الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع .. فعلها الكبار ويلعب بنارها الصغار

شراع .. فعلها الكبار ويلعب بنارها الصغار

خميس التوبي

بغض النظر عن مدى جدية التهديدات التي أطلقها ما يسمى تنظيم “داعش” ومصداقيتها بقتل الغربيين من عسكريين ومدنيين، إلا أن هذا لا يعفي الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة من المسؤولية الأخلاقية تجاه الفوضى المركبة من الإرهاب والفتن الطائفية والمذهبية التي بسطتها في المنطقة لتأكل الأخضر واليابس فيها، لتمرير مشاريع استعمارية وأجندة مدمرة، ولتكريس واقع فوضوي يصطدم مع رغبات التحرر من ربقة الاستعمارين الغربي والصهيوني، بل يكتم كل نَفَس يدعو إلى التحرر.
التنافس الغربي في الاستنفار تارة والتقليل من تهديدات ما يسمى “داعش” تارة أخرى، لا يخرج عن سياق تبادل الأدوار الذي أقيمت عليه مؤامرة التدمير والتفتيت المسماة “الربيع العربي” وفق مقتضيات الضرورة لمحاولة إبعاد الشكوك في الانغماس الغربي حتى النخاع في المؤامرة، وتقديم ما يلزم لها من أسباب الاستمرار وإيجاد الوكلاء والعملاء ووضعهم في المقدمة، فيما يتكفل الطرف الغربي الأصيل بقيادة الدفة من الخلف.
حتى تبادلية الأدوار لم تقتصر على الأطراف الأصيلة وإنما هي ممارسة من قبل الأطراف الوكيلة ما دامت هذه التبادلية جزءًا من مؤامرة التدمير والتي (أي التبادلية) تبدو في شكلها الظاهر على أنها صراع ومعركة شرسة بين الأطراف المكونة لمعسكر التآمر والتخريب بمحاولة كل طرف تسجيل نقاط على شريكه والتقدم أكثر، إلا أنها في جوهرها تؤدي إلى الهدف الحقيقي المراد من المؤامرة وهو تحقيق التدمير، مع أهمية التأكيد على أن وطيس المعركة بين الأطراف الوكيلة والعميلة إنما هو في إطار التسابق إلى تقديم أوراق الولاء والتبعية المطلقة للطرف الأصيل ونيل الحظوة ومباركة الدور الوظيفي.
لا داعي لذكر الأسماء والمسميات للوكلاء والعملاء، ولسنا مجبرين على ذلك، فالبيادق على رقعة شطرنج المنطقة حركتها واضحة ومن يحركها أوضح، أفعالهم وحدها كافية للتشهير بهم لا إشهارهم، إلا أن هذه البيادق لم تنتبه إلى خطورة الدور الوظيفي ومآلاته الكارثية القائمة واللاحقة، كما أنها وفي ظل سيطرة الضغينة المستشرية وهوس الاندفاع الجنوني لم تضع خط رجعة يسمح لها بإعادة النظر في مدى خطورة هذا الاندفاع غير المحسوب نحو نقل الموت المجاني ودعمه من مكان إلى آخر، وضد طرف هنا وآخر هناك، متوهِّمةً أن شهادات المباركة والثناء وحسن السير والولاء والتبعية الصادرة عن الطرف الأصيل في المؤامرة لها من القوة القانونية والشرعية ما يردعه ويمنعه من القيام بجردة حساب، والبدء في المحاسبة إما بالتخلص من أوراقه الوكيلة بعد احتراقها، وإما بابتزازها من خلال القبول بالتبعية المطلقة وتنفيذ ما يطلبه منها وإلا تتحمل تبعات أفعالها وأدوارها الداعمة للإرهاب في المنطقة.
إن ثمة معطيات على الأرض والتاريخ تدعونا إلى استنتاج ذلك منها:
أولًا: إن الغرب الامبريالي الاستعماري ليس في أدبياته السياسية شيء اسمه “صديق دائم” وقيم ومبادئ، وإنما “مصالح دائمة”، ومتى ما تعرضت مصالحه للخطر أو التهديد أو شعر بذلك تحرك لإنقاذها ولا يهمه في سبيلها صديق أو عدو، فهو مستعد للتضحية بصديق الأمس واليوم، وفتح صفحة جديدة مع عدو الأمس واليوم إذا كانت مصالحه مرتبطة به بصورة مباشرة. ولذلك نجد ـ على سبيل المثال ـ أن الأميركي أكثَرَ من الغزل ولا يزال تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية لإشراكها في ما يسمى التحالف لمواجهة ما تنظيم “داعش”، بعد أن استبعدها من مؤتمر جدة ومؤتمر باريس، وفوق ذلك كان بالأمس وحتى اليوم يعتبر إيران عدوًّا وخصمًا شرسًا له في المنطقة وتهديدًا لمصالحه. ولما وجد الأميركي القدرة الهائلة لهذا العدو الجامعة بين السياسة الناعمة والسياسة الخشنة، وأنه رقم صعب في معادلة تقسيم خريطة المنطقة التي يريد تنفيذها الصهيو ـ أميركي، بدأ يرسل إشارات غزله. ولعل ما جرى في صنعاء مؤخرًا، وما كشفته دمشق أمس عن أن واشنطن أبلغت الدكتور بشار الجعفري مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة بأنه سيتم توجيه ضربات لما يسمى تنظيم “داعش” في الرقة، أكبر دليل على أن الغرب الإمبريالي لا يعترف إلا بالأقوياء وأن لا صديق دائم، بل مصالح دائمة. فقوة تأثير ونفوذ الجمهورية الإسلامية الإيرانية في المنطقة لا يمكن إنكارها، بل إنها آخذة في الاستشراء والتوسع، ما لا يمكن معه تجاهل طهران في أي تحركات غربية تستهدف المنطقة، وخصوصًا حلفاء إيران. كما لا ننسى أن رغبة الأميركي في التفاوض مع طهران حول ملف البرنامج النووي الإيراني هو أحد أبرز صور التعبير عن الاعتراف بمكانة إيران في المنطقة ودورها المؤثر.
ثانيًا: إن الغرب الإمبريالي الاستعماري لا يهمه أن يسقط مئات أو ملايين الضحايا من العرب والمسلمين بقدر ما يهمه أن يسقط رعاياه ضحية تدخلاته ومغامراته وحماقاته. فهو ينظر إلى هذه الأرقام على أنها ليست ذات قيمة ما دامت من أجل مصالحه ونفوذه الاستعماري. وهنا لا بد من إعادة قدح زناد الذاكرة للتذكير بما قالته مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية في عهد الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون حين سئلت عن ملايين الأطفال العراقيين الأبرياء يموتون جراء الحصار الظالم لا لذنب اقترفوه، بأن تلك الملايين لا تسوى شيئًا من أجل مصالح الولايات المتحدة. ولذلك ينظر الغرب الاستعماري الإمبريالي إلى الصحفيين الأميركيين جيمس فولي وستيفن سوتلوف والرهينة البريطاني ديفيد هاينز على أنهم ضحايا تنظيمات إرهابية محسوبة على العروبة والإسلام وتتلقى الدعم من دول وجماعات عربية. وفي أخلاقيات السياسة الغربية ليس ما يمنع من أن تتم لاحقًا وبعد إنجاز الهدف محاسبة المتورطين من الدول والجماعات العربية المتهمة بدعم الإرهاب، فهي محاسبة قد تبقى مؤجلة لكنها مرتبطة حتمًا بسير المصالح واستراتيجية البقاء، تفتح ملفاتها للابتزاز متى ما اقتضت المصالح ذلك. إن كلمة السر قد قالها الجنرال مارتن ديمبسي رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأميركية بأن الولايات المتحدة تعرف هوية الممولين ولديها الأدلة والثبوتيات على ذلك.
وفي خضم العلاقة القائمة بين الأطراف الأصيلة والوكيلة وبين الإرهاب وأدواته، واتضاح الداعمين إلى حد الافتضاح، فإن مؤامرة التفتيت أو “الفوضى الأميركية الحلاقة” فعلها ورتب لها الكبار في الغرب الإمبريالي الاستعماري، لكن الصغار للأسف يصرون على اللعب بنارها دون أدنى وعي بمخاطر توسع اشتعالها والعجز عن السيطرة عليها، فتبدأ بهم قبل غيرهم.

إلى الأعلى