الثلاثاء 23 يوليو 2019 م - ٢٠ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / العرب والعنصرية وحسن السمعة

العرب والعنصرية وحسن السمعة

محمد عبد الصادق

في كأس العالم 2006م التي أقيمت بألمانيا فوجئنا بلاعب غاني اسمه “جون بانتسيل” يرفع العلم الإسرائيلي احتفالا بهدفي فريقه في مرمى المنتخب التشيكي, وعرفنا وقتها أنه يلعب في الدوري الإسرائيلي، وأنه أحد مخرجات الأكاديمية الإسرائيلية في غانا التي ترعى المواهب الإفريقية الفقيرة منذ سن صغيرة وتوفر لهم الإمكانيات المادية والتدريبية, ومن ثم تلحقهم بالأندية العبرية عندما يكبرون مع وعد بتسويقهم في الدول الأوروبية في حالة التألق, ويظل هؤلاء اللاعبون يدينون بالولاء والفضل لإسرائيل الذين فتحوا أعينهم فوجدوا أعلامها ترفرف فوق ملاعبهم وأموالها تملأ جيوب أسرهم.
تذكرت تلك الحادثة وأنا أتابع خبر الفيديو المسيء الذي احتوى على هتافات عنصرية ضد اللاعب المصري الخلوق محمد صلاح من قبل بعض المتعصبين من مشجعي نادي تشيلسي الإنجليزي الذي لعب له صلاح من قبل, ويظهر في الفيديو مجموعة من الشباب الموتورين “يسكرون” في إحدى الحانات ويرددون كلمات أغنية تنعت صلاح بالإرهابي والهمجي والمفجر قبل أيام قليلة من لقاء ناديهم مع فريق ليفربول الذي يلعب له النجم المصري الشهير, وانتشر الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، وللأسف وجد مشاركات واستحسانا كبيرا من الجماهير الإنجليزية المتعصبة ضد العرب والمسلمين, في مقابل نسبة خجولة من الإدانة والاستهجان ربما تكون من جماهير ليفربول الذي يلعب له أبو صلاح.
رغم حالة المساندة القوية لصلاح من قبل إدارات الأندية واتحاد الكرة الإنجليزي والأوروبي والدولي, ومعاقبة المتورطين في الفيديو ومنعهم من دخول المباريات, إلا أن الحادثة تركت مرارة كبيرة لدى اللاعب الموهوب، وتجلى ذلك في احتفاله أول أمس عقب إحرازه هدفا في شباك تشيلسي؛ عندما تقمص شخصية الناسك الهندي الذي يمارس اليوجا؛ في إشارة لصبره على مثل هذه الممارسات العنصرية.
ولكن علينا أن نعترف بالواقع المرير، وهو أن السمعة السيئة التصقت بالعرب والمسلمين في الغرب نتيجة الأفعال والممارسات الشاذة لقلة منا اعتنقت الأفكار المتطرفة التي أساءت للإسلام، وألصقت بنا تهمة الإرهاب والتفجير والتكفير.
نجحت إسرائيل رغم ممارستها العنصرية ضد الفلسطينيين؛ في تسويق نفسها أمام العالم كواحة للحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وقلعة للتعليم والتنمية البشرية والبحث العلمي بوجود جامعاتها ومعاهدها البحثية في صدارة التصنيف الدولي للجامعات (حتى لو كانت تجري داخل معاملها في السر أبحاثا للقضاء على البشرية).
رغم امتلاكنا الإمكانيات ووجود نماذج ووجوه عربية وإسلامية مشرفة، إلا أننا فشلنا معركة العلاقات العامة وتحسين السمعة أمام الرأي العام العالمي الذي تفوق فيها الكيان الصهيوني؛ فشلنا في تقديم الوجه الحقيقي للإسلام الذي يدعو للسلام والمحبة والتسامح وقبول الآخر.
إسرائيل دولة متواضعة في لعبة كرة القدم وليس لديها لاعب مثل محمد صلاح, ولكنها أرسلت أعلامها لترفرف في فوق الملاعب الأوروبية واستقدمت ميسي وغيره وكبار نجوم الكرة العالمية ليكونوا ضيوفا دائمين على الأراضي الإسرائيلية, ونجحت في تمتين علاقتها بإفريقيا عن طريق رعاية اللاعبين الأفارقة والظهور بمظهر المكافح للعنصرية والتمييز على أساس اللون.
بينما نحن العرب والمسلمين غارقين في حروبنا وثوراتنا وخلافاتنا العبثية التي أدت ببعض الدول العربية الغنية لدفع ملايين الدولارات واليوروهات لشركات العلاقات العامة ومراكز الأبحاث الغربية ومحطات التليفزيون والجرائد والمجلات الأوروبية والأميركية لإلصاق تهمة الإرهاب ببعضنا بعضا في اعتراف صريح بأننا كلنا إرهابيون.
عندما فتحت أوروبا أبوابها أمام المهاجرين العرب والمسلمين الفارين من بلدانهم نتيجة الحروب والفقر والنزاعات في القرن الماضي والعشرينية الأولى من القرن الحالي, برز من بينهم متطرفون رفضوا الاندماج في المجتمعات التي استضافتهم، وكفلت لهم سبل العيش الكريم وحرية العبادة, ولكنهم أرادوا فرض ثقافتهم وأسلوب حياتهم على تلك البلاد, فوصل الأمر ببعضهم لترك المساجد فارغة وقطع الطريق وافتراش شوارع لندن وباريس وبروكسل لأداء صلاة الجمعة أمام المساجد غير عابئين بحرية الآخرين, ولا مراعين لمصالح وشعور مواطني تلك البلاد المختلفين في الثقافة والدين, وغير مضطرين لاستيعاب مثل هذه التصرفات التي تحظرها كثير من الدول التي جاء منها هؤلاء المهاجرون.
تشتكي معظم الدول العربية من قلة الاستثمارات الأجنبية وتراجع عدد السياح, وهما مصدران مهمان للدخل القومي, والحقيقة أن منطقتنا لم تعد من المناطق الجاذبة مقارنة بمناطق أخرى أكثر هدوءا وأحسن سمعة في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية, ربما لا تمتلك المقومات الطبيعية والمادية التي نملكها, ولكنهم نجحوا في اختبار حسن السمعة بالتحضر والتسامح والتعايش مع الآخر.

إلى الأعلى