الخميس 25 أبريل 2019 م - ١٩ شعبان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / عن رسائل الجزائر الأخيرة

عن رسائل الجزائر الأخيرة

كاظم الموسوي

ودع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الرئاسة، برسالة سلمها إلى رئيس المجلس الدستوري، وأذاع الفريق أحمد قايد صالح رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي ونائب وزير الدفاع رسالة موقف ومسار وربما إشارة منظمة للمرحلة القادمة.. والشارع والإعلام ينقل رسائل متواصلة مع الحدث، أغلبها مطالبة بالتغيير والتجديد.. وكلها رسائل مهمة وقد تكون خطيرة في ظروف وأوضاع الجزائر وما يتربص بها..
تأخر الرئيس بوتفليقة كثيرا في قراره كما تأخرت قيادة الأركان.. المتغيرات حول الجزائر كثيرة ومتوازية، والضغوط ليست قليلة والأخطار لم تكن نائمة.. ورغمها فإن ما يأتي ليس سهلا ولا هينا في الحفاظ على الثوابت والتقدم إلى الأمام في بناء مرحلة ما بعد الرئيس المستقيل، وفرز التدخلات والتداخلات المكشوفة والمعلنة وما خفي منها.
أبلغ الرئيس بوتفليقة رسميا رئيس المجلس الدستوري قرار إنهاء عهدته بصفته رئيسا للجمهورية، وذلك اعتبارا من تاريخ 2 نيسان/أبريل 2019، بحسب ما أفاد به بيان للرئاسة الجزائرية، وعرضته صور تلفزيونية ناطقة بقرار الاستقالة. وتضمنت الرسالة الرسمية الأخيرة للرئيس، رسالة الوداع لمسيرة عشرين عاما من الحكم، إشارات تتطلب الانتباه لها ولما وراء سطورها.
أكد فيها: إن قصدي من اتخاذي هذا القرار إيمانا واحتسابا، هو الإسهام في تهدئة نفوس مواطني وعقولهم لكي يتأتى لهم الانتقال جماعيا بالجزائر إلى المستقبل الأفضل الذي يطمحون إليه طموحا مشروعا.
وأضاف: لقد أقدمت على هذا القرار، حرصا مني على تفادي ودرء المهاترات اللفظية التي تشوب، ويا للأسف، الوضع الراهن، واجتناب أن تتحول إلى انزلاقات وخيمة المغبة على ضمان حماية الأشخاص والممتلكات، الذي يظل من الاختصاصات الجوهرية للدولة.
ووضح: إن قراري هذا يأتي تعبيرا عن إيماني بجزائر عزيزة كريمة تتبوأ منزلتها وتضطلع بكل مسؤولياتها في حظيرة الأمم.
لقد اتخذت، في هذا المنظور، الإجراءات المواتية، عملا بصلاحياتي الدستورية، وفق ما تقتضيه ديمومة الدولة وسلامة سير مؤسساتها أثناء الفترة الانتقالية التي ستفضي إلى انتخاب الرئيس الجديد للجمهورية.
وختمها بتأكيد وشهادة عن مرحلة وإشارة لمرحلة جديدة تستمد تطورها من مفرداتها وبناء المرحلة لما يخدم مصالح العباد والبلاد؛
يشهد الله جل جلاله على ما صدر مني من مبادرات وأعمال وجهود وتضحيات بذلتها لكي أكون في مستوى الثقة التي حباني بها أبناء وطني وبناته، إذ سعيت ما وسعني السعي من أجل تعزيز دعائم الوحدة الوطنية واستقلال وطننا المفدى وتنميته، وتحقيق المصالحة فيما بيننا ومع هويتنا وتاريخنا.
وآخر كلماتها تمنيات: أتمنى الخير، كل الخير، للشعب الجزائري الأبي”.
من جهته طلب رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي الفريق أحمد قايد صالح “التطبيق الفوري” للحل الدستوري، كبادرة خير وأمل للخروج من الأزمة، معتبرا أن هذه المبادرة التي قدمها الجيش الوطني الشعبي، انطلاقا من إحساسه بالمسؤولية التاريخية تجاه الشعب والوطن، لكن مع الأسف الشديد قوبل هذا المسعى بالتماطل والتعنت، بل والتحايل من قبل أشخاص يعملون على إطالة عمر الأزمة وتعقيدها، والذين لا يهمهم سوى الحفاظ على مصالحهم الشخصية الضيقة غير مكترثين بمصالح الشعب وبمصير الجزائر.
وبعد أن ترأس اجتماعا بمقر أركان الجيش الوطني الشعبي، ضم كلا من قادة القوات وقادة النواحي العسكرية والأمين العام لوزارة الدفاع الوطني ورئيسي دائرتي أركان الجيش الوطني الشعبي، في إطار متابعة التطورات المرتبطة بالاقتراح الذي تقدم به الجيش الوطني الشعبي الرامي إلى تفعيل المواد 7 و8 و102 من الدستور. أكد الفريق رئيس الأركان أنه تابع عن كثب تلك المسيرات السلمية، التي خرج فيها الشعب الجزائري رافعا مطالب مشروعة، وأشاد بالسلوك الحضاري والمستوى الراقي للوعي والنضج الذي أبانه الشعب الجزائري، طيلة هذه المسيرات، معبرا عن تأييده التام لمطالب الشعب وتطلعاته المشروعة، انطلاقا من قناعته النابعة من تمسكه بالشرعية الدستورية، وأن الشعب هو المصدر الوحيد والأوحد للسلطة.
كما ذكّر بمختلف مساعي الجيش الوطني الشعبي لإيجاد حل للأزمة منذ بداية المسيرات، حيث أكد بتاريخ 18 آذار/مارس على ضرورة إيجاد حل لهذه الأزمة في أقرب الآجال، وأن هناك حلا، بل حلولا لهذه المعضلة، شريطة أن تندرج في الإطار الدستوري، لكن وأمام عدم الاستجابة لهذا المسعى، ونظرا لإدراكه العميق بحساسية الوضع، تطرق مرة أخرى بتاريخ 26 آذار/مارس، وأكد على ضرورة إيجاد حل للخروج من الأزمة حالا وقدم اقتراح تفعيل المادة 102 من الدستور، كحل يندرج حصرا في الإطار الدستوري، الذي يعد الضمانة الوحيدة للحفاظ على وضع سياسي مستقر.
وكانت المحطة الأخيرة هي اجتماع مقر أركان الجيش الوطني الشعبي، يوم 2 نيسان/أبريل 2019، ومعه تصريح الفريق: “لقد أكدت في العديد من المرات على أنني بصفتي مجاهد كافحت بالأمس المستعمر الغاشم وعايشت معاناة الشعب في تلك الفترة العصيبة، لا يمكنني السكوت عن ما يحاك ضد هذا الشعب من مؤامرات ودسائس دنيئة من طرف عصابة امتهنت الغش والتدليس والخداع، ومن أجل ذلك فأنا في صفه وإلى جانبه في السراء والضراء، كما كنت بالأمس، وأتعهد أمام الله والوطن والشعب أنني لن أدخر جهدا في سبيل ذلك، مهما كلفني الأمر”.
كلمات التصريح مع ما وراء السطور في رسالة الوداع يتبين المشهد السياسي، وما وراء الرسائل الأخيرة يشرح دور ومساعي الجيش، التي أضاف الفريق لها، أن الشعب الجزائري بارك هذه المساعي وثمن حرص الجيش الوطني الشعبي على إيجاد حل دستوري للأزمة في أقرب الآجال.
أين الأزمة؟ وهل مختصرها في موقع الرئاسة أم أنها أبعد من ذلك؟ ومن حفز الحراك الشعبي؟ كيف تطورت الشعارات المطلبية؟ ولماذا؟
الحراك الشعبي السلمي الحضاري نجح في الضغط على انتهاء مرحلة، ودعا إلى استمرار وضرورة التجديد والتغيير، وهو ما يؤشر لخطوات المرحلة الجديدة، بعد بوتفليقة. لكن كيف ستكون؟ انتقالية دستورية أم توافقية ثورية؟ حكم الجيش أم فوضى الشارع؟ هنا توضع التجربة التاريخية لثورة المليون ونصف شهيد والعشرية السوداء، وتجارب البلدان الشقيقة الأخيرة، وتكون ماثلة وذات عبرة ودرس واعتبار..
من سيقود الجزائر بعد الاستقالة واجتماع القيادات العسكرية؟ واجتماعات قيادات معارضة سياسية؟ وتصريحات متعددة من جهات متنوعة، واستمرار الحراك الشعبي في الشارع؟ إن المهمة ليست يسيرة، وإن الاستراتيجية الوطنية التي تؤمن الأمن والاستقرار والتقدم والازدهار للجزائر، والعقل والحوار الوطني ورؤية المصالح الشعبية تظل المفتاح لمستقبل أفضل للجزائر العربية الديمقراطية الشعبية، لجزائر عزيزة كريمة فعلا.

إلى الأعلى