الخميس 18 يوليو 2019 م - ١٥ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / شراع: اكتمال مشهد “صفقة القرن”.. من يرفض فعليه أن ينتظر

شراع: اكتمال مشهد “صفقة القرن”.. من يرفض فعليه أن ينتظر

خميس التوبي

بإعادة فوز بنيامين نتنياهو رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي، وتغيير النظام في السودان بالانقلاب على الرئيس عمر البشير، والانتقال إلى دعم حفتر ضد حكومة الوفاق مع استمرار التدخل المشبوه لضعضعة استقرار الجزائر وإلحاقها بشقيقاتها من الدول المستهدفة وإسقاط أنظمتها، تكتمل صورة المشهد المراد والمخطط له منذ زمن للمنطقة لصالح كيان الاحتلال الإسرائيلي ليكون رأس حربة تمكين الدول الاستعمارية الامبريالية وفي مقدمتها الولايات المتحدة، حيث تبدو الصورة من المخطط أن يمكَّن الكيان الإسرائيلي الإرهابي العنصري من المنطقة بحيث تكون تحت وصايته وهيمنته، أو يكون ـ كما يسمى في العرف الاستعماري ـ مندوبًا ساميًا عليها من قبل الدول الاستعمارية، متضمنة هذه الصورة أمرين مهمين هما: الأول: أن يتحقق أمن كيان الاحتلال الإسرائيلي وبقاؤه في المنطقة من خلال تنصيبه شرطيًّا عليها آمرًا ناهيًا متدخلًا في كل تفاصيلها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والأمنية والثقافية، وراسمًا لها. والثاني: أن تبقى ثروات دول المنطقة وشعوبها ومقدراتها مسلوبة من قبل الدول الاستعمارية الامبريالية بحيث يتولى كيان الاحتلال الإسرائيلي تأمين استمرار ذلك عبر ضمان بقائه وتمكينه.
إن تحقق ذينك الأمرين سيُمكِّن الدول الاستعمارية الامبريالية من التفرغ لمتابعة الملفات الساخنة الأخرى في العالم والتي تمثل تهديدًا لعصر تسلطها وهيمنتها على مقدرات العالم وسيادة دوله، ما يعني أن الولايات المتحدة ومن معها من الدول الاستعمارية الحليفة ستتفرغ لمحاصرة الصين ولمعالجة ملف كوريا الشمالية، وكذلك لمحاصرة روسيا الاتحادية، بالإضافة إلى ملف الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
كان من الواضح منذ إطلاق شرارة “الحريق العربي” المسمى زورًا بـ”الربيع العربي” أن من موجبات تمكين كيان الاحتلال الإسرائيلي، ودعمه الكامل والمطلق لالتهام فلسطين كل فلسطين، بل وما جاورها، واستمرار الدول الاستعمارية الامبريالية وفي مقدمتها الولايات المتحدة في نهب ثروات المنطقة، هو إدخال دول المنطقة في أتون الفوضى والفتن الطائفية والإرهاب، وتشكيل جيوش من الإرهاب التكفيري، وإيجاد طابور خامس من أنظمة إقليمية لخدمة هذا المخطط، وهذا ما تمسكنا به منذ إطلاق شرارة حريق المسمى “الربيع العربي” ونبهنا إليه مرارًا وتكرارًا.
في قلب عاصفة المخطط الفوضوي الإرهابي الاستعماري الامبريالي أن يطاح بما تبقى من الدول العربية التي ترفض ما يسمى “صفقة القرن” وتدعم الشعب الفلسطيني ومقاومته، وتسقط حكوماتها للانتقال سريعًا إلى حصاد “الحريق العربي” الذي تمثل درة حصاده سيئة الذكر “صفقة القرن” التي أخذ كل من الحليفين الاستراتيجيين (الولايات المتحدة وكيان الاحتلال الإسرائيلي أعني) منذ الإعلان عنها إعلاميًّا التحرك نحو تطبيق مضمونها خطوة خطوة، كان أولها اعتراف الولايات المتحدة بالقدس المحتلة عاصمة لكيان الاحتلال الإسرائيلي، ونقل سفارتها إليها من تل أبيب، وإلغاء حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، وقطع الدعم عن وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) والعمل على إنهاء المنظمة والقضاء عليها، ثم الانتقال لاعتراف الولايات المتحدة بسياة كيان الاحتلال الإسرائيلي على مرتفعات الجولان السوري المحتل، ثم إعلان نتنياهو ضم الضفة الغربية إلى كيان الاحتلال الإسرائيلي، مع انتظار المزيد من الخطوات التي من المؤكد أنها ستترى بعد التدخل الأميركي والروسي والإقليمي لإعادة انتخاب نتنياهو.
صحيح أن الدول الاستعمارية الامبريالية دعمت أنظمة عديدة على اتباع سياسة الحكم غير الرشيد، وما أنتجه من فساد وطبقات فاسدة ومحسوبيات وتوزيع غير عادل للثروة وغير ذلك التي أساءت بصورة مباشرة إلى مواطني هذه الأنظمة، إلا أن هذه الأنظمة ـ للأسف الشديد ـ لم تنتبه إلى أن هذه السياسة سيكون لها تبعات مؤلمة، وثمن باهظ ستدفعه حين يحين وقته، فلم تستمع إلى نداءات مواطنيها وتجاهلتها عن عمد على النحو الذي نراه الآن بين ما تتعرض له من استهداف مباشر وإسقاطها وزعزعة بلادها وإدخالها في أتون الفوضى والعنف والإرهاب والخيانة والعمالة، وبين ما تتعرض له من ضغوط عليها أن تنفذها، وخصوصًا ما يتعلق بـ”صفقة القرن” وإلا سواطير الفوضى ورماحها جاهزة لقطع رأسها، في حين كان من واجباتها ومسؤولياتها الوطنية والأخلاقية تمتين اللحمة الداخلية، بالقضاء على الفساد، والتوزيع العادل للثروة، والانفتاح على مطالب المواطنين، وهو ما يعطيها الشرعية والقوة اللازمتين للصمود ومواجهة هجمات الاستهداف، وعدم ترك فرصة لوضعها في مواقف محرجة ومخجلة. لكن ورغم حالة هذا الوهن وزعزعة دول المنطقة وما تتعرض له حكوماتها من إسقاط وتهديد يبقى الأمل في المقاومة التي بإمكانها أن تضعد حدا للسياسات الامبريالية الاستعمارية الخادمة لمشروع الاحتلال الإسرائيلي، فهي وحدها القادرة على ردع المحتل والمستعمر معًا، وإفشال كل مشروعات الهيمنة والتصفية، وإيقاف مخطط تدمير الدول وإسقاط حكوماتها.

إلى الأعلى