الإثنين 19 أغسطس 2019 م - ١٧ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

(دروس وعـبر مـن بـعـض آي السـور) (9)

الحـمدلله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلـين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمـين، وعـلى آلـه وأصـحابه أجـمعـين وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين .. وبـعـد.
فـلا زال الحـديـث مـوصـولاً:(دروس وعـبر مـن بـعـض أي الـسور)، يـقـول الله تعالى:(إِنَّ هَـٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (الإسـراء ـ 9)، قال تعالى:(وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ) (الـضحى ـ 7)، أن حـقـيقـة الضـلال في قـوله تعالى:(وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ)، هـو الـتحـير فـيـمـا عـلـيه قـومـه مـن الـضـلال في الـعـمـل والـسـلـوك، والآيـة لا تـناقـض قـوله تعالى: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ)، فـقـد كان ضـلال رسـول الله (صلى الله عـلـيه وسـلم)، لـيـس ضـلال عـقـيـدة وسـلـوك وإنما كان ضـلال تحـير وتـفـكـر مـما يـرى عـلـيه قـومه مـن الـمـتـناقـضات مـن عـبـادة غـير الله، والاعـتقـاد بانـهـا تضـر وتـنـفـع.
والحـقـيـقـة عـاجـزة عـن نفـع نـفـسـهـا والـدفـاع عـن نـفـسـهـا إذا مـا أصـيبـت بـعـطـب، لـذلك هـو يحـبب إلـيه الخـلاء بـعـيـداً عـما عـلـيه قـومه مـن عـبـادة غـير الله والـطـقـوس يأكـل الـقـوي الـضـعـيـف، وأكـل مـا لـم يـذكـر اسـم الله عـلـيه، فهـو لـم يـشارك قـومه في شيء مـن تلك الـفـواحـش، ولا في شئ مـن تلك الطـقـوس.
ولـقـد كان رسـول الله (صـلى الله عـلـيه وسـلـم) حـبـب إلـيه الخـلـوة ، بـعـيـداً عـن والـوسـط الـقـومي لآهـل مـكـة ، فـكان في أول عـمـره يـرعى الـغـنم بـقـراريـط لأهـل مـكـة، وكان قـبـل الـنـبـوة يخـلـو في غـار حـراء الأيـام والأسـابـيـع، حـتى أكـرمه الله تعـالى بـنـزول الـوحي عـلـيه وهـو في غـار حـراء.
وعـن أم الـمـؤمنـين عـائشـة بن أبي بـكـر الصـديـق ـ رضي الله عـنهـما ـ قالت: أول ما بــديء بـه رسـول الله (صـلى الله عـلـيه وسـلـم) مـن الـوحي ، الـرؤيا الصالحة في الـنـوم ، فـكان لا يـرى رؤيا إلا جـاءت مـثـل فـلـق الصـبـح، ثـم حـبـب إلـيـه الخـلاء، وكان يخـلـو بـغـار حـراء يـتحـنـث فـيه،(وهـو الـتـعـبـد) للـيالي ذوات الـعــدد قـبـل أن ينـزع إلى أهـله ويـتـزود لـذلك، ثـم يـرجـع إلى خـديجة فـيـتزود لـمـثـلها، حـتى جـاءه الحـق وهـو في غـار حـراء ، فجـاءه الـمـلك جـبريـل ـ عـلـيه السـلام ـ فـقال لـه: اقـرأ، قال: ما أنـا بـقـارئ، قال: فـأخـذني فـغـطـني حـتى بـلـغ مـني الجـهـد ثـم أرسـلـني، فـقال: اقـرأ، قـلـت: ما أنا بقـارئ فأخـذني فـغـطـني الـثـانية حـتى بـلـغ منـي الجهـد ثـم أرسـلـني، فـقال: اقـرا، فـقـلت ما أنا بـقـارئ فـأخـذني فـغـطـني الـثـالـثة ثـم أرسـلـني، فـقال:(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (العـلـق 1 ـ 5) (أخـرجه البخاري، حـديث:(3 ج 1، ص 4).
لـقـد كان كـل مـن الـملـك جـبريـل ـ عـلـيه الـسلام ـ والـرسـول (صـلى الله عـلـيه وسـلـم) مـنـطـقـياً في قـول كل مـنهـما، فـجـبريـل كان يـقـول له اقـرأ لأن جـبريـل مـن واقـع الـرسـالة التي جـاء بـهـا إلى الـنبي (صـلى الله عـلـيه وسـلـم)، بأنـه سـيـقـرأ لا مـن واقـع تعـلـيم الـبشـر، والـرسـول محمـد (صـلى الله عـلـيه وسـلـم)، لأنـه لـم يـتـعـلـم الـقـراءة ولا الـكـتـابة، فـهـو كـذلـك منـطـقي في قـوله قال تعـالى:(سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ) (الأعـلى ـ 6)، وقال أيـضاً:(وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ) (يس ـ 69)، كـما عـلـمه بأن ما عـلـيه الـيـهـود والـنـصارى مـن الـضلال فـالــديـن الـذي عـلـيه الـيهـود والـنـصـارى لا يـمـثـل ديـن الـفـطـرة، الــذي أرادهـم الله عـلـيه، لأنهـم قــد ألـهـوا خـلـق الله فألهــت الـيـهـود (عـزيـراً)، قال الله تعالى:(وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّـهِ ..) (الـتـوبة ـ 30)، وألهـت الـنـصـارى (الـمسـيح عـيسى بن مـريـم ـ عـلـيـهـما السـلام)، قال الله تعالى:(وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّـهِ ..) (الـتـوبة ـ 30)، ثـم عـقـب الله عـلى الجـمـيـع بـقـوله:(.. ذلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّـهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُون) (الـتـوبة ـ 30).
فـبـدلـوا وغـيروا ما أنـزل الله مـن شـريـعـة ودين فـتحـير في أمـره، مـاذا يـصنـع مـع قـومه، وكـيـف يـرشـدهـم؟، وكـيـف يـهـديهـم إلى سـواء الـصـراط؟ ومـن أين يـبـدأ وبـمـاذا يـبـدأ؟، وماذا يـقـول لهـم؟، هــذه هي الحـيرة الكـبرى التي عـاشـها النبي (صـلى الله عـلـيه وسـلـم) ورآهـا خـلال أربعـين عـاماً.
ولـم يـكـن مـتحـيراً في عـبادته لله تـعالى، ولا كان يـشـك بان الله هـو أكـرمـه وهـداه للـتـحـنـث، وهـو الـذي حـبب إلـيـه الخـلـوة، وإنـمـا حـيرته في الـكـثرة الـكاثـرة مـن الـبـشـر الضالـين عـن سـواء السـبـيـل، فـلا يـكاد يـرى فـيـما تـراه عـيـناه مهـتـدياً لا مـن العـرب الـذين يـزعـمـون أنهـم عـلى مـلة إبـراهـيـم ـ عـلـيه السـلام ـ ولا مـن الـيهـود الـذين لـعـنـهـم الله وادعـو بأنـهـم عـلى شـريـعـة مـوسى بن عـمـران ـ عـلـيه السلام ـ ولا مـن الـنـصـارى الـضـالـين الــذين كانـوا يــزعـمـون أنهـم عـلى شـريـعـة الـنـبي عـيـسى ـ عـلـيـه السلام.
..وللحـديث بـقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى