الأحد 18 أغسطس 2019 م - ١٦ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / دعوا شعاراتكم وفروا إلى العمق الإفريقي
دعوا شعاراتكم وفروا إلى العمق الإفريقي

دعوا شعاراتكم وفروا إلى العمق الإفريقي

قبل خمسينيات القرن الماضي كانت دول العمق الإفريقي مثل: إثيوبيا وغينيا ورواندا وبروندي وساحل العاج وكينيا والجابون تعيش في حالة اقتصادية سيئة، وشعوبها من أفقر شعوب العالم، وأنظمتها السياسية ضعيفة بسبب عقود من الاستعمار والفساد والاستبداد وسوء الحكم والإدارة، وكان يقتلها الفقر والتخلف والحروب العرقية، وكانت تحاول اللحاق ببعض دول الشمال الإفريقي؛ وتحلم بالانضمام لها، حتى كان الأفارقة يلقبون الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي بـ”ملك إفريقيا” نظرا لقربه من أنظمة وعائلات وقبائل إفريقيا؛ أما الآن فقد تغير الحال وأصبحت دول العمق الإفريقي إفريقيا حديث العالم مرة أخرى بسبب النمو الاقتصادي الذي تشهده دول القارة السمراء، والتي وصلت لمراحل متقدمة من النمو الاقتصادي؛ فيما بقيت دول الشمال الإفريقي (العربية) تبحث عن الحرية والعيش والكرامة، وبقيت رهينة لعدم صم الأذن أو إغماض العينين التي تفضى إلى استمرار عقود الظلام.
الفروق أصبحت واسعة بين دول الشمال الإفريقي والعديد من دول عمق القارة التي تخلصت من الاضطرابات والصراع على الحكم، وتبنت برامج اقتصادية وتنموية انعكست بالإيجاب على مواطنيها.
تعد غينيا نموذجا وواحدة من تلك الدول التي ارتفع فيها النمو الاقتصادي، عقب التحول الذي شهدته بعد انتخابات ديسمبر 2010م، وهي أول انتخابات ديمقراطية حقيقية، فكانت مثلها مثل باقي معظم دول القارة، اقتصادها سيئ، وشعبها فقير، ونظامها السياسي ضعيف، بحسب وصف الرئيس الغيني ألفا كوندي في أحد مقالاته؛ ولم تكن تلك الحالة مبررة على الإطلاق، فغينيا تمتلك ثروة معدنية هائلة، وأكبر احتياطيات على مستوى العالم من خام البوكسيت، وبعضا من أعلى ركاز خام الحديد درجة.
وكان الرئيس الغيني يرى أنه كي يعود النفع على جميع أبناء الشعب، وليس فقط على قِلة من شركات التعدين الدولية والساسة المجردين من المبادئ، فإن الأمر يتطلب التصدي للفساد الذي يضرب بجذوره عميقا في السياسة وعالم المال والأعمال في غينيا. وأن اجتثاث مثل هذا الفساد قد يكون بطيئا إلى حد مؤلم، وفي نفس الوقت خطيرا، لأن أصحاب المصالح الخاصة لا يرحبون بالتحديات، وأن الافتقار إلى الشفافية، في ظل الفساد الاقتصادي المستوطن، لا يعني عدم سداد الضرائب وانعدام المنافسة واختصار ثروات البلاد في مؤسسات بعينها فحسب؛ بل ويعني أيضا تآكل العملية السياسية وتقويض الديمقراطية الناشئة.
وكانت غينيا تعاني مما تشهده بعض دول الشمال الإفريقي من عرقلة التغيير وفتح الباب للإحباط، وذلك النوع من التوتر السياسي والعنف المؤسف والذي ينتج عنه وفيات مأساوية، وهي بالطبع أكثر الأشياء التي تؤثر على بلاد القارة. فارتأت دول عمق القارة أنه لن يُبنى المستقبل إلا على أساس شراكات سليمة بين الحكومة والقطاع الخاص وبقية مؤسسات الدولة، جنبا إلى جنب مع الالتزام بتعزيز الديمقراطية والشفافية، والتركيز على استخدام الثروات من الموارد لتحقيق مستويات معيشية أعلى.
إن القارة الإفريقية متفردة في العديد من أحداثها، فهي أكثر الدول التي وقعت تحت تأثير الاستعمار لفترات طويلة، وترك الاستعمار لها إرثا ضخما من الحكم القبلي أو العسكري، إلى جانب التداخل في تماس الحدود لإشعال أزمات في اوقات مختارة، فأثر تاثيرا سلبيا على اقتصادات تلك الدول، والتي تملك الكثير من الموارد الطبيعية والبشرية التي طالما استولت عليها دول استعمارية، إلا أن الجزء الشمالي من القارة ما زال قابعا تحت حلم الحرية والتغيير والعدالة الاجتماعية بعد أن تم تفريغه من عقول يمكنها أن تحمل مشاعل الديمقراطية والمساواة، وتم تجريف نخب الكفاءات الوطنية، فأصبحت دول الشمال تتخبط بين بعث الحاكم وحلم الاستقرار من جهة، وبين التنمية الاقتصادية والبشرية من جهة أخرى.
عوامل التأخر يصاحبها دائما أجندة لقتل أي إبداع أو صوت ينادي بأبسط قواعد الديمقراطية، وتمكين النهابين الذين يعتمدون على شركاء في الخارج لإخفاء هوياتهم الحقيقية، وتدوير مستقبل شعوبهم وفق أهواء الآخرين باستخدام دعاية وقوانين كاذبة لإضفاء قشرة من الاحترام على سلوكهم المدمر. فيا ليت دول الشمال الإفريقي تترك شعاراتها وأيديولوجياتها وتفر إلى دول العمق وتستعير منها سبل شراب ترياق تجاربهم ربما يكون فيها الخلاص للعيش والكرامة والحرية والديمقراطية.

جودة مرسي

إلى الأعلى