الخميس 18 يوليو 2019 م - ١٥ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / النزعة القومية كمحرك للصراعات الدولية.. نظرة استشرافية

النزعة القومية كمحرك للصراعات الدولية.. نظرة استشرافية

محمد بن سعيد الفطيسي

جادل الكثير من المنظرين في الغرب والشرق على أن التقدم التكنلوجي والحضاري وتطور وعي المجتمعات في ظل العولمة والثورة المعرفية والمعلوماتية سيساهم كثيرا في تراجع نزعة التطرف والتعصب والعنف القومي، والرغبة في الهيمنة والصراع بين الدول بناء على تلك المحفزات الأيديولوجية. ومن أمثلة أولئك المفكرين فرنسيس فوكوياما الذي يؤكد ذلك بقوله إن (الأساس القومي للإمبريالية والحروب ستهتز وتضعف متى ما نزعت مخالب القومية وأسبغ عليها ثوب الحداثة, وقبلت كل قومية أن تكون لها مكانة مساوية للقوميات الأخرى)(1)
إلا أن ما يتضح من خلال العديد من المعطيات الراهنة والمعاصرة, أن النزعة القومية ما زالت متجذرة بقوة في أعماق الشعوب وتوجهات الدول بالرغم من تقدم وعيها بمخاطر هذه النزعة وانعكاساتها على الأمن والاستقرار العالمي, وبمعنى آخر أن النزعة القومية لم تتراجع أبدا منذ إرساء مبادئ سيادة الدول. بل إن كل ما حصل هو أنها تلبست ثوبا معاصرا, يكسوه التقدم المعرفي والتكنولوجي. ما فاقم الأمر وجعله أكثر عنفا وتطرفا وخطورة عبر استغلال تلك الموارد الحديثة في تطوير النزعة القومية.
وكما يشير إلى ذلك ايرل تيلفورد من أن مصادر عدم الاستقرار في القرن الحادي والعشرين ستشتمل على العديد من المخاطر السياسية والاقتصادية, مثل (التفاوت الاقتصادي والصراعات العرقية والدينية والقومية وفشل الديموقراطية في بعض الدول, وسيكون النشاط الإجرامي – الذي يشمل تجارة المخدرات – أحد الأساليب المستخدمة لتعويض الفجوة الواضحة والمتسعة دوما بين الأغنياء والفقراء… كما أن الاستقرار الدولي سيواجه أيضا تحديا من الحركات الانفصالية والمتمردة. وسيكون الدافع في هذه الصراعات هو النزعة القومية والعرقية والمعتقدات الدينية, ويمكن أن تتجسد مشكلة تقع في ركن قصي من العالم في شكل حادثة إرهابية في أي مكان, وبهذا المفهوم فإن مستقبل أي منطقة في العالم سيحدد مستقبلنا جميعا, سواء كانت تلك المنطقة هي الشيشان أو فلسطين أو لبنان أو البلقان)(2).
وبتصوري يمكن التأكيد على تراجع المركزية الأميركية في النظام العالمي المتشكل واتجاه هذا الأخير إلى ما يطلق عليه بنظام حكم الكثرة. كذلك ارتفاع سقف الصراعات السياسية والجيوسياسية وما سيتبعها من مأزق خطير في توازن القوة. والقوى الدولية المتشكلة, وولادة ما يطلق عليه بالقوى المتمردة على النظام الدولي, وتوجه النظام العالمي المتشكل نحو صراعات وحروب يغلب عليها النزعة القومية والدينية, ما سيرفع من مخاوف تفتيت وتقسيم العديد من الدول نحو دويلات صغيرة ذات مصالح متضاربة, ما يمكن أن يرفع من سقف الصراعات بينها.
كذلك ومما يتوقع أن يؤثر على البيئة الأمنية خلال السنوات القادمة ذلك التحول المتسارع في جانب العولمة والتطورات التكنولوجية وثورة المعلومات, ما سيغير من طبيعة وشكل الدولة التقليدية إلى ما يطلق عليه بالدولة الافتراضية والمواطن العالمي, وما سيصاحب ذلك التغيير من شعور الأنظمة السياسية والحكومات بفقدان قدرتها على التحكم والسيطرة على بيئة سياسية وأمنية لا تخضع للجغرافيا السياسية بقدر ما تسيرها الجغرافيا الافتراضية.
بالتالي فإن (الضغوط المتولدة عن الاتساع في حجم إمكانيات الدولة في القوة القومية هي التي تستطيع أن تفسر لنا سر الديناميكية الهائلة التي تتميز بها العلاقات السياسية الدولية, كما أنها تكشف لنا عن طبيعة الأسباب التي تؤدي إلى حدوث العدوان ووقوع الحرب في المجتمع الدولي, ولعل هذا هو ما دعا الكثيرين من خبراء العلاقات الدولية إلى أن يجردوا هذه العلاقات ويردوها إلى حقيقة أساسية واحدة وهي أنها لا تخرج عن كونها صراعات قوى أو سياسات قوى ولا شيء غير ذلك)(3)
الأمر الذي يبدو معه أن (العالم من خلاله عائد إلى النظام التقليدي القائم على الدول القومية والسيادية. إلا أن فوضى النظام التقليدي كان بالمقارنة مستقرا. فقادة الأوطان كانوا عموما قادرين على التحكم بما يجري داخل حدود إدارتهم وعلى إلزام بلدانهم بتحالفات معينة بغية التصدي لقوة خصومهم. أما في عالم نظام – التعددية القطبية الفضفاضة وكذلك – نظام حكم الكثرة فثمة عددا أكبر بكثير من (الحبائل السائبة) المتروكة على الغارب (حرفيا ومجازيا) القادرة وحدها على أحداث الفوضى في النظام. ناسفة باستقرار الحكومات جنبا إلى جنب مع الترتيبات الخاصة بالسلام والأمن الدوليين) (4).

1- فرانسيس فوكوياما , نهاية التاريخ , ترجمة : حسين احمد امين , مركز الاهرام للترجمة والنشر , القاهرة / مصر ط1/1993م
2- ايرل تيلفورد , الحرب في القرن الحادي والعشرين , نقلا عن كتاب : هكذا يصنع المستقبل , مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية , ابوظبي/الامارات , ط1/2001م
3- محمد عزيز شكري . الاحلاف والتكتلات في السياسة العالمية , سلسلة عالم المعرفة , رقم (237) / 1978م
4- سيوم براون , وهم التحكم – القوة والسياسة الخارجية في القرن الحادي والعشرين , ترجمة فاضل جتكر , ظ1/2004م

إلى الأعلى