الجمعة 22 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٠ هـ
الرئيسية / آراء / سوريا في بؤرة الاستهداف

سوريا في بؤرة الاستهداف

علي عقلة عرسان

”.. على من يرى نفسه منتصراً “بقوته أو بقوة الآخرين”، إذ يقتل شعبه ويدمر بلده ويستعين بالصهاينة والأميركيين وأعداء وطنه وأمته وعقيدته التاريخيين ليكون ويحكم و.. و.. عليه آن ينظر إلى تجربة ومصير من ركب هذا المركب قبله، وإلى ما أوصل إليه بلده وشعبه بل وأمته كلها وما وصل إليه هو نفسه..”
ــــــــــــــــ
الأميركيون والصهاينة ينسقون معاً للسيطرة التامة على المجال الجوي في سوريا لشن غارات على أهداف عسكرية ومدنية حيوية، وإقامة منطقة حماية جوية للمسلحين الذين يعملون معهم ضد داعش والجيش العربي السوري، ويفرضان ذلك بحكم الأمر الواقع، تحت غطاء مهاجمة داعش على أراضيها. وكان هذا التنسيق قد تم باتفاق بينهما قبل عام تقريباً عندما كان الاستعداد الأميركي يجري لتوجيه ضربات قوية لمواقع سورية لا سيما للجيش العربي السوري تحديداً للقضاء على قدراته، بذريعة استخدام سوريا للأسلحة الكيميائية، ولم يكن توجيه ضربات لسوريا آنذاك بمعزل عن موافقة دول عربية غضبت عندما لم تتم. ولقد تجدد العزم الآن على تنفيذ ذاك الاتفاق/العدوان ضمن التحالف الأربعيني الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية ضد داعش، ومهره كيان الإرهاب الإسرائيلي بإسقاط طائرة سوريا في سماء القنيطرة وهي المرة الأولى التي تسقط فيها “اسرائيل” طائرة سورية منذ عام ١٩٨٩ وهذا الاتفاق يضع كيان الإرهاب ضمن التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب؟! وتلك من مهازل ازدواجية المعايير الغربية المستمرة.. وهذا عمليًّا مدخل إلى تنفيذ استراتيجية أميركية ـ صهيونية ـ غربية في المنطقة، من ضمنها إعادة رسم خرائط سياسية وتقسيم بلدان وإقامة دول، وتحقيق كل ما تطلبه “إسرائيل” لأمنها وترسيخ احتلالها وفرض هيمنتها، وما يحقق مصالح الولايات المتحدة الأميركية واستراتيجياتها ويرضي حلفاءها.
لقد بدأ صباح امس الثلاثاء ٢٣ أيلول/ سبتمبر ٢٠١٤ قصف بعض دول التحالف الأربعيني لمواقع داعش والنصرة في سوريا بهجوم تركز على الرقة والبوكمال وشمال حلب، وتم بصواريخ توما هوك وغيرها من الأسلحة وجهتها طائرات وقطع بحرية أميركية من البحر الأحمر وقواعد شمال الخليج العربي، وشاركت فيها دول عربية أشار إليها البيان العسكري الأميركي .. ويبدو أن سوريا “أُعلمت” بذلك عبر مندوبها في الأمم المتحدة بشار الجعفري ولم يتم التنسيق معها بهذا الشأن عمليًّا، مما يشكل التفافاً على ما كان يُطلب في هذا الشأن، وما كانت سوريا وروسيا أكدتا ضرورته وأهميته، وصفتي حدوثه من دون تنسيق مع سوريا وموافقة منها، فيما إذا حدث، بأنه عدوان على سوريا.. وهذا ما جعل الرئيس بوتن يتصل بالأمين العام للأمم المتحدة صباح أمس الثلاثاء ليؤكد: أن شن غارات جوية على أماكن وجود إرهابي داعش على الأراضي السورية ينبغي أن لا يتم دون موافقة الحكومة السورية « مشيراً إلي ضرورة تجميع جهود المجتمع الدولي لمحاربة الإرهاب، وفي ذلك تلميح للانفراد الأميركي .. وهو ما جعل الإعلام الروسي يشير إلى الحدث بالقول “بدأ التحالف الأميركي هجوماً..إلخ” ولم يقل التحالف الدولي، في إشارة مبكرة ولافتة إلى استغلال الولايات المتحدة الأميركية لقرار دولي فتتصرف أميركيًّا وليس دوليًّا، وبخروج على روح قرار مجلس الأمن والقانون الدولي.. الأمر الذي يعيد إلى الأذهان ما حدث في ليبيا وقرار المجلس الخاص بها من جهة ويشير إلى ما يمكن أن يحدث في سوريا، لا سيما وأن الأطراف التي بدأت الهجوم ضد داعش في سوريا ومعها “ملحقاتها وتوابعها” تجعل الجيش العربي السوري والحكم هدفاً ملازماً.
فماذا بوسع سوريا أن تفعل حيال ذلك الخطر المحتمل، حتى لا نقول الداهم، الذي يضاف إلى ما تواجهه من أخطار في حرب مستمرة على أراضيها منذ ثلاث سنوات ونصف، ومن المعروف أن سلاح الطيران فيها والدفاعات الجوية والمطارات العسكرية والرادارات و.. و.. تعرضت لكثر من التخريب من جهة، وأن سلاح الطيران فيها على الخصوص يقوم بمهام داخلية منذ بداية سنوات الحرب من جهة أخرى، وأنها لا تملك أن تحقق توازناً استراتيجيًّا مع كيان الإرهاب الصهيوني المحتل وحده، فكيف بها تحقق توازناً من أي نوع مع طيران التحالف الأربعيني وقواه الأخرى، لا سيما البحرية التي يمكن أن تقصف أهدافاً سوريا من قطع بحرية تقع على مسافات بعيدة من سوريا لا تطولها الدفاعات والصواريخ السورية، إذا ما بدأ القصف المباشر لأهداف عسكرية أو مدنية سورية؟! وهل روسيا على استعداد للقيام بأكثر من تزويدها ببعض الأسلحة والذخائر والمستشارين، وبالمطالبة بألا تمس سيادتها ووحدة أراضيها، وبعرض أمر التدخل العسكري ضد داعش في أماكن وجودها في سوريا على مجلس الأمن الدولي لاتخاذ قرار بشأن أي تدخل عسكري ضد داعش في سوريا لا يتم بالتنسيق مع الدولة السورية وبموافقتها؟!.. وأن تقوم بالاحتجاج والتنديد كما يفعل الوزير لافروف حيال التجاوزات الأميركية الحالية، وهو التحرك السياسي الذي كان آخره ما صرح به بقوله» يجب احترام وحدة الأراضي السورية«، بمعنى أنه لا توجد أراضٍ تخرج عن مفهوم سيادة الدولة على جغرافيتها حتى لو كانت داعش والنصرة تسيطران على جزء منها. وقد قال لافروف ذلك بعد أن حلَّقت طائرات قيل إنها “مجهولة الهوية؟!” في سماء مدينتي الرقة والباب يوم الأحد ٢١ أيلول/سبتمبر الجاري. وقد سبقت هذا الحدث اختراقات أميركية أخرى معروفة، منها محاولة إنزال كومندوس قرب الرقة في عملية فاشلة لإنقاذ الصحفي فولي.؟! وما الذي يمكن أن يتخذه مجلس الأمن الدولي من قرارات بهذا الشأن بعد أن اتخذ قراراً على الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لاجتثاث داعش، وهو قرار تقود تنفيذه الولايات المتحدة الأميركية بطريقتها الخاصة، حيث تستغل مثل هذه القرارات وتفسرها بما يحقق مصالحها واستراتيجياتها.. لا سيما وأنها ترى أن الميثاق لا يلزمها بأخذ موافقة الدولة السورية ولا بالتنسيق معها بشأن ملاحقة داعش على الأراضي السورية كما أعلنت ذلك ممثلتها في الأمم المتحدة سامنثا باور، أما عن القانون الدولي فهي أول من يتجاوزه وأكثر من تجاوزه بحكم غطرستها وطبيعتها العدوانية وامتلاكها لقوة عمياء، ووضعها لنفسها فوق القانون.؟!
نحن في سوريا أمام مخاطر حقيقية لا يُستهان بها، فضلاً عما نعيشه من أحداث دامية وكوارث مروِّعة منذ سنوات الحرب المجنونة التي تجري في وطننا.. والاختراقات الأمنية/العسكرية الإسرائيلية والأميركية وغيرها في تزايد، وتصريحات الغربيين عبر التحالف بضرب أهداف سوريا، بذريعة ملاحقة إرهاب داعش، لا لبس فيها، وقد طلبت إدارة أوباما من الأمم المتحدة ومنظمات وهيئات دولية أخرى تحديد مواقعها في سوريا تمهيداً للقيام بضربات، وهناك إعلانات سابقة مستقرة ومكررة ومؤكدة بالقيام بأعمال عسكرية ذات أهداف سياسية أبعد من مواجهة داعش لإضعافها تمهيداً للقضاء عليها كما هي خطة الرئيس أوباما التي أعلنها، ومن تلك الأهداف الاستراتيجية، غير إسقاط النظام وإنهاء المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني وفرض “سلام استسلام وتطبيع و..”.. من تلك الأهداف هدف قديم يتجدد هو خلق شرق أوسط جديد، عجز الغرب حتى الآن عن تحقيقه على الرغم من حهود وحروب في المنطقة.. فما الذي ينبغي عمله لتدارك ما يمكن تداركه قبل فوات الأوان، وما يمكن تداركه قليل على كل حال، في ظل الأوضاع والظروف السياسية الدولية والأمنية الراهنة، وفي ضوء الإمكانيات السورية المتاحة بعد أن استنزِف البلد خلال سنوات الحرب كارثية.؟
ليس هناك وصفات سحرية تنهي حروباً إجرامية وجنوناً نوعيًّا ونوايا عدوانية متأصلة وتجليات وحشية وأخرى حمقاء لأداء بشري يخرج عن حدود العقل والمنطق والمحاكمة الأخلاقية والوجدانية المسؤولة للقضايا المطروحة على بساط الدم والرعب في منطقتنا المنكوبة ببعض أهلها وبالكثير من الأعداء والأطماع، بوصف تلك جميعاً مشكلات وأزمات وملفات تحتاج إلى معالجة بعقل وعدل وحكمة وحنكة لخلق مناخ مريح لكل آطراف الأزمة/ الحرب/ التغيير؟ التثوير؟ التنوير..إلخ، لأن من يفعلون ذلك ومن يقفون وراءهم ومن يزينون لهم أعمالهم يضعون أنفسهم ووجودهم وعنترياتهم ومصالحهم وأحكامهم على الأمور والناس فوق الشعوب والأوطان والعقول والوجدان، وفوق المناقشة وحتى المقاربات الكلامية.. وإذا أضيف إلى ذلك الوضع العام بمجمله ما وصل إليه الناس في سوريا والعراق على الخصوص من أوضاع بائسة جداً، ضمن مناخ الاقتتال والفوضى والحاجة والرعب والتشرد والفساد والجوع والمرض، وهم أصحاب المصلحة الأولى في الأمن والسلم الأهلي والاستقرار ورفع نير الجور عن رقابهم، ومن ثم التصدي للفتن ولمن يشوه صورتهم ويحرمهم من أوطانهم وحقوقهم ويهدد حياتهم وقيمهم .. فإننا نقف أمام حالة فريدة في تاريخ المعاناة البشرية. ومع ذلك لا بد من البحث عن مخارج، ولا بد من سحب الذرائع، وفتح آفاق ونوافذ أمام العقل ليحكم ويتحكم ولو قليلاً بدلاً من تحكم الانفعال والغوغائية والعصابية حيث لا ينتج عن ذلك إلا المزيد من التخبط والمعاناة والموت.
فليجرِّب الحريصون على سوريا والمالكون لها والمتاجرون بشعبها وتاريخه وتراثه الثقافي والحضاري والروحي، أو بالأحرى على/ ولما/ وبما تبقى منها ومنه، على أن يتنازل بعضهم لبعض عن القليل القليل منها وفيها – إذا كان لا بد لهم من أن يظهروا مالكيها وفي منتهى الحرص على ملكهم لكل ما فيها بما فيه رصيد الأرواح البشرية ذاته – قبل أن يضطروا إلى التنازل عن سوريا ذاتها/ كلها، بوعي منهم لذلك وإرادة أو بغطرسة وضعف ينهيان مفعول الوعي والعقل والإرادة.. فيبدأ لقاء سوريين للإنقاذ قبل أن يتحول قصف التحالف الأميركي لكل مقومات الوجود الحي في سوريا الدولة، ومن ثم فليتدرج الحل بالصلح والصلح بالحل لكي يتدرج بذلك العنف نحو التوقف، والشعب نحو العودة إلى الوطن، ويتوحد موقف الأطراف السورية كافة ضد وجود الإرهاب ومن يستثمر فيه ومن يقاتله على الأرض السورية ويسعى لقتل سوريا بذريعته، أيًّا كان الإرهاب والإرهابيون ومشروعهم ومن يقف خلفهم .. فتسحب الذرائع شيئاً فشيئاً من تحت أرجل المتشبثين بها والباحثين عنها والمفتعلين لها والمتسثمرين في إراقة الدماء وإزهاق الأرواح وتدمير العمران وفرض التبعية والاستعمار والاحتلال بوجودها.
وعلى من يرى نفسه منتصراً “بقوته آو بقوة الآخرين”، إذ يقتل شعبه ويدمر بلده ويستعين بالصهاينة والأميركيين وأعداء وطنه وأمته وعقيدته التاريخيين ليكون ويحكم و.. و.. عليه أن ينظر إلي تجربة ومصير من ركب هذا المركب قبله، وإلى ما أوصل إليه بلده وشعبه بل وأمته كلها وما وصل إليه هو نفسه.. وها هي تجربة العراق الجريح الطويلة بالمتناول لمن يقرأ ويتقرى ويبصر ويتبصر، وهو البلد العربي الذي يستمر النزف فيه منذ سنوات وسنوات، فتزداد جراحه وتستشري الفوضى فيه وتكبر الفتنة ويراق على ضفتيها الدم؟!! ولا أظن أن أحداً لا يدرك عمق المصاب وإمكانية انتشار الفتنة وجنون الحرب وفداحة الخطب من موقع إلى آخر، في أرض العرب والمسلمين، إذا ما استمر الحال على ما هو عليه من إمكانية الانتشار والاستفحال، وإذا ما استمر الأميركي والصهيوني في قتل الأمة بآيدي أبناء الأمة وبأموالها ومن قواعد وأدوات في أواضيها، وتحت ذرائع تتكرر وتتجدد وتتعدد وتتلون مع وجود من يبيع نفسه للشيطان ليبقى في موقع أو ليبلغ موقعاً يتسلط فيه على الناس، ويمسك فيه برقاب العباد دون مخافة الله ودون أهلية أو دراية بما يقيم العدل ويبقي الحكم ويحيي خلق الله بمراعاة الأخلاق والقيم وما يأمر به شرع الله.
ليست كبيرة على سوريين يرتفعون بأنفسهم وبشعبهم ووطنهم إلى مستوى احترام المواطنة، والتضحية بالنفس في سبيل الله والوطن والشعب.. أن يحييوا شعبهم ويحموا وطنهم بالتنازل عن الغي والكبْر والعنجهية والقتل وعن الكثير من الأمور الصغيرة والصغائر التي تزلزل الكبار وتهوي بهم في مهاوي الردى، وتقف عوائق في دروب حقن الدماء وإنقاذ الوطن وصنع السلم وطمأنة الشعب وجعل سوريا وطناً لكل السوريين، بكرامة ومساواة وحرية واحترام وامن واطمئنان وعيش مشترك كريم.. فمن كان هذا هدفه السياسي والنضالي والجهادي والأخلاقي.. فليقترب من تحقيق هدفه بالحسنى والتقوى والعفة والعقل والحكمة والعلم، من دون أن تكون خطواته مثقلة بالدم من جراء السير في دروب الإجرام والإثم وتجريع الأبرياء السم، لكي يستحق أن يكون بطلاً ورمزاً بنظر شعبه العالم، ومواطناً في وطن هو سوريا الوطن الحضاري – الثقافي الثاني لكل إنسان في العالم بعد وطنه الأول، لأنها الوطن الذي أعطى البشرية، فيما أعطى، الأبجدية والاستقرار الحضَري الذي نشأت في ظله المدنية والحضارة الإنسانية.

إلى الأعلى