الجمعة 19 أبريل 2019 م - ١٣ شعبان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن: معركة الكرامة متواصلة

رأي الوطن: معركة الكرامة متواصلة

يزدحم المشهد في فلسطين المحتلة بالكثير من المتناقضات التي تعكس ازدواجية المعايير وسياسة الكيل بمكيالين، فإذا أصيب أحد عصابات المستوطنين تقوم الدنيا ولا تقعد من تل أبيب إلى واشنطن إلى نيويورك حيث مجلس الأمن الدولي الذي يجب عليه أن يعقد جلسة خاصة من أجل النظر في إمكانية معاقبة المتسبب في الإصابة، أما إذا تعرض شعب بأكمله للإبادة (كما هو حال الشعب الفلسطيني) وتناوبت عليه أدواتها، تارة بالطيران الحربي، وتارة بالدبابات والمدافع، وتارة بالإعدامات الميدانية، وتارة بالحصار والتجويع، فعلى جميع المنظمات الدولية والحقوقية والعواصم الغربية والعربية والإقليمية أن تلزم الصمت، وأن لا تبدي أي موقف ولو خجولًا في شكله وجوهره، ولا يردع عدوانًا ولا يمنع قذيفة أو صاروخًا أو رصاصًا من العدو الإسرائيلي.
هذه الصورة المخزية والمؤلمة والتي يندى لها جبين الإنسانية تتبدى في أقذر صورها وألوانها، حيث يُنظر إلى الضحية وهو الشعب الفلسطيني الأعزل والمسلوب الحقوق على أنه هو المعتدي، في حين الجلاد هو المظلوم والمعتدى عليه، وتحجز هذه الصورة أحد مشاهدها الحالكة من الظلم والإجرام وجرائم الحرب وسائر الموبقات التي يرتكبها كيان الاحتلال الإسرائيلي بحق الإنسانية والبشرية، والتي لا تعبِّر إلا عن الطبيعة العدوانية والمتوحشة، والفطرة الشاذة لهذا الكيان الغاصب، هذا المشهد المتمثل في الجريمة الإسرائيلية بحق الأسرى الفلسطينيين الذين تعج بهم سجون الاحتلال الإسرائيلي، حيث انتهاكات حقوق هؤلاء الأسرى تتواصل دون هوادة، الأمر الذي دفعهم إلى إعلان “معركة الكرامة” التي من خلالها يواصل هؤلاء الأسرى المنتهكة حقوقهم والمسلوبة إرادتهم إضرابهم عن الطعام احتجاجًا على الإجراءات الإسرائيلية القمعية ضدهم.
إن هذه المعركة التي يخوضها الأسرى الفلسطينيون وهي المعركة الثانية والتي بدأوها الاثنين الماضي، بعد فشل الحوارات مع إدارة السجون؛ بسبب تعنتها في الاستجابة لمطالبهم، هي معركة بطولية بامتياز، خصوصًا وأنها تأتي في وقت تتكالب فيه القوى المعادية للشعب الفلسطيني ولشعوب المنطقة على مقدرات المنطقة وثرواتها وسيادتها واستقلالها لصالح كيان الاحتلال الإسرائيلي، وتتزامن مع ما تروج له الولايات المتحدة عبر إدارتها الجمهورية بقيادة دونالد ترامب من مشروعات لا يمكن وصفها إلا بأنها تصفوية والتي أطلقت عليها اسم “صفقة القرن”، والتي لا تتضمن ـ حسب الإعلام الأميركي الذي نقل تسريبات عن حقيقة هذه الصفقة ـ دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة، وإنما تتضمن مسعى تحسين الوضع الاقتصادي والمعيشي. لذلك، فإن تصفية مفهوم الدولة الفلسطينية متضمنة تصفية أساسها وهو الشعب الفلسطيني، الذي يعد الأسرى أحد مكوناته، وجزءًا من معركة هذا الشعب.
وحسب مركز أسرى فلسطين للدراسات في بيان له ـ نقلته وسائل إعلام مختلفة ـ فإنه “تجري جلسة مصيرية ومهمة للاستماع إلى رد سلطات الاحتلال ومندوب الشاباك، على مطالب الأسرى التي لا تزال عالقة”، موضحًا (المركز) أن “الاحتلال يتلاعب بالتفاصيل”، ومشيرًا إلى أن “القضية الأصعب التي تعيق التوصل لاتفاق، هي تركيب هاتف عمومي في السجون ليتواصل الأسرى مع ذويهم، حيث وافق الاحتلال من حيث المبدأ على هذا الأمر، لكنه عاد وبدأ يماطل عند الحديث عن التفاصيل المتعلقة بالوقت المخصص للحديث والأشخاص المسموح التواصل معهم”.
والمتابع لتفاصيل هذه المعركة وحيثياتها لا بد من إصابته بالدهشة من المستوى المشين والأسلوب الوقح في التعامل مع الأسرى ليصل الأمر إلى درجة حرمانهم من أبسط حقوقهم وهو التواصل مع ذويهم للاطمئنان عليهم، وهو ما يخفي نيات إسرائيلية خبيثة مبيتة تجاه هؤلاء الأسرى، تستدعي منع هذا التواصل حتى لا يطلع ذوو هؤلاء الأسرى على طبيعة الانتهاكات، بل حتى على مصيرهم.
إنها جريمة في جبين الدول التي تدَّعي الديمقراطية وتدافع عن كيان يمارس إرهاب دولة وعنصرية مقيتة، وتصفه بأنه الكيان الديمقراطي الأوحد في المنطقة.

إلى الأعلى