الأحد 18 أغسطس 2019 م - ١٦ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / لماذا اسطنبول مهمة؟

لماذا اسطنبول مهمة؟

أحمد مصطفى

لم يقبل حزب العدالة والتنمية، بزعامة الرئيس رجب طيب اردوغان، نتيجة الانتخابات المحلية في مدينة اسطنبول وفاز بها مرشح حزب الشعب الجمهوري أكرم إمام أوغلو رغم أن الحزب الحاكم خسر أيضا بلدية العاصمة أنقرة وقبل بذلك. ويرى كثير من المراقبين، داخل تركيا وخارجها من المعنيين بالشأن التركي، أن نتائج انتخابات المحليات التي جرت نهاية الشهر الماضي وأظهرت تراجعا في التأييد الشعبي الجارف لحزب أردوغان والذي أبقاه ممسكا بالسلطة في تركيا منذ 2002 كانت تصويتا على الرئيس وسياساته. ومع أن هناك بعضا من الصحة في ذلك، إلا أن حزب العدالة والتنمية وإن خسر بلديات مدن كبرى فإن نتائجه في الريف ما زالت من القوة بما يجعله متقدما على أحزاب المعارضة ولو تقلص الفارق. ويعد ذلك منطقيا في سياق حقيقة أن الحضر التركي لم يكن الكتلة التصويتية التي أبقت أردوغان في المقدمة دوما، وإنما الريف الذي يستهلك بسهولة الشعارات الدينية الشعبوية الأقرب إلى شعارات تنظيم الإخوان والمحسنة بمسحة تركية.
ويدرك حزب العدالة والتنمية تلك الحقيقة الانتخابية، إلا أن اسطنبول تظل مهمة للحزب وللرئيس تحديدا أكثر من أي استراتيجية انتخابية لاعتبارات تتجاوز حسابات الأصوات ومؤشرات الانتخابات. لذا ما أن ظهرت نتائج الانتخابات مطلع الشهر الجاري حتى طعن فيها الحزب الحاكم، وجرى إعادة فرز الأصوات في بعض لجان اسطنبول ولما بدا أن مرشح حزب الشعب الجمهوري يظل متقدما على مرشح حزب العدالة والتنمية طلب حزب أردوغان إعادة فرز الأصوات في كل اللجان طاعنا بانتهاكات شابت العملية. وفي النهاية، وبعد فرز كل الأصوات، ظل أكرم إمام أوغلو فائزا برئاسة بلدية اسطنبول. وبعد نحو أسبوعين من الانتخابات، صرح الرئيس أردوغان بأن الانتخابات المحلية في اسطنبول يجب أن تعاد. ويظل هذا القرار طبعا بيد اللجنة العليا للانتخابات، إذا تقدم الحزب الحاكم بطلب إعادة الانتخابات في اسطنبول وهو ما لم يحدث بعد. ومن غير الواضح إن كان الحزب سيتقدم بهذا الطلب أم لا وما إذا كانت اللجنة ستقتنع بمبرراته من انتهاكات واسعة للعملية الانتخابية تبرر إعادة انتخابات بلدية اسطنبول في يونيو المقبل.
لماذا إذًا كل هذه الاستماتة بشأن بلدية اسطنبول؟ نعم بدت الانتخابات وكأنها تصويت على أردوغان وحزبه وتمثل اسطنبول رمزا في سياق الاستعداد للانتخابات العامة. فإلى جانب أهميتها كثاني أهم مدينة تركية بعد العاصمة أنقرة، تعد أكبر كتلة تصويتية في مدينة يبلغ عدد الذين يحق لهم التصويت فيها 10 ملايين تركي. أضف إلى ذلك أن اسطنبول هي العاصمة الاقتصادية لتركيا، وفي وقت دخل فيه الاقتصاد التركي مرحلة ركود تقني ولم تفلح محاولات الوزير بيرات البيرق زوج ابنة أردوغان في إقناع العالم بأن لديه خطة لتحسين الاقتصاد تضيف خسارة بلديتها هما اقتصاديا آخر للحزب الحاكم. والواقع أن الرئيس أردوغان يحكم عمليا من اسطنبول، مستعيدا بشكل بلاغي روح الخلافة العثمانية، حتى أنه منذ عقدين تقريبا قرر بناء مكتب له في حديقة قصر دولما بهجة على البوسفور.
وبغض النظر عن الكتلة التصويتية والرمزية التاريخية تمثل اسطنبول أهمية قصوى لقياس توجه الطبقة الوسطى التركية، إذ إن بها القدر الأكبر من الأعمال الصغيرة والمتوسطة التركية والتي يبدو أنها تعاني تدهورا في السنوات الأخيرة، ولم تعد تثق في قدرة حزب العدالة والتنمية على إصلاح الأوضاع في تركيا. إلا أن أردوغان شخصيا لديه قناعة بأن من يتولى رئاسة بلدية اسطنبول يحكم تركيا، وهو يستقي ذلك من تجربته الشخصية، إذ إنه برز في السياسة التركية بفوزه برئاسة بلدية المدينة التاريخية في 1994 مرشحا عن حزب الرفاه لزعيمه الراحل نجم الدين أربكان. وكانت تلك بداية الصعود الصاروخي للرجل إلى سدة الرئاسة فيما بعد، وبعدما استولى على حزب أربكان وشكل مع السياسي المخضرم عبد الله جول حزب العدالة والتنمية. هذا سياسيا، واقتصاديا أيضا كانت رئاسة أردوغان بلدية اسطنبول من 1994 إلى 1998 فترة بناء قاعدة أعماله، إذ تمكن من حل أزمة الخبز في المدينة وقتها بمشروع “رغيف البلدية” عبر سلسلة من المخابز التي أدرت على خزينة المدينة أرباحا مكنتها من سداد عجز ميزانيتها.
وحتى الآن، تظل اسطنبول قاعدة أردوغان والمقربين منه جدا من حزبه الذين مكنهم الرجل من التوسع في أعمالهم على حساب تجار المدينة وأصحاب أعمالها الصغيرة والمتوسطة على مدى نحو عقدين من حكمه. ويدرك الرئيس، أكثر من أي شخص، أن اسطنبول بالنسبة له هي تركيا سياسة واقتصادا وتاريخا وشعارات…إلخ. لكن هناك، حتى في حزب العدالة والتنمية، من يخشى أن إعادة الانتخابات في المدينة قد تؤدي إلى خسارة أكبر للحزب في ظل استمرار التدهور الاقتصادي. وقد تكون تلك بداية فقد الحزب قبضته على البرلمان وعلى السلطة إجمالا، لكن من غير الواضح إن كان هناك من يمكنه إقناع الرئيس بوجهة النظر تلك. خصوصا وأن أي تراجع إضافي في الحضر التركي، وفي القلب منه اسطنبول بالتأكيد، يمكن أن تكون له آثار سلبية على قاعدة الحزب الحاكم في المناطق الريفية التركية.

إلى الأعلى