الثلاثاء 23 يوليو 2019 م - ٢٠ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث: الحمامة المطوقة وحق الآخر في الحياة

في الحدث: الحمامة المطوقة وحق الآخر في الحياة

طارق أشقر

لعبت “الرمزية” في العرض العالمي الأول لباليه الحمامة المطوقة بدار الأوبرا السلطانية نهاية الأسبوع الماضي دورا أساسيا في التعبير عن محتوى وأفكار العرض التي تمكنت عبر فنيات العرض من تحفيز النشاط الذهني للمتلقي، بالقدر الذي يمكنه من استخلاص طيف من الدلالات جنبا إلى جنب الدلالة المقصودة والمرموز لها بشكل مباشر في العرض لترسيخها كقيمة إنسانية.
لقد تجسدت شخوص العرض في سرب من الحمام على رأسه “الحمامة المطوقة” ملكة السرب التي شكلت عنوان العرض، بالإضافة إلى غراب، وفأر، وسلحفاة، وغزال وغزالة وكليلة ودمنة ـ ابن آوى ـ وفراشة، وصياد من البشر. وفيما حرص الصياد كعادته على نشر الشباك التي تمكنت من القبض على سرب الحمام بكامله باستثناء ملكته التي استعانت بصديقها في حياتها البرية الفأر، حيث تمكن الأخير من تقطيع أوصال الشبكة بأسنانه بعد أن طار إليه السرب بالشبكة بكاملها، وأصبح حرا طليقا، فقد تكرر الموقف نفسه مع السلحفاة التي وقعت في الشرك لبطء حركتها، غير أن الصداقة التي جمعت بين شخوص الحياة البرية في العرض تمكنت من تحرير السلحفاة أيضا.
لقد تلخصت المدرسة الرمزية في هذا العرض في ترسيخ الدلالة المعلن عنها في حيثيات العرض، والمقصود تسليط الضوء عليها ألا وهي “قيمة الصداقة”، غير أن هناك طيفا آخر من الدلالات قد وجد طريقه إلى النشاط الذهني للمتلقي تمثل في تأكيد قيمة “حق الحياة للجميع”، وقيمة “استحقاق التقدير” لكل من ينجز، وقيمة “الذكاء الاجتماعي” و”السعي نحو الكمال”، فضلا عن قيمة “عدم الاستكانة والاستسلام” كيفما كانت الصعاب.
لقد كان التركيز على أهمية الصداقة وإمكانية الاستعانة بالأصدقاء عند الحاجة واضحة المعالم في كافة حيثيات العرض، غير أن الأسمى في المحتوى والصورة معا هو أن مفهوم الصداقة التي يبدو أن العرض سعى لترسيخها خالية من مواصفات صداقة عالم اليوم القائمة على تبادل المنافع، بل هي صداقة قام فيها الفأر الصديق بتحرير سرب الحمام دون مفاوضة مسبقة حول ما سيجنيه بعد التحرير، في حين أن أجمل ما شاهده المتلقي حول نتاج موقف الفأر الشهم هو الاحتفالية التي حظي بها من جانب الحمام وهن يتراقصن حوله فرحات بشجاعته ومروءته، وهنا تبينت قيمة “استحقاق التقدير” لمن أنجز.
أما قيمة “حق الحياة للجميع” وهي القيمة الأهم في تقديري، فقد كانت واضحة في كل حركة من حركات شخوص العرض بدءا من سلوك التربص والتخفي، ونشر الشباك التي قام بها الإنسان؛ أي الصياد الذي يسعى في الحصول على قوت يومه وإطعام نفسه من الطيور والأنعام، سواء كانت حمائم أو غزلانا أو غيرها، وهو حق محفوظ له، غير أنه ينبغي أن يكون في إطار من مراعاة أهمية التوازن البيئي والاتزان في الصيد والالتزام بقوانينه ومحدداته لضمان الاستدامة البيئية.
وفي سياق حق الآخر في الحياة، فقد تم تجسيد الحق نفسه في سعي سرب الحمام الذي أصر على أن يطير بالشبكة بكاملها حتى وصل إلى مكان الفأر الذي حررهن بقضم خيوط الشبكة، مؤكداتن بذلك أيضا على قيمة أخرى وهي “عدم الاستكانة والاستسلام” كيفما كانت الصعاب، في حين أن الصعاب نفسها واجهت السلحفاة لبطء حركته مما أوقعه في الشرك، إلا أن حرصه على حقه في الحياة ساعده على الصمود داخل قوقعة صدفته مقاوما الصياد حتى تمكن أصدقاؤه من إنقاذه.
أما الذكاء الاجتماعي والسعي نحو الكمال، فقد جسدهما سلوك الغراب في العرض فكان حريصا على كسب ود جميع شخوص العرض طالبا القرب منهم وصداقتهم، وكأنه يخشى من أن يتعرض في يوم ما إلى ما تعرض له سرب الحمام بسبب تربص الصياد، وهذا في حد ذاته تأكيد على أن التفكير في المستقبل يقتضي التخطيط المسبق والاستفادة من جميع الإمكانات المحيطة والمتاحة دون تعدٍّ على حق الآخرين في الحياة.

إلى الأعلى