الثلاثاء 20 أغسطس 2019 م - ١٨ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / تآكل حزب العمل

تآكل حزب العمل

علي بدوان

فاز معسكر اليمين “الإسرائيلي”، بقيادة حزب الليكود، في الانتخابات التشريعية للكنيست الحادية والعشرين في “إسرائيل”، بأغلبية بسيطة على معسكر “يمين الوسط والوسط” ومعه تلاوين من “اليسار الصهيوني” وتحديدا حزبي العمل وميرتس. فقد بات حزب الليكود في مواجهة حزب آخر، يحظى بحضور عدد مساوٍ له تماما في الكنيست (35 مقابل 35) عضوا على مقاعد الكنيست، لكن الليكود يمتاز عنه بتحلق الأحزاب اليمينية الصغيرة حوله، ورغبتها بالتشارك معه في ائتلاف حكومي جديد بقيادة بنيامين نتنياهو، الذي سيكون للمرة الخامسة رئيسا للحكومة في تاريخ الكيان العبري الصهيوني.
المهزوم الأكبر في الانتخابات كان حزب العمل “الإسرائيلي”، حزب العمل (الماباي)، الحزب العمالي الاشتراكي التاريخي الذي قاد السلطة في “إسرائيل” لسنوات طويلة، الحزب الذي جرى تأسيسه عام 1939، وهو الحزب المؤسس للدولة الصهيونية، الذي أسس (الهاجاناة) التي كانت بمثابة “الجيش الإسرائيلي”، وقاد حرب العام 1948 ضد الجيوش العربية التي دخلت فلسطين، هذا الحزب بات ومنذ عقدين ونيف من الزمن حزب الخيبات في “إسرائيل”. فحزب العمل حصل على ستة مقاعد فقط، بينما كانت تعطيه استطلاعات الرأي قبيل الانتخابات ما بين 8 و10 مقاعد، ولكن هذا الرقم انخفض إلى 6 بعد فرز أكثر من 95% من الأصوات.
وقبل ظهور النتائج شبه النهائية، صرح رئيس الحزب (آفي جباي) معترفا بالهزيمة المرة لحزب العمل في هذه الدورة الانتخابية، حين قال: “إن النتائج تحمل خيبة أمل كبيرة لحزب العمل”. وأضاف قوله: “هذا ليس بالأمر السهل بالنسبة لنا وبالنسبة لي، لم أكن أتمنى انتهاء الأمر هكذا، لقد حاولنا أن نبني فريقا ممتازا وقد نجحنا في القيام بحملة ممتازة. لكن الواقع السياسي ذهب في اتجاه مختلف، أدركنا أننا سنحتاج إلى تحالفات سياسية، لكن لم يكن هناك من كان على استعداد للتحالف مع أيديولوجيتنا ومسارنا”.
وفي واقع الحال، إن الفوارق بين الليكود والعمل ليست واسعة، إنما هناك أصوات أكثر تعقلا وعقلانية داخل حزب العمل قياسا للخطاب السياسي الفج لحزب الليكود، واصطفافه الكامل إلى جانب خطاب قوى اليمين والأحزاب الدينية الصغيرة، فحزب الليكود ومن معه الآن يمثلون يمينا أيديولوجيا متشددا يعيد استحضار الشعارات الأولى للحركة الصهيونية، ويترجمها بعبارات جديدة من فحوى “السلام مقبل السلام” للعرب والفلسطينيين، وأن “لا مكان للأرض” بعملية المفاوضات.
إن تراجع حضور حزب العمل من الريادة إلى الهامش، والهزيمة الكبيرة التي لحقت به في دورة الانتخابات الأخيرة، أحدث هزة عنيفة داخل مؤسسات هذا الحزب، المفترض أنه حزب عريق في الحياة السياسية “الإسرائيلية”، وقد دفعت تلك الهزة بعضو الكنيست السابق (إيتان كابل) الذي تم ترشيحه في المركز الخامس عشر بعد مواجهة علنية مع رئيس الحزب (آفي جباي) للقول: “هذه أصعب أمسية في تاريخ بيتي. لقد نفذ (جباي) وعده وهدم البيت علينا، الفشل مسجل باسمه فقط. لم يعد لديه تفويض بإدارة الحزب، وعليه أن يستقيل هذا المساء”. وقالت عضو الكنيست من حزب العمل (شيلي يحيموفيتش)، التي تحتل المرتبة الخامسة في قائمة حزب العمل، بعد نشر النتائج: “هذه ضربة مؤلمة، وهي أدنى نتيجة لحزب العمل على الإطلاق. لقد تعرض اليسار الصهيوني لضربة شديدة ويجب على المرء أن يجري حسابا مع النفس بعد هذه الليلة. لدينا طريق طويل وصعب. دستور حزب العمل ينص على إجراء انتخابات لمنصب الرئيس بعد 14 شهرا على الأكثر من الانتخابات التي لم يفز فيها الحزب برئاسة الوزراء”.
إن تراجع حزب العمل في الحضور وسط المجتمع “الإسرائيلي”، وتحوّله لحزب هامشي، يعود لعدة أسباب مجتمعة، أولها التحوّلات التي طرأت في بنية المجتمع “الإسرائيلي” وانزياحاته المتتالية باتجاه اليمين واليمين المتطرف في ظل خطاب حزب العمل الداعي للتسوية مع الفلسطينيين والعرب. وثانيها انسداد أفق عملية التسوية وانغلاقها خصوصا مع الجانب الفلسطيني نتيجة تغلغل تأثير قوى وأحزاب اليمين، وتهييجها للشارع “الإسرائيلي” وإغراقه بخطابات الفاشية والعنصرية ضد عموم العرب والفلسطينيين. وثالثها غياب الشخصيات (الكاريزمية) التاريخية التي لعبت دورا مهما في قيادة حزب العمل “الإسرائيلي” والدولة الصهيونية، وهي من جيل المؤسسين، أو من الجيل الذي يُطلق عليهم في “إسرائيل” لقب “المحاربين القدماء” ومنهم: ديفيد بن جوريون، إسحق رابين، شيمون بيريس، إيجال آلون، أبا إيبان، جولدا مائير، موشيه شاريت، موشيه دايان، حاييم بارليف، عاز وايزمن… وغيرهم. ورابعها مجموعة الانشقاقات التي ضربت جسم الحزب وعموم مؤسساته منذ العام 1991، وقد أثّرت تلك الانشقاقات عليه، واستُتبعت بعملية اغتيال أحد قادته إسحق رابين على يد اليهودي اليميني (إيجال عامير)، وتكاد أن تكون تلك العملية بمثابة عملية الاغتيال الداخلي السياسي الأولى في تاريخ “إسرائيل”. وخامسها استمرار حزب العمل بالتركيز على الحضور وسط النخب اليهودية الغربية المتأتية من منابت أوروبية غربية، وإهماله الكم الكبير من اليهود الذين وصلوا إلى فلسطين المحتلة في موجات الهجرات الكولونيالية الاستيطانية التي بدأت مع تفكك الاتحاد السوفييتي السابق بعد العام 1990، وعددهم وصل لنحو مليون ونصف، وقد اتجهوا بمعظمهم نحو صفوف أحزاب اليمين، وحزب “إسرائيل بيتنا” بقيادة اليهودي المولدافي الأصل أفيجدور ليبرمان، وبالتالي فإن كتلة كبيرة من اليهود القادمين من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، انحازت تلقائيا لخط الليكود وقوى اليمين.
وبالنتيجة، يعيش حزب العمل “الإسرائيلي”، أنفاسه الأخيرة، ويرجح له أن يتراجع أكثر فأكثر ليصبح حزبا صغيرا أو يندمج مع أطر وأحزاب قريبة منه كحزب “ميرتس” قبل أن يتم نعيه بشكل نهائي.

علي بدوان
كاتب فلسطيني
دمشق ـ اليرموك

إلى الأعلى