الخميس 12 ديسمبر 2019 م - ١٥ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / أحلام الجهورية تفند واقع المجتمع العُماني في القرنين (4-5هـ/ 10-11م) من خلال بعض مسائل “بيان الشرع”
أحلام الجهورية تفند واقع المجتمع العُماني في القرنين (4-5هـ/ 10-11م) من خلال بعض مسائل “بيان الشرع”

أحلام الجهورية تفند واقع المجتمع العُماني في القرنين (4-5هـ/ 10-11م) من خلال بعض مسائل “بيان الشرع”

مسقط ـ الوطن:
يأتي كتاب المجتمع العُماني في القرنين (4-5هـ/ 10-11م) من خلال بعض مسائل بيان الشرع لمحمد بن إبراهيم الكندي (ت: 508هـ/ 1115م)، للدكتورة أحلام بنت حمود الجهورية، والصادر عن الجمعية العمانية للكتاب والأدباء هذا العام والمتمثل في دراسة تاريخية، ليتتبع بعض المظاهر والصور الاجتماعية المتنوعة في المجتمع، ومنها: تصنيف فئات المجتمع العُماني بحسب ما أوردته الفتاوى والمسائل الفقهية. والتعرف على أهم القضايا الأسرية والنزاعات المجتمعية، بالإضافة إلى توضيح مكانة المرأة الاجتماعية ودورها الاقتصادي وحضورها العلمي في المجتمع. ورصد صور متنوعة من العادات والتقاليد في المجتمع العُماني في الفترة موضوع الدراسة.
اعتمدت الباحثة الجهورية على المنهج التاريخي التحليلي في تقسيم الدراسة تاريخياً، وتحليل الفتاوى والمسائل الفقهية، من خلال استقراء واحد وسبعين جزءًا من كتاب بيان الشرع. وقُسِّمت الدراسة إلى مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة، حيث تناولت المقدمة نبذة عن طبيعة الدراسة وأهميتها وأهدافها وتقسيماتها، وإطارها الزماني والمكاني، والمنهجية المستخدمة فيها.
تناول الفصل الأول حياة وعصر ومكانة الشيخ الفقيه محمد بن إبراهيم الكندي، ومناقشة أهمية كتاب بيان الشرع من خلال التعرف على آلية جمعه، ونسخ مخطوطاته، ومحتوى أجزائه وأهميته التاريخية والحضارية؛ أما الفصل الثاني فأوضح فئات المجتمع العُماني في ضوء الفتاوى والمسائل الفقهية، مع التركيز على أدوارها الاجتماعية. وخُصص الفصل الثالث للحديث عن الأُسرة والمجتمع، وتوضيح مكانة المرأة ودورها، ورصد صور متنوعة من العادات والتقاليد في: اللباس، والزينة، والأطعمة، والاحتفال، والترفيه والتداوي.
توصلت الدراسة إلى مجموعة من النتائج، منها: التأكيد على أهمية المصنفات الفقهية العُمانية في دراسة التاريخ العُماني بصفة عامة، ودراسة التاريخ الاجتماعي بصفة خاصة. وإبراز الأهمية التاريخية والحضارية لكتاب بيان الشرع بين المصنفات الفقهية العُمانية، والمكانة العلمية لمؤلفه الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي. كما بينت الدراسة فئات المجتمع في ضوء فتاوى بيان الشرع، موضحة أدوارها الاجتماعية. وكشفت عن أهم القضايا الأُسرية والمجتمعية. بالإضافة إلى إبراز مكانة المرأة ودورها في المجتمع. ورصدت التنوع في مظاهر التكافل الاجتماعي من خلال العناية ببعض الفئات المجتمعية، والمرافق العامّة. كما أوضحت الدراسة التنوع والثراء في عادات وتقاليد المجتمع العُماني. وتُوصي الدراسة بتوجيه البحث العلمي نحو دراسة تحليلية لكتب التراث العُماني بشكل عام، والتراث الفقهي بشكل خاص، من خلال تحقيق وطباعة الكثير من تلك الكتب التي لا تزال مخطوطة. تكتسي هذه الدراسة أهميتها من زاويتين: تكمن أولاها في طرحها لموضوع اجتماعي قليل الإضاءة في تاريخ عُمان خلال القرنين الرابع والخامس الهجريين، وهي حقبة دقيقة وبالغة التعقيد. أما الزاوية الثانية فتتجسّد في استنطاق وقائعها، وبناء مادتها التاريخية، اعتمادا على نصوص فتاوى حبّرها أحد العلماء المعروف بعلو كعبه في مجال الإفتاء، وهو محمد بن إبراهيم الكندي. وتزداد أهمية موضوع هذه الدراسة إذا وضعنا في الاعتبار أن التاريخ الاجتماعي يشكل خطابا معرفيا جديدا يقدّم فهما آخر للتاريخ، ويفتح أبوابا كانت موصدة أمام المؤرخين، ويسعى لسبر غور مواضيع دقيقة ومغيّبة، يؤدي استحضارها إلى تخصيب الدراسات التاريخية، وإزالة الغشاوة عن العديد من القضايا الاجتماعية التي يلفّها الالتباس والتعتيم. وإذا كان رواد مدرسة الحوليات الفرنسية من أمثال فرناند بروديل، وجاك لوجوف، ولوسيان فيبر وغيرهم قد خطوا خطوات عريضة في مجال التاريخ الاجتماعي، وسطّروا مشروعا ثقافيا كبيرا لاستنطاق الحياة اليومية للبشر، من خلال ما تزخر به أرشيفاتهم من وثائق غزيرة، وأنتجوا قراءة جديدة لتاريخهم الاجتماعي، فإن سقف المدونات التاريخية الإسلامية- بمحدوديتها- لا تسمح بقراءة من هذه الطينة، لأن مؤلفيها اهتموا بالحاكم دون المحكوم، حتى أن ابن خلدون رماهم بسهام نقده اللاذع فنعتهم ((بالتقليد والغفلة)). لذلك كان على الباحثين العرب المعاصرين في ظل هذا الفقر المصدري، أن ينفتحوا على مصادر بديلة، وفي طليعتها كتب الأحكام والمسائل والفتاوى الفقهية، باعتبارها نصّا متميزا يجيب عن العديد من نقاط الاستفهام التي يطرحها المؤرخ، ويفكّ شفرات العديد من الألغاز التي بقيت عالقة في مجال درس التاريخ الاجتماعي، ويملأ كثيرا من البياضات التي ظلت تشكّل بقعا مهملة في نسيج تاريخ المجتمعات الإسلامية.
ومن نافل القول أن البحث الجامعي، ساهم بتوظيفه لكتب المسائل والفتاوى أو ما يعرف بالنوازل بقسط وافر في سبك أسئلة بالغة التعقيد، كان سبر غورها وتجميع خيوط الأجوبة عنها رهنا بما تتيحه الفتاوى من إمكانيات التنقيب والاستكشاف، فأفلح في رفع الحجب عن كثير من القضايا المغمورة، بل بلغ إلى حدّ تجديد مسار البحث التاريخي، وإغنائه بالإضافات المعرفية التي أثرت جوانبه، وكشف خبايا التاريخ العميق، وفتح أوراش جديدة لقراءة التاريخ من الأسفل.
لقد تمكنت المؤلفة من خلال آلية الاشتغال المصدرية التي وظفتها، والمرتكزة على مسائل “بيان الشرع” للكندي، أن تسدّ بعض النقص الذي يعتري المادة المصدرية والأرشيفية لكتابة تاريخ المجتمع العُماني في العصر الإسلامي الوسيط، مما أعطى لدراستها طابع الأصالة. واستطاعت بفضل هذه الفتاوى أن تشخّص أهمّ معالم الحياة الاجتماعية في عُمان خلال القرنين الرابع والخامس الهجريين، بل تمكّنت من تغيير جغرافية مكان الوقائع التاريخية المألوفة في الحوليات التاريخية، فدخلت بفضل الفتاوى التي اعتمدتها إلى المزارع والأوراش الحرفية، وإلى الأسواق ومنازل العوام، وانتقلت من الحواضر إلى البوادي، وإلى مشاهد الجوائح الزراعية والنزاعات حول الماء، ومن المركز والعواصم إلى المناطق القاصية والمعزولة، ومن التاريخ الذكوري إلى التاريخ الأنثوي وعالم المرأة والأسرة، لتكشف عن دورها كفاعل حضاري مركزي على مستوى الاقتصاد والمجتمع والفكر.

إلى الأعلى