأكوام المتزايدة من التراب عليها، بانتظار متغيرات دولية، قد تضفي لمعادلات جديدة، حتى يصبح عندها ممكنا للشرعية الدولية وقراراتها ذات الصلة أن ترى النور، وأن تشق طريقها.

إلى الأعلى